بلغ حجم الصرف الإعلاني في المنطقة العربية العام الماضي حوالي 4.4 مليارات دولار. هذا يقاس بحسب التعرفة الإعلانية الرسمية التي تقدّمها وسائل الإعلام. ما نستبه 20% من هذا المبلغ.

أي ما قيمته الفعلية حوالي 88 مليون دولار، يتم تخصيصه سنويا لاستهداف شريحة الأطفال، عبر إعلانات موجهة بواسطة القنوات الفضائية المتخصصة أو الشاملة، إضافة إلى الوسائط الإعلامية الأخرى. ويعتبر رقم الـ20% رقما متواضعا مقارنة مع ما يتم إنفاقه في العالم.

والذي تقدّر دراسات غربية حجمه بأكثر من 12 مليار دولار تصرف سنويا على إعلانات الأطفال في الولايات المتحدة الأميركية التي يشاهد أطفالها 40 ألف إعلان تلفزيوني تجاري في السنة. وتشير تقارير منشورة إلى أنّ الأطفال في العالم العربي ودول الخليج يقضون أمام التلفاز ما يزيد على 33 ساعة أسبوعياً في فصل الصيف و24 ساعة في فصل الشتاء.

وفي مطلق الأحوال، فإنّ الصرف الإعلاني الموجّه للأطفال في منطقتنا، قد نما خلال السنوات الماضية، ولكن بنسب متباطئة لأسباب عديدة منها ما يتعلق بحداثة التجربة الإعلامية العربية المتخصصة في هذا المجال.

ومنها ما يتعلق بحذر لا يزال يسيطر على المعلن العربي تجاه فعالية تلك الوسائط الإعلامية وقدرتها على التأثير على الطفل و»استلابه« إلى عالمها، وبالتالي تمرير الرسائل التجارية التي ترغب بها تجاهه، او ،عبره، تجاه الأم والأب اللذين تتأثر قراراتهما الشرائية بشكل بارز بضغوط الأطفال ورغباتهم.

وتشهد صناعة الإعلام العربي تنافسا محموما بين شبكات كبرى لاستهداف الأطفال عبر وسائط متخصصة، تعرض، إضافة إلى الإنتاج الغربي الذي اعتدنا عليه، تجارب عربية الإنتاج والمضمون.

وفي أقل من سنة، ظهرت قنوات تلفزيونية فضائية جديدة مهمتها مخاطبة أطفال العرب. فوجدت كل من »أم بي سي3« و»الجزيرة كيدز«مكانا لهما إلى جانب تجارب أخرى متواجدة سابقا مثل »سبيس تون« و»ديزني« و»كرتون ناتوورك« وغيرها.

وفي الوقت الذي تشير فيه دراسات أميركية إلى أنّ الأطفال يشكلون شريحة كبيرة من متلقي الإعلانات التجارية والمتأثرين بها، لا يزال المعلن المحلّي مترددا إزاء ميديا الأطفال في منطقتنا، وينظر إلى خطوة الإعلان عبرها بحذر شديد، وفي غالب الأحيان يعتبر الأمر »صفقة خاسرة«.

مأزق التعريب

وبالرغم من أنّ ضعف الإقبال الإعلاني على إعلام الأطفال في المنطقة، آخذ بالتبدّل وإن ببطء، كما يفيد خبراء التسويق في هذه الصناعة، إلا أننا لا نزال بعيدين كل البعد عن التجربة الغربية. ويعود ذلك إلى جملة من المؤثرات بينها، غياب الدراسات التي تتطرق إلى سلوك المشاهدة التلفزيونية عند الأطفال في العالم العربي.

كما اقتصار التجربة العربية، في الغالب، على تعريب الكرتون والبرامج الأجنبية، بدبلجة الأفلام الأميركية واليابانية والصينية، الأمر الذي يجعل المعلن غير متحمّس للزج بإعلانه في تجارب غير أصيلة.

