تتهيأ دول مجلس التعاون الخليجي لإنشاء عملة خليجية موحدة يبدأ العمل بها عام 2010، مع الاستغناء تدريجياً عن العملات المحلية.

وسوف تكون هذه الخطوة العمود الفقري للاتحاد النقدي الخليجي بل ولكل جوانب التعاون الخليجي الذي أثبتت التجربة نجاحه المطلق حيث يمهد فعلاً لقيام وحدة اقتصادية خليجية تصون الإنجازات التي تمت في ظل هذا التعاون الجاد والناجح طوال الربع قرن الأخير.

لقد برزت في نصف القرن الأخير تفاوتات بين دول مجلس التعاون الخليجي تزامنت بل وتزايدت مع عدم التنوع الاقتصادي وظهور البطالة في السنوات الأخيرة، حيث أدت إلى اختلافات في متوسط دخل الفرد من الناتج المحلي ومخزون الهيدركاربون وأداء نمو القطاع غير النفطي.

وقد كانت هذه التفاوتات بمثابة صعوبات أمام مسيرة التعاون الاقتصادي الخليجي في بدايته – خاصة وقد تراوح متوسط دخل الفرد السنوي في دول الخليج بين عشرة آلاف دولار إلى سبعة وعشرين ألفا. كما أدت هذه التفاوتات فعلاً إلى مسارات مختلفة على صعيد أسعار الصرف وفي مخزون النفط والاتحاد النقدي.

كما كانت هناك مؤشرات واضحة على تفاوت معدلات البطالة وتدنيها في بعض الدول مثل دولة الإمارات العربية المتحدة وارتفاعها في البعض الآخر مثل المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يعكس إلى حد كبير التفاوت الواضح في الحجم السكاني ونمو القطاع غير النفطي.

وعلى سبيل المثال فإن الناتج المحلي غير النفطي لعام 2003 في دولة الإمارات كـان 62.7% من إجمالي الناتج المحلي بينما بلغ في المملكة العربية السعودية 56.8% وكان في مملكة البحرين 75.8% من الناتج المحلي.

وبالرغم من هذه التفاوتات كانت هناك عوامل نجاح للاتحاد التقدي الخليجي الذي يعتبر العامل الرئيسي للاتحاد الخليجي الاقتصادي، خاصة وقد سبق لهذه الدول أن أدخلت عدة عناصر هامة تؤهلها لتصبح أعضاء في اتحاد نقدي ناجح.

ومن هذه العناصر تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف وأسعار الفائدة وإزالة العوائق أمام حركة السلع والخدمات ورأس المال والتحويلات النقدية مع وضع سياسات اقتصادية مناسبة وتقرير سلسلة من الإصلاحات الهيكلية والتزام سياسي قوي لكي يصبح الاتحاد مفيداً لكل الدول الأعضاء دون أن تتحمل أعباء متزايدة لتفعيل هذه العناصر.

غير أن ذلك لم يمنع من وجود مطلوبات أخرى للنجاح أوضحها الدكتور راجان غوفيل الخبير الاقتصادي بدائرة الشرق الأوسط بصندوق النقد الدولي وذلك في محاضرة ألقاها في صندوق النقد العربي أكد فيها ضرورة:

ــ قيام الدول الأعضاء بمواصلة المحافظة على أوضاع مالية قابلة للاستمرار ومستندة على إطار للأمد المتوسط في ظل نفس الافتراض المحافظ بشأن أسعار النفط.

ـــ تبني ميثاق مشترك للسلوك المالي يتكون من معايير للتقارب المالي / الضريبي وإطار مشترك لممارسات المحاسبة العامة وإجراءات مناسبة لإدارة ميزانية الحكومة.

ـــ تطوير سياسة سعر صرف مشتركة، بما فيها تكوين حساب تجميعي للاحتياطات الدولية المشتركة عن طريق بنك مركزي أو مؤسسة نقدية مشتركة.

ـــ تصميم المؤسسات ــ مثل البنك المركزي المشترك ــ التي تدعم الاتحاد النقدي، بالإضافة إلى مجموعة من أدوات السياسة النقدية الكفيلة لضمان فعالية السياسات النقدية عبر دول الاتحاد.

ـــ توفير البيانات ذات النوعية والدقة العاليتين واعتماد معايير مشتركة ونشر المعلومات في الأوقات المناسبة وبما يسمح بتقييم مدى التقدم في الالتزام لمعايير التقارب وأهداف السياسات.

وبالرغم من أنه يتعين اتخاذ الخطوات المبينة أعلاه قبل إدخال العملة المشتركة، فإن وتيرة إنجاز الإصلاحات الهيكلية المكملة للاتحاد النقدي هي التي ستحدد سرعة تمكن دول مجلس التعاون من ترسيخ الاتحاد الاقتصادي وتعزيز صافي المنافع من العملة المشتركة.

