عند دراسة تصرفات الأفراد ودوافعهم الاقتصادية في كيفية إشباع حاجاتهم، لا بد من الاتجاه إلى علم النفس حيث أن كل إنسان يتخيل لنفسه صورة معينة يسعى إلى تحقيقها، وتتركز رغباته حول إبراز تلك الصورة أو تأكيدها.
وهذا ما يطلق عليه مصطلح (تحقيق الذات). لقد أكدت تجربة التطور في ظل المنهج الاقتصادي المعاصر بأن فصـل الاقتصاد عن القيم والأخلاقيات (العلمنة الاقتصادية) أدى إلى تنامي أشكال الفساد الاقتصادي وتطور الأزمات الاقتصادية، وهذا ما جعل التشريعات تؤكد على أهمية الأخلاق في القضاء على الفساد الاقتصادي.
وتم ترسيخ جذور مبدأ تسنم الوظيفة أو المنصب باعتباره تكليفاً وليس تشريفاً، منذ عصر صدر الإسلام، ووضعت المعايير الخاصة لها، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت:يا رسول الله ألا تستعملني؟
(يعني تجعلني أميراً أو والياً على أحد الأمصار) قال: فضربني بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، والقوة لا تعني القوة العضلية أو المالية أو السلطة أو الجاه فقط، ولكنها القوة بمعنى الكفاءة والخبرة في تسيير أمر ما.
والتعريف المناسب للفساد الاقتصادي هو »سوء استخدام الوظيفة أو المنصب عموماً لتحقيق منفعة خاصة« ذلك أن استخدام مصطلح الوظيفة أو المنصب عموماً في هذا التعريف يعد أكثر شمولاً من استخدامها مقيدة فيما سواه.
حيث يشمل هذا المصطلح كلاً من الوظيفة العمومية، والتي لا تطلق إلا على العاملين في القطاع العام. كما يشمل أيضاً الوظيفة في القطاع الخاص، فمشكلة الفساد الاقتصادي والذي تعاني منه جميع الدول المتقدمة والنامية على حد سواء.
وإن اختلف حجمها وآثارها تبعاً لاختلاف التركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل دولة، والمتتبع لهذه الظاهرة يقر بوجودها في كل زمان ومكان، إلا أنه في السنوات الأخيرة اتسع نطاقها خصوصاً في الدول النامية، مما دفع الباحثين على اختلاف مناهجهم إلى بحث أسبابه وآثاره الاقتصادية وطرق علاجه.
ومن آثار الفساد الاقتصادي إعاقة النمو وإلحاق الضرر بالتنمية الاقتصادية من خلال الارتفاع المباشر في تكاليف المعاملات الاقتصادية التي يعرفها قاموس الاقتصاد الحديث بأنها »التكاليف الأخرى بخلاف السعر الذي يترتب على تجارة السلع والخدمات« وتشمل التكاليف الأخرى المصروفات التي لا تتعلق بالمدخلات، وإنما تتعلق بتكاليف استخدام آليات الإنتاج والتبادل.
وقد كتب فرنسيس فوكوياما يقول: إن ارتفاع درجة الثقة بين المؤسسات داخل المجتمع تؤدي إلى انخفاض تكلفة المعاملات وعندما ترتفع تكون النتيجة انشقاقا حادا له آثار اقتصادية سلبية محددة للتنمية ونمو القطاع الخاص، ومن آثاره أيضا إعاقة قدرة البلدان النامية على اجتذاب استثمارات أجنبية جديدة.
وتغيير وجهة استثمار الرساميل، وعلاوة على ما سبق فإن الفساد يسهم في الإخلال بمبدأ الشفافية والذي هو شرط أساسي لقيام سوق المال وتطوره، كما أنه يلحق الضرر بالسياسات الإصلاحية وإعاقة مسيرة التجارة الدولية.
وهذا ما حدث في أعقاب الانهيارات الاقتصادية، والأزمات المالية التي شهدها عدد من دول شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية، وروسيا في عقد التسعينات من القرن العشرين، وكذلك ما شهده الاقتصاد الأميركي من تداعيات الانهيارات المالية والمحاسبية لعدد من أقطاب الشركات الأميركية العالمية خلال العام 2002 .
وبإيجاز فإن للفساد أشكالاً كثيرة، فقد يكون فردياً أو مؤسسياً أو منتظماً، وقد يكون الفساد مؤقتاً أوفي مؤسسة معينة أو في قطاع معين دون غيره، وتتفق آراء المحللين على أن الفساد وخصوصاً الممتد أو المنتظم يعد أخطر أنواع الفساد، إذ ينشأ ويترعرع في المجتمعات التي تتصف بنمو اقتصادي منخفض وغير منتظم.
وضعف مؤسسات المجتمع المدني، وسيادة السياسات القمعية، وغياب الآليات والمؤسسات التي تتعامل مع الفساد.. حينئذ ينتشر الفساد في مفاصل الحياة الاجتماعية كاملاً ويصبح ظاهرة يعاني منها المجتمع.