غير أنّ خبراء آخرين لا يوافقون على هذا الرأي ويعتبرون أنّ المعلن لا يهتم بمضمون ما تقدمّه قنوات الأطفال المتخصصة، طالما هي قادرة على استهداف شريحة واسعة تهدف خططه التجارية. من جهة أخرى، قد يساهم دخول شبكات كبيرة، مثل »الجزيرة« و»أم بي سي« هذه الصناعة، بـ »توريط« المعلن أكثر، بوصفهما تمتلكان آليات تسويقية ماهرة ومتمكّنة.

كذلك قد يساهم التوسّع الكبير الذي تشهده مجموعة »سبيس تون«، وآخره الإعلان عن إنشاء مدينة »سبيس تون غالاكسي« في دبي لاند، بإحاطة علامتها التجارية بمزيد من البريق.

وخلال السنوات الماضية اعتبرت القناة التجربة الإعلامية العربية الوحيدة التي يتم التقاط بثها من دون بدل اشتراك (كما هو الحال مع »ديزني شانيل« أو »كارتون ناتوورك«، وهو بدوره ما سيجذب المعلن في الفترة المقبلة، في ازدياد القنوات »غير المشفّرة«.

المعلن لا يعرف التفاصيل

ولأنّ شركات التمثيل الإعلاني، والتي تتوكّل عادة حجز المساحات الإعلانية المناسبة لمنتجات عملائها المعلنين، تؤثر مجموعة من الاختيارات الثابتة التي تؤمّن ربحية مستقرّة.

كأن تتجه إلى القنوات التلفزيونية التي تقدّم برامج منوعات وموسيقى وترفيه شعبية، فإنّ عددا من مدراء القنوات التلفزيونية المتخصصة بعالم الأطفال يعربون عن ضيقهم من تجاهل تجاربهم من قبل تلك الوكالات.

وبالرغم من كون قناة مثل »سبيس تون« تبثّ، طوال ثماني عشرة ساعة يوميا، لحوالي 130 مليون مشاهد يتوزعون على أكثر من 22 دولة في الشرق الأوسط وشمال القارة الأفريقية.

إلا أنّ علاء نعمه، المدير التنفيذي للقناة ، يفضّل الحديث عن خطة برامجية محكمة، قبل الحديث عن خطة إعلانية، فبرأيه »ما يهمّنا هو أن تكون برامجنا ناجحة ومشوقة ومفيدة للأطفال.

ومن ثمّ تأتي الإعلانات، وليس العكس«. وهو، في الوقت ذاته، يعتقد أنّ وكالات التمثيل الإعلاني قد لعبت دورا كبيرا في توجيه المعلن إلى تلفزة تقدّم له مزيدا من التسهيلات والأرباح، على حساب قنوات الأطفال، التي لا يبدو أن الوكالات تنظر إلى حجز الإعلانات فيها بوصفه صفقات ناجحة: »لكنّ الوضع بدأ بالتغيّر تدريجيا بعد اتسّاع شريحة المشاهدين لهذه القنوات«.

وتمتلك سبيس تون أضخم مكتبة لأفلام الكرتون المعرّبة، كما أن استوديوهاتها تنتج رسوما متحركة خاصة بها تتناول قضايا رعاية الطفولة وحاجات التعلم لدى الأطفال و تنمية الوعي البيئي والاجتماعي لديهم.

ولا يوافق نعمة على النظرية التي تعتبر أنّ المعلن لا يتحمّس لقنوات الأطفال العربية، لأنّها قنوات تعرض إنتاجا غربيا مترجما إلى العربية، ولا تعرض الكثير من البرامج العربية الخاصة. ويقول: »المعلن يبحث عن قناة ناجحة ومشاهدة وهو لا يعرف شيئاً عن هذه التفاصيل«.

ولا تخشى »سبيس تون« من منافسة شبكات »الجزيرة« أو »ام بي سي« اللتين دخلتا صناعة تلفزة الأطفال حديثا، ولكنّ نعمة يتحدّث عن المنافسة الحاصلة في السوق بالقول: »كل القنوات تعاني من استقطاب المعلنين، فحجم الإنفاق الإعلاني، في قطاعنا، لا ينمو كثيرا في حين أن القنوات التلفزيونية تزداد أكثر من ازدياد محلات البقالة، وهذا ما يزيد من حجم المنافسة، ويقلل من العوائد الإعلانية«.