كما يتمثل نجاح دول مجلس التعاون الخليجي في الاستفادة من الدروس المستمدة من بعض الاتحادات النقدية القائمة على صعيد تسلسل الإجراءات والمراحل المناسبة.

وبوجه خاص تحقيق قدر معقول من التعزيز المالي قبل أن يدخل الاتحاد النقدي حيز التنفيذ، وبذلك فإن الاتحاد النقدي يمثل مطلباً ضرورياً للاتحاد الخليجي بما فيه القطاع المالي والإنجازات الأخرى التي تحققت على صعيد التعاون الاقتصادي الخليجي.

وبالتالي أصبحت هناك مؤشرات قوية لنجاح الاتحاد النقدي الخليجي، من بينها تثبيت أسعار الصرف رسمياً بالنسبة للدولار الأمريكي لكافة الدول الخليجية، وبالشكل الذي يمنع التعزيزات الكبيرة في أسعار الصرف بين عملاتها.

غير أن ذلك لا يعني أن الدولار الأمريكي سيكون عملة الربط للعملة الخليجية الموحدة، حيث أعلم أن هناك دراسات نقدية تتم على نطاق واسع في مجلس التعاون الخليجي لتحديد عملة أو عملات الربط، حتى لا يكون هناك خسائر لبعض الدول أو مكاسب لحساب دول أخرى أجنبية.

كما تضافرت عدة عوامل أخرى لإنجاح الاتحاد النقدي الخليجي، حيث شملت أسعار الصرف الثنائية التي اتسمت إلى حد كبير بثباتها، وما ترتب على ذلك من تلاحم في أسعار الفائدة التي اتجهت أيضاً نحو التقارب.

كما ظل معدل التضخم قليلاً حيث تراوح بين –1% إلى 3% خلال السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى أن الدول الخليجية كلها أصبحت تتمتع بسياسة مالية مستقرة في الوقت الذي مازالت هناك جهود خليجية واضحة لتنسيق السياسة المصرفية والقطاع المصرفي بين الدول الخليجية.

أما الحواجز المعيقة لحرية التجارة بين دول مجلس التعاون الخليجي فقد كانت أصلاً متدنية، وهو ما ساهم في نجاح التمهيد للتكامل الإقليمي في هذه المرحلة.

حيث ذكرت أغلب بيانات مراكز المعلومات الدولية أن دول مجلس التعاون الخليجي طبقت أقل تعريفة جمركية وأقل قيود نقدية بين دول الشرق الأوسط، خاصة وقد كانت التعريفة الجمركية في المتوسط في الدول الخليجية 6.5% بينما كانت في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 28%.

غير أن ذلك لم يترتب عليه زيادة كبيرة في التجارة البيئية الخليجية نظراً لمحدودية قدرات هذه الدول التكاملية الناتج من صغر حجم الإنتاج الصناعي الخليجي الذي لا يزيد عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى تشابه الهيكل الإنتاجي في هذه الدول والذي يتعين تغييره.

ولاشك أن قيام سوق خليجية مشتركة بحلول عام 2007 وفقاً للخطة المقررة سيؤدي إلى زوال الحواجز أمام السلع والخدمات والعمالة الوطنية ورأس المال في المنطقة، كما سيساعد جدياً على استمرار نجاح الاتحاد النقدي وإدخال العملة الخليجية المشتركة بحلول عام 2010 وتوفير غطاء منظم للتكامل الإقليمي الذي سيكون الأساس العملي لإنشاء الوحدة الاقتصادية الخليجية.

وهو ما أثبتته السوق الأوروبية المشتركة التي نجحت في إقامة الاتحاد الأوروبي وإنشاء العملة الأوروبية المشتركة (اليورو) التي تطبق حالياً في ثلاث عشرة دولة أوروبية وسوف يتسع نطاقها في السنوات القليلة المقبلة.

ولا شك أن إنشاء بنك مركزي خليجي يعمل إلى جانب البنوك المركزية المحلية أصبح شرطاً ضرورياً لإنجاح الاتحاد النقدي، وهو ما يتطلب إجماعاً سياسياً على الإطار المؤسسي بما في ذلك إنشاء آلية لإجراء المقاصة بين هذه الدول في ضوء أساليب التكنولوجيا الحديثة لإجراء التحويلات المالية .

ولتخفيف المشاكل النقدية التي قد تواجه بعض الدول بعد تطبيق العملة الخليجية الموحدة التي ستتم إن شاء الله بعد سنوات قليلة وسوف تكون بمثابة دفعة قوية للاتحاد النقدي الخليجي بل وللاتحاد الخليجي المنشود.

كاتب اقتصادي مصري