في ظل ورش العمل المكثفة التي تقوم بها المصارف والمؤسسات المالية العربية في خطوة نحو الالتزام بمقررات بازل-2 في الوقت المحدد أي في العام2007، تنشغل هذه المصارف والمؤسسات حالياً في تأسيس لجان متخصصة لدراسة كيفية تطبيق تلك المقررات عبر اعتماد تقنيات محددة تتماشى والإمكانات المتاحة فيها، وتساعدها للوصول إلى مصاف المصارف العالمية في مجال إدارة المخاطر وطرق قياسها ومتابعتها والتحكم فيها.

وفي حين يشهد بعض الاقتصاديين العرب على قدرة الدول العربية على تطبيق مقررات بازل-2 بحيث إنها لا تحتاج سوى لمزيد من الوقت حتى تتمكن من الالتزام بالمعايير الدولية، يرى بعضهم الآخر صعوبة في تحقيق ذلك نظراً لحاجة تلك الدول إلى تطوير أنظمتها وسياسة إدارة المخاطر فيها من جهة، وإلى عدم معرفتها بمرحلة ما بعد بازل وتخوفها من النتائج غير المتوقعة من جهة أخرى.

وفي كل الأحوال، فإن التطورات التكنولوجية المصاحبة للعولمة الاقتصادية والمالية ساعدت،إلى حد كبير، في إحداث تغيرات عديدة وكبيرة في الصناعة المصرفية، نتج عنها تزايد للمخاطر التي تؤثر على أنشطة المصارف، وهذا ما تم تناوله خلال المؤتمر المصرفي العربي السنوي الذي عقد في بيروت الأسبوع الماضي، والذي طرح الاتجاهات المعاصرة في استراتيجيات إدارة المخاطر والسياسات العامة لتمكين المصارف العربية من إدارتها من خلال التقيد بمقررات بازل الثانية.

ولما ركّزت اتفاقية بازل-2 على الإدارة المتطورة للمخاطر المصرفية، بحيث فرضت على المصارف إعادة تقييم أنظمة وعمليات إدارة المخاطر فيها، فإن ذلك فرض تعقيدات جديدة على عمل المصارف، كما فرض »تخوفاً جماعياً« حسبما قال رئيس مجلس إدارة مصرف آشور الدولي في العراق وديع حنظل لـ »البيان«، إذ اعتبر أن تلك الاتفاقية »قد تحرم المصارف العربية من إيرادات كانت تستفيد منها في السابق (مثل سندات الخزينة) وبذلك تتحول نسبة الفائدة من 0% إلى 1%، ما يعني خسارة للمصارف، من هنا فإن التخوف من بازل هو نتيجة عدم معرفة ما سيحدث في المرحلة المقبلة على الرغم من أهمية تطبيق معاييره«.

بالإضافة إلى تراجع الإيرادات، يرى حنظل أن التخوف يأتي نتيجة وضع النّسب غير الجيدة »الذي يوقع المصارف في مخاطر كبيرة، وقد يؤدي إلى هروب العملاء إلى مصارف أخرى لا تمتثل إلى معايير بازل-2، وفي كل الأحوال فهناك لجان تؤسس حالياً لدراسة كيفية تطبيق معايير بازل من خلال اعتماد تكنولوجيا محددة تسهل على المصارف عمليات الالتزام بها«.

وبالنظر إلى تحديات المرحلة المقبلة، يتوقع حنظل أن الالتزام بمعايير بازل الثانية سيكون من قبل بعض الدول العربية وليس جميعها »وأكثر الدول ترشيحاً للالتزام بها هي لبنان، لأنه يتابع بجدية هذا الموضوع كما أن المصارف اللبنانية مهيأة عملياً للتغيير، وقد بدأت منذ الآن بإعداد الدراسات وبوضع تقييم شامل، وكذلك الأمر لجهة بعض الدول في الخليج العربي، أما بقية البلدان العربية فهي حتى الآن بعيدة عن بازل-1، وتحتاج إلى وقت طويل لتتمكن من تطبيق المعايير الدولية «.

