تتوالى الانتاجات السينمائية في آخر السنة كالعادة خاصة وان مواعيد المهرجانات السينمائية العالمية تبدأ مع مطلع السنة المقبلة، بما تحمل معها من جوائز مغرية لصناع الفن السابع. الذين يسعون لتكريس أنفسهم من خلال نيلهم »للاوسكارات« أو لـ »غولدن كلوب« وسواها من جوائز ذات قيمة عالمية.
بدأت بعض هذه الأفلام المتنافسة بالتسلل إلى الصالات العالمية ومنها بالطبع الصالات المحلية السباقة دائماً على مستوى »الشرق الأوسط« لعرض كل جديد من كل المستويات، ان كانت جيدة أو عادية أو ما دون، فالمهم تحقيق الانتشار وتأمين العروض لمشاهد ينتظر على الدوام الأفضل والأمتع. ومن الأفلام التي وجدت طريقها إلى صالات العرض المحلية من مستوى جيد فيلم »لورد أوف وور« أو »سيد الحرب«، عن قصة اجتماعية سياسية مثيرة حول شاب أميركي من أصل أوكراني يعمل في تجارة السلاح ويبيعه للعصابات والميليشيات وبعض حكومات العالم الثالث.
وهو يتمتع بذكاء كبير في أساليب تحقيق صفقاته، ويستطيع أن يهرب من ملاحقة الشرطة الدولية له والإيقاع به. ينتمي هذا الشاب إلى عائلة مهاجرة من الإتحاد السوفييتي السابق، جاءت إلى أرض الأحلام الأميركية، فاكتسب »أخلاقيات« المجتمع الرأسمالي، بكل أبعاده التبريرية المركبة لحب الربح، لو كان على حساب دماء الشعوب الفقيرة المتناحرة.
فيما بينها لأسباب التخلف الذي تفرض استمراريته الدول الكبرى على الدول الفقيرة، الذين يبدون لا حول لهم ولا قوة إلا الإذعان لما يخطط لهم في دوائر شركات ومصانع السلاح. فيتقاتلون، ولا يجنون سوى الدمار والموت لشعوبهم مقابل أن يحقق تجار السلاح الأرباح الهائلة والدولارات المغمسة بدماء المساكين.
يوري أورلوف (الممثل نيكولاس كيج)، يبدأ بتقبيل صور آخر زعيم سوفييتي على التلفاز، حين يعلن عن سقوط »النظام الاشتراكي«، فبالنسبة له هذه فرصته التاريخية لكي يذهب ويحصل على ما يستطيع من أسلحة من الدول التي انفكت عن الاتحاد السابق. وبالفعل يتوجه إلى بلده الأصلي »أوكرانيا«، ليلتقي بقريب له برتبة جنرال، فيقنعه بأن يتحول إلى فاسد، وتبدأ عمليات سرقة الأسلحة من جميع الأنواع خفيفة ومتوسطة وثقيلة، يتوجه بها إلى إفريقيا، حيث التقاتل القبلي والمذابح المرعبة. فيجد سوقاً كبيراً خصوصاً في ليبيريا وسيراليون وأكثر البلدان تلك التي تمتلك ثروات معدنية وأحجار كريمة، الماس وسواها.
يقيم علاقة قوية مع زعيم حرب يدعى »باتيت« في عاصمة ليبيريا مونرفيا، وهو يقتل من دون أدنى شفقة، لكن هذا لا يؤثر على يوري أورلوف، الذي يعرف كيف يجد تبريرات لتجارته، كأن يقول »إن الناس الذين يموتون بوسائل النقل أكثر عدداً من الذين يقتلون في الحروب«. وهو يفعل كل شيء ممكن لكي ينجح في حياته المهنية والخاصة.
فيقوم بخداع امرأة حلمه الحسناء (الممثلة بريدجيت مونهان)، التي تعمل كعارضة في الصور الإعلانية، ويتزوجها وتنجب منه طفله الأول، ثم لا تلبث هذه الزوجة المخدوعة بنوع عمل زوجها بأن تضغط عليه كي يستقيل من هذه المهنة، وبالفعل يتجاوب معها لمدة أشهر قليلة لكنه لا يلبث أن يعود بعد عرض مغر يقدمه له »باتيت«، فيورط شقيقه معه في هذه التجارة المرعبة، التي تكون سبباً لقتله على يد زبائنه في سيراليون، حين يحض أوري على توقيف هذه الصفقة بعد مشاهدته لقتل امرأة وطفلها. لكن أوري دائماً جاهز لإيجاد أجوبة وتبريرات، فيقوم الشقيق (الممثل جارد يتو) بتفجير إحدى عربات الأسلحة فيقتل على الفور، لكن هذا لا يمنع التاجر أن يعقد صفقته وكأن شيئاً لم يكن.
