في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، نظمت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة بالتعاون مع الرابطة الفرنسية الثقافية في الإمارات فعالية عروض سينمائية تحت عنوان »مهرجان متجول للفيلم الفرنسي العربي«. بدأ هذا التجول بعرض الفيلم الجديد للمخرج السوري محمد ملص »باب المقام«، الحائز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في »مهرجان مراكش السينمائي الدولي« في دورته الأخيرة.

وتعذر على المشاهدين متابعة باقي العروض بعد عرض فيلم ملص، بسبب رداءة آلة العرض التي شطرت الفيلم إلى طابقين وأحياناً يغيب »الصوت« وان عاد بعد تأفف البعض من المشاهدين وأولهم »المندوب الفرنسي«، يعود مقطعاً فوقع تخلف »الآلة« على فحوى فيلم »باب المقام« الذي يسرد حكاية تخلفنا الاجتماعي العربي.

برز محمد ملص في منتصف ثمانينات القرن الماضي. كصانع سينمائي يحمل رؤية مختلفة عن السائد في السينما العربية، من خلال باكورته السينمائية في فيلم »الليل«، الذي كتب قصته وأخرجه معبراً عن ثلاثة أزمنة هي الزمن العربي من خلال المأساة الفلسطينية، والزمن »السوري« بكل تقلباته السياسية وأبعاده الاجتماعية، والزمن الفردي بعلاقته بالزمنين وبذاته وبذاكرته المختصرة لأزمنة عامة.

وبدا أسلوبه الفني المستخدم بتصوير كل هذه الخلطة المركبة »الجدلية«، من دون مرجعية عربية محلية أو عالمية. فهو يؤلف رؤية سينمائية جديدة تقوم على ابتداع خطها دونها التقليد أو استعارة من نماذج سينمائية معروفة ومشهورة أو مغمورة.

حكاية »باب المقام« تدور حول امرأة تعشق الغناء الكلاسيكي العربي القديم وتردد ألحانه بصوتها »الحنون« داخل منزلها وأمام زوجها وأطفالها الذين يشاركونها الغناء أحياناً مع ابنة شقيقها ذات العشر سنوات، والتي تعيش معها في منزلها بسبب ان والدها في المعتقل السياسي منذ سنوات والأم تخلت عن طفليها إثر ذلك ليعيشا مع عائلة والهدما السجين. لكن العائلة تعيش تحت هيمنة »العم« القاسي والمتعجرف، وهو ضابط في »الجيش« متقاعد ومتحسر على تقاعده »المبكر«، ويلوم في ذلك ابن شقيقته المسجون. فلولاه لما خرج من »الجيش« وأصبح صاحب مذبح للدجاج.

يمثل هذا الرجل صورة أصيلة لتخلف المجتمعات العربية، القائمة على بنية اجتماعية أبوية ذكورية محضة، ترتفع وتزداد مع تقدم المجتمعات الحداثية.

وهي أكثر قوة الآن من زمن منتصف القرن الماضي. حيث الغناء الكلاسيكي و»الطرب الأصيل« الذي انتشر في كل بيوتات ذلك الزمن، خصوصاً في مدن مثل حلب ودمشق وبيروت والقاهرة وبغداد وسواها من مدن عربية أخرى.

وللدلالة على هذا الزمن يحضر ملص إلى فيلمه امرأة عجوز تحمل صفة »خوجة حلب«، أي المغنية التي كانت تحيي كل حفلات الأعراس وسواها في البيوتات عندما كانت شابة، وهي بالإضافة إلى تمثيلها تلك المرحلة الزمنية بأبعادها السياسية »القومجية« التي كانت أكثر انفتاحاً على حراك التطور الاجتماعي الإنساني، تمثل الطبقة الاجتماعية الوسطى التي كانت تؤمن فضاء إنسانياً واسعاً، بالمقارنة مع الطبقة الاجتماعية الفقيرة السائدة اليوم بخطابها »المتطرف« والقاتل لمجرد الشبهة، كنتيجة طبيعية لتخلفنا الاقتصادي.

يبدأ العم بالتشكيك بابنة شقيقه المولعة بالموسيقى والغناء، ويعتبر ان في الأمر شيئاً لا يعرفه. ويروح به الظن إلى انها قد تكون واقعة في »الغرام« أو انها »ضيعت شرف العائلة« مع انها متزوجة من رجل كان صديقاً لشقيقها قبل اعتقاله، تهمه الحالة السياسية العامة فيواظب على سماع نشرات الأخبار على الدوام، ويحب زوجته برقة وعذوبة التي تبادله الحب والاحترام.

بمعنى ما هو رجل مضاد للذكر القبيح الذي يمثله العم، الذي لا تهمه الحالة العامة وما يتعلق بها من اختلالات لأجزاء عربية (فلسطين العراق)، بمقابل تكريس جهده لمراقبة الزوجة الوفية والرقيقة، إلى ان يقوم بقتلها لمجرد شبهة يقنع بها نفسه وذكور العائلة الذين يخضعون له خوفاً وتهيباً من دون أي جرأة على الرفض أو التفكير بإيقاف فكره »المعتوه«، وحين يقول له أحد أبنائه ان قلبه لا يطاوعه على ارتكاب هذه الجريمة يزجره قائلاً: »روح أقعد بجانب زوجتك«.

ما يطرحه محمد ملص في »باب المقام« قضية نعيشها في معظم المجتمعات العربية بنسب متفاوتة. وهي قضية المرأة ودورها في المجتمع بمواجهة بنية »بطركية« ذكورية مغلقة وفاقدة للحواس وللقدرة على استخدام منة العقل. لطرح اسئلة كبرى ببساطة واضحة إلى متى نبقى في معسكرين، أولهما رجالي، وثانيهما نسائي. إلى متى يبقى هذا الانفصام يقف كجدار عائق أمام قدرتنا على التقدم والمساواة والعدالة؟

لأن القصة واقعية بالفعل اختار ملص أسلوباً مختلفاً في تقنيات وفنيات شريطه الجديد، عن فيلميه السابقين »الليل« و»أحلام المدينة«. فلم يفرق بالاستعراضات »الرمزية«، إذ ان كل فاصلة في الفيلم موظفة في مكانها من دون مبالغة، ومن دون ان يتخلى عن ملء كادراته بلغة بصرية ممتازة في زوايا اللقطات وتحريك الكاميرا مع حركة الشخصيات، موحياً بما تحمل في دواخلها ومظهراً أفعالها في مساحة سينمائية كاملة، حافظت على المروي ووضعت كل عناصر الشريط في مكانها المحدد، وكأن المشاهد يطل من شرفته على حدث واقعي يقع في شارعه الذي يقطنه، مع انه يرى ذلك على الشاشة الفضية التي يمتلك محمد ملص مفاتيح لعبتها بالفعل.

يستحق هذا الفيلم أكثر من جائزة مع أننا لم نستطع ملاحظة كل مستوياته الفنية بسبب ما ذكرنا من رداءة آلة العرض.

حسين قطايا