وينفي أن تكون القناة بوارد عرض إعلانات لمنتجات لا تتعلّق بالأطفال، على غرار ما يحصل في الغرب حيث تعرض على قنوات الأطفال إعلانات السيارات والفنادق باعتبار أن الأطفال جسر سهل يمكن الوصول إلى الأهل من خلالهم:

»لا نبثّ إلا الإعلانات المرتبطة بالأطفال«. أما موقع القناة على الانترنت، فيصفه نعمه بالقول: »هو موقع ترفيهي مفيد ولا نهدف إلى تسويقه بطريقة تجارية، وجعله مرمى للإعلانات، رغم أنه يحظى بنسبة تردد كبيرة من قبل الأطفال«.

جدير ذكره، أن القناة كانت قد أجرت دراسة في العام الماضي عن جمهورها في المملكة العربية السعودية ودول الخليج أظهرت أنّ 90% من الجمهور يتلقط بث القناة في منازله، 79% يتبادر إلى ذهنهم اسم القناة فورا لدى الحديث عن قنوات الأطفال، 80% يتابعون القناة بانتظام.

75% يشاهدون القناة أكثر من مرة في اليوم، 96% من الأمهات يعتبرونها محببة لأطفالهن. وبوسع هذه الأرقام أن تعطي فكرة خاصة، وشاملة في الوقت ذاته، عن وضع التجربة التلفزيونية المتخصصة بالأطفال في المنطقة.

60% »متورطون« بالكامل

ويؤكّد مسؤول تسويقي في قناة »أم بي سي 3«، فضّل عدم ذكر اسمه، على متابعة الأطفال للإعلانات التجارية بشكل يثير الاهتمام. ويقول: »لم يمض على انطلاقتنا عام واحد، إلا أننا بدأنا نجذب معلنين«. ولا يذكر أرقاما عن حجم هذه الإعلانات وقيمتها، غير أنه يشبّه إعلانات الأطفال »بالتفاحة التي يتسابق الجميع لقطفها، بشرط أن يتم تقديم تجارب خاصة تهتم بالطفل العربي، كما تفعل أم بي سي«.

وكانت دراسة أميركية حديثة نشرتها »ميديا مارك للأبحاث«، وتطرّقت إلى استفتاء 4500 طفل أميركي حول الإعلانات التي يعرضها التلفزيون، قد أشارت إلى مفاجأة لم تكن متوقعة.

وهي أنّ 60% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و11 سنة، لا يتجاهلون الإعلانات التجارية، بعكس ما يفعل الكبار أحيانا. وتأتي هذه الدراسة لتنفي كل النظريات التي سبق وتم تداولها عن إهمال الأطفال للإعلانات التي يعرضها التلفزيون.

وهي أيضا تؤكد فعالية الميديا الأميركية في مخاطبة الطفل، وهو ما جذب شركات أميركية كبيرة مثل »فورد« و»وستن اوتيل« و»بادجيت رانت آ كار« لاستهداف الأطفال عبر إعلانات موجّهة، بوصفهم قادرين على التأثير على القرار الشرائي الاستهلاكي للعائلة. وقد أبدت وكالات الإعلانات الأميركية، كذلك شركات الإعلام، اهتماما كبيرا في دعم الدراسة.

ومن بينها وكالات »كارات«، »مديا فيست«، »مايند شير«، وأيضا »كارتون ناتورك« و»تايم فور كيدز«. وتسعى القنوات العربية إلى الاستفادة من هذه التجارب وإقناع المعلن بأهمية عرض إعلانه على شاشاتها.

وبخلاف المتوقّع أيضا، فقد أظهرت الدراسة أنّ الأطفال لا يهتمون كثيرا بالتكنولوجيا، فأكثر من نصف العيّنة المستفتاة ثبت أنها تستمع إلى الموسيقى عبر اسطوانات مدمجة »سي دي«، عوضا عن استخدام مشغلات »أم بي ثري« (4.1%) فقط. كذلك تبيّن أنّ 74% من الأطفال الذين يستمعون إلى الموسيقى، يكونون في السيارة منصتين إلى المذياع.