الفيلم من إخراج أندرونيكول الذي كتب السيناريو في عمله الإخراجي الثالث بعد فيلميه »سيمون« و»غيتيكا«، الأول من بطولة المخضرم آل باتشينو قدمه في العام 2002، والثاني أدار فيه أشين هواك وأوماثورمن، في أول تجربة إخراجية له، بعد ترشحه لجائزة الأوسكار عن أفضل سيناريو في العام 1998 عن فيلم »ترومان شو« في »سيد الحرب«، يقدم نيكول أسلوباً مركباً في إخراجه، بين الخط التسجيلي والروائي، فيستخدم السرد على طريقة الفلاش باك المخففة، فنسمع صوت بطل القصة وهو يخبر حكايته وكيف ربح الأموال الطائلة من تجارته الممنوعة وكيف خسر شقيقه وحياته العائلية، بعد أن يتخلى عنه زوجته ووالده.
والفيلم بهذا اقترب جداً من الأفلام الوثائقية وهو يلامس أعمال مايكل مور في هذا المجال، ويطرح قضية إنسانية بكل معانيها في وجه »الماكينة« الرأسمالية المهتمة فقط بقيم السوق التي تقضي على البيئة والمصالح الروحية للبشرية، ومن ثم تدير ظهرها لمعاني الحياة السامية. والمستويات الفنية للفيلم جيدة، لكن هذا غير مهم كثيراً في نوعيات هذه الأفلام التي تحمل قضايا وتريد إيصال فكرة إلى محطة السؤال حول سلوكيات الأفراد في مجتمعات الاقتصاد السريع وانعكاسه على مفاهيمهم الأصلية.
نيكولاس كيج، الذي دخل إلى عالم السينما ممثلاً ومنتجاً بداية في العام 1980 في شريط »ذا ويكر مان« ثم اشترك مع شون بن في الفيلم الكوميدي »الأوقات السريعة«، ومن ثم برز أكثر في فيلم »فالي غيرل« في العام 1983، ثم عمله مع بن مرة ثانية بإدارة ريتشارد بنجامن في فيلم »رايسيغ وذ ذا موون« في العام 1984، تبعه في عمل رائع حول حرب فيتنام في العام نفسه، تحت عنوان »بيردي« من إخراج آلان باركر.
ثم جسد سيرة الرياضي الأسطورة نيد هنلين الكندي في فيلم »ذا بوي إن بلو« من إخراج شارلز جاروت. لكنه لمع تماماً في العام 1986 في الفيلم الكوميدي »بيجي سوت تزوجت«، بإدارة أحد عباقرة السينما فرانسي فورد كوبولا، الذي يقول عنه كيج: »كوبولا أيقظ بي قدرة تعبيرية كنت غافلاً عنها«.
قدم كيج خلال مسيرته الفنية الممتدة منذ ربع قرن عشرات الأفلام برز في بعضها بقوة، إذ لا يمكن نسيان دوره في فيلم »ليفينغ لاس فيغاس«، بشخصية رجل مدمن على الكحول يتخلى عن عائلته وأصدقائه ويرحل إلى مدينة لاس فيغاس الشهيرة، لكي ينهي حياته منتحراً من خلال مواصلته على الشرب، فيلتقي بإحدى بائعات الهوى (الممثلة إليزابيث شو) التي تصير شاهدة على فعل الانتحار، وفي الوقت ذاته تقع في حبه في لحظة إنسانية نادرة. وهو حاز على جائزة أوسكار أفضل ممثل عنه في العام 1995، وعلى جائزة جمعية نقاد شيكاغو، وجائزة غولدن غلوب، وأكثر من عشر جوائز أخرى عن هذا الدور الرائع الذي أداه كيج بدقة وحرفية عالية بإدارة المخرج نيك فينجر. رشح مرة ثانية للأوسكار في فيلم »التكيف« لكنه لم ينلها.
في »سيد الحرب« ينحاز نيكولاس كيج من خلال أدائه إلى ما هو ضد الشخصية التي يمثلها. وكأنه يريد لمشاهده أن يراه في هذا المستوى المركب، لأن الفيلم يحمل رسالة وموقفاً من النظام الاقتصادي الرأسمالي بمفهوم »العولمة المتوحشة«. لذلك يمكن القول ان كيج والمخرج نيكول تواطآ معاً لتقديم هذه الشخصية بالأسلوب الذي يستطيع إيصال مرادهما منه، وهو التعبير عن مجموعة أسئلة تطرح اليوم بقوة حول المفاهيم الاقتصادية الحديثة القائمة وإلى أي مدى يمكن أن يبقى من إنسانية الإنسان أي شيء يذكر. ونيكولاس كيج ممثل كبير يمثل ويحب أن يعمل في اختياراته الفنية ما يعمله عادة ممثلون كبار من أمثال مارلون براندو وشون بين وسواهما من الممثلين الذين ينحني أمامهم الكثير من المبدعين كي يمروا...
حسين قطايا