إلى ذلك، وعلى الرغم من الضغوط التي تفرضها اتفاقية بازل-2 على المصارف العربية لتدعيم مستويات رسملتها ومعدلات كفاية رأس المال بسبب المخاطر الجديدة، يرى الرئيس التنفيذي في بنك المشرق في دولة الإمارات العربية المتحدة عبد العزيز عبد الله الغرير في هذه الضغوط ضرورة، ويوضح لــ »البيان« أن »المصارف العربية، وبرغم تطورها المستمر، هي بحاجة إلى تطوير نفسها في مجال إدارة المخاطر، وهو العامل الرئيسي الذي يحدد كفاءة المصرف ومدى استعداده للدخول في منافسة مع المصارف العالمية،

لذلك يفترض أن ننتهز الفرصة لتحسين أداء المصرف وبالتالي تحسين إدارة المخاطر والتمييز في ما بين الزبائن ومعرفتهم جيداً، إلى جانب حاجة رأس مال المصرف إلى الاهتمام بتلك الناحية، من هنا ضرورة بدء المصارف بتجهيز وتهيئة نفسها لتطبيق المعايير الجديدة، ولتكون في موقع القادر على إدارة المخاطر، لأن عدم الاهتمام يعرّض الوضع المالي للمؤسسة المصرفية إلى الزعزعة وعدم الاستقرار، وإذا بدأنا بالإصلاح منذ اليوم، فإن التنفيذ سيستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات على أبعد تقدير«.

وفي مقابل النظرة غير المريحة إلى معايير بازل-2، وما تفرضه من »هيبة« على المصارف العربية في تطبيق مقرراتها، يرى أمين عام اتحاد المصارف العربية فؤاد شاكر، في حديث لـ»البيان« »أن صعوبات التطور ليست بمشكلة، وبازل-2 ليس له منظور سياسي وإنما يُعتبر من الأمور الاقتصادية البحتة التي تسعى إلى تقوية المصارف العربية، من هنا فإن تلك الاتفاقية، حتى لو أوجدت الصعوبات،تفرض علينا تحديها كي نصل إلى التنفيذ، أما هل نحن قادرون على التنفيذ أم لا، فهذا ما نسعى إليه«.

واللافت في المؤتمر المصرفي العربي الذي عقد في بيروت تحت عنوان: »العمل المصرفي في عالم المخاطر« أنه أثبت وجود رؤية استراتيجية مشتركة بين المصارف العربية إلى المخاطر المحدقة بالعمل المصرفي في المنطقة العربية وإلى ضرورة اعتماد المعايير الدولية لمكافحة هذه المخاطر، وبناء على ذلك يعتبر شاكر »أن المشكلة عامة وموجهة لمنطقة ومناخ واحد،

وعليه يجب أن يكون التعامل معها برؤية موحدة من قبل الحكومات والمصارف العربية معاً، فلو استطعنا التعاون فيما بيننا للتقليل من المخاطر يصبح بإمكاننا تطبيق المعايير الدولية، بما فيها بازل-2، وبالتالي الوصول إلى مناخ استثمار أفضل والدخول إلى الاقتصاد العالمي بشكل مريح، كما تسهل علينا معالجة مشكلات البطالة وغيرها في المنطقة العربية، ما يساعدنا على التحرك بشكل أكبر«.

يشار إلى أن مقررات لجنة بازل الجديدة أو(الثانية) تتضمن في طياتها أسلوباً جديداً لقياس وتحليل وإدارة المخاطر الائتمانية وبتقنيات تقليدية وحديثة. وعليه، تكتسب عملية إعادة تقييم السياسات الائتمانية في المصارف العربية أهمية وضرورة بالغتين من أجل ضمان التأقلم المناسب لهذه المصارف مع هذه التوجهات الرقابية العالمية الجديدة.

وكان مدير عام سلطة مركز دبي المالي العالمي (DIFC) عمر محمد أحمد بن سليمان أكد، خلال إحدى جلسات عمل المؤتمر المصرفي العربي في بيروت في ما يتعلق بضرورة تطبيق المصارف العربية لمعايير بازل-2، أنه لم يعد أمام تلك المصارف خيار آخر سوى التميز بالخبرة والقدرة على المنافسة والتكامل مع المصارف العالمية من حيث الأسعار والجودة والإدارة ومعايير الشفافية والإفصاح وغيرها، والعمل للوصول إلى شبكة حقيقية من هذا النوع مرتبطة بشكل أساسي بمدى جدية التعامل مع التحديات السابقة وغيرها.

بيروت ــ إيمان عجينة