وكشفت الدراسة عن معطيات قد تثير حماسة المعلن إلى جهاز التلفاز، بوصفه الوسيط الإعلامي الأكثر تأثيرا على الأطفال، في مقابل أرقام »محبطة« عن تجربة الأطفال مع الانترنت، وبالتالي »الأون لاين أدفرتايزينج«.

فبينما يملك أكثر من نصف هؤلاء الأطفال أجهزة تلفزيون في غرف نومهم، يتفقد 8.1% بينهم الانترنت يوميا، في مقابل أكثر من النصف يتفقدونها مرات قليلة خلال الشهر. 29% من صبيان العيّنة قالوا أن يلعبون ألعاب فيديو.

أو ألعاب الكومبيوتر أو »العاب اونلاين« كل يوم، بينما 11% من الفتيات يقمن بذلك. 6.6% فقط من الأطفال قالوا أنه بوسعهم تفقد الانترنت من غرفهم، بينما 16.8% قالوا أن لديهم أجهزة كومبيوتر في غرف نومهم.

كادر (1)تحت الرقابة

من يتصفّح موقع »الجمعية النفسية الأميركية« (WWW.APA.ORG) سيصادف حقائق عن الإجراءات القانونية الكثيرة التي قامت بها دول غربية من أجل حماية أطفالها من التأثير الضار لإعلانات عن منتجات ثبت أنّها تورّط الأطفال في أفخاخ البدانة والإدمان الاستهلاكي وغيرها من السلبيات.

وفي الولايات المتحدة، هناك قوانين تمنع المعلنين من »دس« منتجات غير ملائمة لاستهلاك الأطفال الذين يتأثرون بالإعلان (6-10 سنوات)، خلال فترة البرامج التي تتوجّه إليهم.

وفي النرويج والسويد يحظر عرض إعلانات تجارية للأطفال دون 12 سنة. وتمنع الحكومة اليونانية الإعلان التلفزيوني عن ألعاب الأطفال بين الساعة السابعة صباحا والعاشرة مساء.

كادر(2)»ماجد«: 27 سنة و..إعلانان!

بالرغم من ظهور تجارب في مصر ولبنان والكويت، إلا أنّ مجلة »ماجد«، التي تصدر من أبو ظبي، ظلّت على مدى أكثر من ربع قرن مجلّة الأطفال الأكثر ريادة وقراءة وربما توزيعا. ويقرأ أطفال العرب مغامرات »كسلان جدا« و»موزة الحبوبة«، و»أبو الظرفاء«، و»فهمان وخلفان«..

وغيرها من شخصيات المجلّة، في كل الدول العربية، من المشرق إلى المغرب، وكذلك في الهند وبعض العواصم الأوروبية. وتقدّم المجلّة مضمونا غزيرا من التسلية والمعرفة والمعلومة الموجّهة إلى الطفل الإماراتي والعربي والمسلم.

لكّن الغريب، والمحزن، أنّ المعلن المحلّي لا يزال باهت الحماسة تجاه تجارب عريقة مشابهة. فإعلانات ماجد لا تتجاوز الخمسة في العدد الواحد، بالحد الأقصى، وهي إعلانات محلية تظهر منتجات ألبسة أو أحذية، في الوقت الذي تصل فيه المجلة إلى مشرق الوطن العربي ومغربه.

وفي عدد 2 نوفمبر الماضي، لا يظهر في المجلة غير إعلانين فقط. فإذا كانت تجربة 27 سنة لا تساوي، في الميزان التسويقي، أكثر من إعلانين، فذلك مؤشر واضح للدور الذي تلعبه وكالات التمثيل الاعلاني في إهمال تجارب وفرص قد تكون مجدية لعملاء المعلنين أكثر بكثير من تجارب أخرى لا فائدة ولا طعم لها!

تحقيق: إبراهيم توتونجي