قد لا يكون فيلم المخرج السوري حاتم علي »العشاق« من أفضل الأفلام الروائية الطويلة التي دخلت مسابقة مهرجان دمشق السينمائي في دورته الحالية، لكنه بلا شك حمل لمتابعيه العديد من المفاجآت، كان أولها أن الفيلم من إنتاج شركة »سورية الدولية« أي القطاع الخاص الذي غاب طويلا عن دائرة الإنتاج السينمائي بعد أن كان الأوفر إسهاما خلال عقدي السبعينات والثمانينات، وإلى ذلك فهذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها هذا القطاع في مسابقة المهرجان.
وإذا كنا قد عرفنا حاتم علي مخرجا تلفزيونيا ومسرحيا قدّم العديد من الأعمال الجيدة، كان آخرها مسرحية »أهل الهوى« ومسلسلي »عصي الدمع« و»ملوك الطوائف« فهذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها حاتم للسينما، وتتنافس تجربته البكر مع خمسة وعشرين فيلما ومخرجا جاءوا من مختلف دول العالم.
أيضا الفيلم صُوّر بكاميرا ديجيتل، ثم تم تحويله إلى شريط سينمائي، مما يعني أن شرطه الإنتاجي كان ضيقا، مع ذلك فالفيلم جميل قالبا ومضمونا، حمل بين طياته الكثير من عناصر الجدّة التي يمكن تسجيلها في نطاق السينما السورية، والتي تبدأ من سؤال الفيلم وموضوعه، مرورا بأساليب المعالجة الفنية، انتهاء ببنية الشخصيات والأداء التمثيلي.
كتبت سيناريو الفيلم أمل حنا، وتتمحور ملابساته حول سؤال بسيط طالما ردده البشر في لحظات الفقد: لماذا تتكسر القلوب تحت وطأة القدر وتعسّف الآخرين؟ والمفارقة أن هذا السؤال الجارح لا يبحث عن إجابة، بقدر ما يسعى إلى التأكيد على أهمية العواطف، وضرورة وجود الآخر كي تكتمل ذواتنا، مهما كان حجم العذاب الذي يحمله لنا الحب، ويبدأ الفيلم بمشهد داخلي في منزل المحامي عمر الحلبي (باسل خياط)، وهو يجلس في سريره، يقرأ، ويداعب طفلته الصغيرة، ثم يلتقط صورا لزوجته سلمى (نادين تحسين بك)، والصور تفتح ذاكرة القلب، تطاول ليس فقط عواطف المحامي، وإنما عواطف كل الشخوص الذين داروا في فلكه.
هكذا يرتد الزمن إلى الوراء لنشهد أولى خيبات الشاب ابن الثامنة عشر، الطالب المتفوق الذي يحلم بإكمال دراسته الجامعية في أمريكا، ويحلم بالزواج من عشقه الأول منى (سلاف فواخرجي) الفتاة التي تنتمي إلى دين آخر، لكن أحلامه تتكسّر بمرض أبيه (حسن عويتي) المفاجئ، واكتشاف أهل الحبيبة قصة الحب وقرارهم ترحيلها السريع إلى خارج البلاد لتقيم عند شقيقها في أمريكا، وإذا كان العاشق قد اصطدم في هذه المرة بقسوة الأعراف الاجتماعية، ففي المرة التالية يصطدم ببطش القدر حين تموت حبيبته الثانية وزوجته الأولى (ناريمان أسعد) بعد أن تركت له طفلة وُلدت لتوها.
وتتابع الذاكرة خطوها لترسم محطات أخرى للحب والفقد، يفصل ما بينها صوت المحامي المجروح الذي يأتي ما بينها كي يسبك الخيوط، ويلقي بأسئلته عليها، محطات في مشاهد ولقطات تتابع وتراكم صورها وشجونها، يرتبها حاتم علي برقة شاعر مسّه العشق حتى فاض، يختزل الكلام والحالات في مشاعر كثيفة وحساسيات مرهفة تحاكي جوهر المعنى لدى المتلقي، وهذه الشعرية ذي المسحة الرومانسية التي تقوم على التفاصيل الداخلية الحميمة للكائن، هي إضافة جديدة للسينما السورية التي طالما حاورت القضايا الكبرى والأسئلة المصيرية في نتاج المؤسسة العامة، أو اعتمدت الكوميديا والهزل في معظم نتاج القطاع الخاص لجذب الجمهور.
أيضا ثمة جديد على مستوى التركيب العام للشخصيات، فالفيلم جمعنا بنماذج إيجابية وفاعلة، تنتمي لمفهوم العصر، تحلم، وتسعى نحو الأفضل، تواجه قدرها، تقاوم شرطها الاجتماعي، تنتصر وتنهزم ومع ذلك تظل قادرة في كل مرة أن تنهض من رمادها، وتستأنف حياتها وأحلامها وفاعليتها الاجتماعية، نماذج غير مأزومة أو مهزوزة أو مستلبة من الداخل، كما هي الحال في أغلب نتاج السينما السورية، لكن قدر هذه النماذج، لقاءها بالعالم الخارجي هو مصدر توليد الأزمات في حياتها، مما جعلها شخصيات جذابة قادرة على تحريك مشاعر المشاهد وتعاطفه، وترافق هذا البناء النفسي الاجتماعي بأداء تمثيلي جميل أسهم بتفعيل هذه الشخصيات، وبث الحياة فيها، وإكسابها ردود فعل وتعبيرات حركية وكلامية نابعة من خصوصيات روحها وشرطها العام دون تكلف أو افتعال.
دمشق: تهامة الجندي