وعكس ذلك تتميز المجتمعات الخالية من الفساد باحترام الحريات المدنية، والمحاسبة الحكومية، ونطاق واسع من الفرص الاقتصادية المتاحة للأفراد، ومنافسة سياسية منتظمة هيكيلياً ومؤسسياً. وهو ما يميز بصفة أساسية وليس كلياً الدول الغربية المتقدمة.
وقد اختلفت النظريات الاقتصادية في تفسير أسباب الفساد الاقتصادي، فمنهم من يرجع السبب إلى البحث عن الريع، غير انه ليس كل ريع يعد فسادا، وإنما كل نشاط يحقق للقائمين به ريعاً خارج ما يسمح به القانون هو فساد، سواء كان هذا الفساد يمارس من قبل شخص داخل هيئة حكومية أم كان خارجها.
فيبدأ قانون تزايد الغلة بالعمل، فيزداد الريع كلما تضاءلت مستويات احترام القوانين وآليات عمل الاقتصاد، أو كلما انخفضت درجات الانضباط العام مما يؤدي إلى تدني مستويات المخاطرة الناجمة عن النشاط الفاسد وهذا ما يراه أنصار نظرية الاختيار العام.
والتي تُرجع أسباب الفساد إلى التفاعل بين الموظفين والعملاء، وغلبة الرأي تشير بأن الموظف العمومي أكثر عرضة للفساد من الموظف في القطاع الخاص لبعد الأول عن الرقابة وأمنه منها بخلاف الثاني فهو أكثر تعرضاً للمساءلة والرقابة.
وباعتقادي أن تصرفات الأفراد واحدة في القطاعين سواء كان قطاعا حكوميا أم خاصا، إذ تسعى النفس البشرية من خلال العمل على تحقيق ذاتها في كل ميادين العمل، ومنهم من يرى أن الفساد دالةٌ لنقص المؤسسات السياسية الدائمة وتخلف المجتمع المدني وضعفه.
وهناك بعض المحللين يرون أن للفساد الدولي دوراً هاماً في انتشار بعض أشكاله في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فكثيراً ما يقال إن الفساد في أمريكا اللاتينية هو أحد ملامح التوطن الاستعماري للقارة منذ زمن بعيد حتى وقتنا الحالي، كما أنه يعكس عمق التقاليد الثقافية والاجتماعية الموروثة التي كانت ضد التغيير.
في حين يرى آخرون بأن تداعيات الفساد تعود إلى السيطرة التاريخية للدولة على الشؤون الاقتصادية والسياسية، مما خلق فرصاً لجني الريع والبحث عنه مما أدى إلى ضعف السيطرة على محاسبة السياسيين والرسميين على تصرفاتهم الفاسدة.
وفي أفريقيا فإن الفساد الممتد يعد أحد ملامح الدول التي مرت بتجربة استعمارية، لكن هذا لا يمنع من وجود دول أخرى في هذه القارة تعاني من الفساد رغم أنها لم تستعمر كأثيوبيا وليبيريا.
وعليه يمكن القول بأن حالات الفساد المعاصرة في أفريقيا لا يمكن تفسيرها كلية بالاستعمار، كل ما في الأمر أن النظم الاستعمارية في هذه القارة تركت دماراً مؤسسياً تمثل في الاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية، التي يمكن اعتبارها متغيراً مفسراً للفساد في هذه الدول.
أما شكل وانتشار الفساد في آسيا فيمكن تفسيره بعملية تراكم رؤوس الأموال وتطور حقوق الملكية عبر حقبة من الزمن، فنمط العلاقات بين العملاء التي استقرت بين طبقات الرأسماليين والسياسيين وفئة البيروقراطيين تعكس كلها عوامل اجتماعية واقتصادية قادرة على وضع المحددات الرئيسية للأشكال المفترضة للفساد وأثره على النمو الاقتصادي.
وقد كشف التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية الذي أعلن عنه مؤخراً في لندن أن أكثر من ثلثي دول العالم وعددها 159 تعاني من فساد اقتصادي خطير في القطاع الحكومي.
وتصدرت الدول الاسكندنافية قائمة أقل دول العالم فساداً في القطاع الحكومي، فيما تصدرت كل من عُمان والإمارات وقطر والبحرين الدول العربية الأقل فسادا، إذ احتلت المراتب 36،32،30،28، على التوالي.
في حين جاء كل من العراق والسودان في آخر القائمة حيث احتل العراق المركز 137 والسودان في الترتيب 144 بالاشتراك مع دول أخرى، وبين التقرير فيما يتعلق بالعراق أن الفساد في قطاع الإنشاءات والنفط سيشكل أكبر فضحية فساد في التاريخ ما لم تتخذ الإجراءات المناسبة بشأنه.
باحث اقتصادي
E-mail: Kutaiba @ emirates .net .ae