لا يبدو أنّ الخطط التوسّعية التي تتبعها مراكز التسوّق في دبي، نابعة من فراغ، فالتوسّع لا يشمل تمدداً مترياً فحسب، وزيادة عقارات مضافة.
بل هو توسّع يطال، بالدرجة الأولى، الفكر التسويقي لهذه المراكز، التي باتت تعي جيّدا أنّ البريق الذي يحيط بأسمائها لا يمكن أن يظلّ طوال الوقت حبيس رسالة واحدة هي »تعال وتسوّق من محالنا الفخمة«.
من هنا، برز، في السنوات الأخيرة، سعي واضح لدى تلك المراكز إلى دمغ صورتها بسمة معيّنة تعطيها الفرادة والتميّز وتوفّر لها وقود المنافسة. »مركز وافي« هو أحدث مثال، في هذا السياق.
فمنذ البدء بمراحل توسّعه، قبل سنتين، كان كل توسّع جديد يضاف إلى مساحة مجمّعه يصاحبه حملة تسويقية لافتة. وفي العام الماضي، كان بوسع المتجوّلين في المركز أن يتأملوا صورا عملاقة علّقت في فضائه، تظهر نساء عصريات وأنيقات مع شعار يقول: »حرري المرأة التي في داخلك«.
لاقت الحملة صدى واسعا بين المتسوّقات اللاتي »لفحهن« نسيم التحرر والاستقلالية. النسيم هبّ من جديد هذا العام مع حملة جديدة بعنوان »هل أنت لوافي؟«، تضيف إلى معاني الحملة الأولى، معنى آخر هو الوفاء لمركز التسوّق.
أن يطلب المسوقون من العميل، صراحة، أن يكون وفيا للمكان الذي يفرّغ فيه حاجياته الاستهلاكية، فتلك خطوة جريئة تحمل الكثير من التحدي والمغامرة. لكنّ المركز نجح بتحقيقها. الصورة العصرية باتت واضحة إذا، يضاف إليها معاني الفخامة التي سعى المركز للترويج لها منذ إنشائه.
لكنّ مسوقي وافي لا يريدون أن يقطعوا الجذور مع الماضي. هناك من فكّر في يوم وقال: »إذا كنّا نسعى إلى وسم أنفسنا بالعصرنة، فاهتمامنا بالتاريخ واحتفائنا به سيكون الأداة الأكثر جدوى لتحقيق هدفنا«. إنّها فكرة ذكية معناها إبراز النقيض بالنقيض.
»إذا أردت بريقا حول عصريتك، فلتبرز التاريخ في المكان ذاته«. تلك هي الخطة التي جعلت المركز يهتم بالعروضات الثقافية التاريخية، مثل »دبي تاريخ لا يشيخ«، أو »المتحف الرمضاني«، فصار المتسوّقون يبحثون، في كل مرة يزورون فيها المركز، عن تاريخ مخبأ في زاوية ما، أو أسطورة مخفية في أحد الأروقة. ذروة هذا التوجّه تمثّلت بإعلان ».
وافي للعقارات« أمس عن إحيائها أسطورة »سوق خان مرجان العريق«، الذي تشير الدراسات إلى وجوده في بغداد في القرن الرابع عشر (1358)، وتصف »أرضياته الرخامية المشغولة يدويا والأفاريز ذات الأشكال المعقدة في الجدران« واستقطابه »محبي الفن الحرفي والتحف«. استفاد »وافي« من خبرات المؤرخين.
ومن زيارات قام بها مسؤولوه لكل من لبنان وسوريا وتركيا، والاطلاع على ما تبقى من آثار تدلل على وصف السوق، وقرر، بعد ستة قرون، أن ينفّذ نسخة جديدة مطابقة لأصالة القديمة، ويجمع فناني وحرفيي المنطقة في مكان واحد يمتد على مساحة 50 ألف قدم مربع موزعة على أكثر من 240 وحدة.
يقول مايك ديفيدسون، مدير وافي للعقارات، إنّ »الدراسات التي قمنا بها أثبتت أنّ الحرفيين لا يحبذون الاستثمار في متاجر التجزئة بسبب التكاليف الباهظة، لكننا غيرنا المفهوم في خان مرجان الذي سننجزه بحلول 2007«.
وتفاديا للتشابه مع تجارب أخرى يقول ديفيدسون: »سنختار مستأجرينا بعناية«. وخلافا لطرق الإيجار المعتمدة حاليا، سيسلّم »وافي للعقارات« بائعي التجزئة متاجرهم كاملة التصميم والتجهيز متيحا أمامهم إمكانية المباشرة سريعا في تسيير أعمالهم.
»سنجنبهم عبء المصاريف الباهظة التي غالبا ما ترافق تجهيز المتاجر، وآلية الشيكات المصرفية على فترات طويلة«، يشرح ديب بدر، مدير السوق.
هذا من شأنه أن يشجّع الحرفيين والفنانين في المنطقة على التجمع في »خان مرجان« وعرض أعمالهم المبتكرة. واللافت في الأمر، أنّ السوق سيضمّ متاجر بيع بالتجزئة لأصحاب الحرف والفنون التقليدية دون سواهم، ولا نتوقّع أن نصادف هناك »كارفور« أو »سبينيس« أو »جيان«، وسيشمل أعمالا فنية مستوحاة من الأندلس حتى أفغانستان:
»إنها فكرة متفرّدة وسبّاقة«، تقول هند الفلاسي، مديرة العلاقات العامة في »وافي« بحماسة لافتة. ومن غير شكّ، فإنّ استحضار »الأساطير« مرة أخرى وجعلها حقائق على الأرض، لا تليق به إلا حماسة مفرطة.
كتب إبراهيم توتونجي:
