تتسابق التطورات السياسية والأمنية المحلية والإقليمية، ولا سيما تصاعد التوتر في جنوب لبنان، مع المساعي الحكومية والدولية في التأثير على حركة الأسواق المالية والنقدية بانتظار انتهاء التحضيرات لاستقبال المؤتمر الدولي لمساعدة لبنان الذي تأجل إلى العام المقبل بفعل تزايد التوتر السياسي من جهة.

وعدم جهوزية الجانب اللبناني في تقديم الورقة الإصلاحية أو البرنامج الإصلاحي الموحد والذي دونه العديد من الخلافات بين أهل السلطة أولا والفرقاء السياسيين ثانيا، من جهة أخرى. وقد دخل العنصر الاجتماعي والحركة المطلبية كنقطة أساسية في الخلافات السياسية، الأمر الذي زاد حال الترقب والجمود.

إلا أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي يرى بعض الصعوبات في الوضع السياسي، يؤكد عدم انجاز التصور اللبناني بشكله النهائي وهو يركز على جملة خطوات أساسية ركيزتها الأولى هي تقليص عجز الموازنة وزيادة الإيرادات وتقليص النفقات في الموازنة والخزينة وهذا أمر يستوجب توحيد التوجهات حول العلاجات المطروحة.

ولا يخفي سلامة الدعم الغربي للإصلاح ولمساعدة لبنان، ومع ذلك فهو يشير إلى أن السوق المالية تنأى بنفسها عن التطورات السياسية والأمنية ولم تعد تتأثر باعتبار أن حجم الودائع المصرفية عاد ليسجل نمواً بنسبة ملحوظة.

وهو فاق ما كانت عليه الأوضاع قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري للمرة الأولى في نهاية سبتمبر مقارنة مع بداية العام الحالي. فقد بلغت الودائع المصرفية في بداية الحالي حوالى 55.01 مليار دولار مقابل 54.8 مليارا لنهاية 2004.

غير أن الظروف السياسية وبروز بعض التباين بين الفرقاء السياسيين أدى منذ أسابيع إلى تراجع النشاط في الأسواق مع استمرار عروض الدولار والتحويلات من الدولار إلى الليرة .

حيث أصبحت نسبة الدولرة بحدود 73 في المئة أي بتراجع حوالى 6 في المئة عن النصف الأول من العام وهذا يعني أن الودائع بالليرة عادت إلى النمو وأن الإقبال على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية في السوق الأولية لا يزال يسجل فوائض أسبوعية لا سيما بالنسبة للآجال الطويلة.

من جهته، رد وزير المالية جهاد أزعور حول عرقلة بعض الإصلاحات والمشاريع وعدم انجاز الورقة اللبنانية إلى المؤتمر الدولي بالقول ان الورقة يفترض أن تعرض على مجلس الوزراء وعلى القطاع الخاص اللبناني لأن العملية الإصلاحية خلال خمس سنوات يفترض أن تؤكد التزام لبنان بها حتى لا تتكرر عملية ضرب الإصلاحات كما حصل بعد مؤتمر باريس ـــ 2.

ومع ذلك يؤكد أزعور التنسيق مع صندوق النقد والبنك الدوليين في السيناريوهات الإصلاحية التي يضعها لبنان لأن المساعدات لن تأتي لتنفق في قضايا غير منتجة وبدون جدوى.

هذا الكلام يقود إلى التوقف عند موضوع العجوزات المالية في بعض مؤسسات القطاع العام ومنها قطاع الكهرباء ودعم بعض القضايا الاستهلاكية مثل المحروقات التي تكلف الخزينة الأعباء ولا تتوافق والعملية الإصلاحية التي تقوم على زيادة الإيرادات لتقليص عجز الموازنة.

وتختلف الصورة عند استثمارات القطاع الخاص حيث عادت الرساميل والتوظيفات العقارية لتظهر من خلال حجم الرساميل الوافدة إلى لبنان والتي بلغت حوالى 5238 مليون دولار في 9 أشهر مقابل حوالى 5800 مليون دولار للفترة ذاتها من العام الماضي. وقد سجلت حركة الرساميل في التحويلات وفي الاستثمارات العقارية بشكل أساسي بعد الاكتتابات بسندات الخزينة.

ومع ذلك فإن ما سجل خلال الشهرين الأخيرين يفوق ما سجل طوال الأشهر السابقة من هذا العام، علما أن الفصل الأخير من العام الماضي سجل دخول حوالي 3 مليارات دولار إلى الودائع بالعملات الأجنبية كانت تشكل 70 في المئة نهاية العام الماضي وهي ما فاقت اليوم 73 في المئة مقابل حوالى 82 في المئة لنسبة الدولرة بالتسليفات للقطاعات الاقتصادية.

سوق القطع

بالعودة إلى سوق القطع والسوق المالية فإن حجم التداولات اليومية لا يزال ضعيفا بفعل الحذر والترقب إلا أن مصرف لبنان يستمر بالتدخل شاريا للدولار بكميات قليلة وبسعر مستقر على 1503.5 طوال الأسابيع الثلاثة الماضية مع بروز بعض الطلب الذي يحول أحيانا دون استطاعة مصرف لبنان شراء الدولار.

ويعزز هذا الواقع ان الفوائد بين المصارف أي الانتربنك من يوم ليوم على الليرة اللبنانية ما زالت بحدود 4 في المئة وهو سعر يؤشر إلى توافر السيولة بالتأكيد، لا سيما وأن احتياطات القطاع المصرفي الجاهزة تفوق حاليا 21 مليار دولار وهي زادت بنسبة 3 في المئة منذ بداية العام.

من جهته، رئيس جمعية مصارف لبنان جوزف طربيه يرى أن السوق والقطاع لم يتأثرا بالتطورات الحاصلة باعتبار أن السياسات المعتمدة استطاعت تمكين القطاع المصرفي من المحافظة على أدائه.

وهو استعادة وتيرة نمو الودائع وكذلك وتيرة نمو الأرباح التي ستكون بمعدلات العام الماضي. وأكد طربيه أن القطاع يتفرج بانتظار جلاء الصورة السياسية وبانتظار البرنامج الإصلاحي للحكومة.

البورصة.

أما وضعية بورصة بيروت فهي ما زالت متأثرة بحال التوتر السياسي لجهة تراجع حجم التداولات والتحسن البطيء لبعض أسعار الأسهم الرئيسية ولا سيما العقارية والمصرفية منها.فقد دافع سهم سوليدير للاحتفاظ بمستوى سعر 13.41 و13.30 دولاراً للسهم وهو سعر أقل من إقفال الأسبوع الماضي.

ويعود هذا الدفاع إلى ضعف حجم التداولات بشكل عام على الرغم من أن سهم سوليدير يبقى الأكثر تداولا مع سهم بنك بيبلوس العادي الذي كان الأكثر تداولا خلال اليوم ما قبل الأخير وبلغ حجمه حوالى 148458 سهما ليستعيد بعض ما خسره خلال الأسبوع عند سعر 1.60 دولار مقابل 1.64 للأسبوع الماضي.

وكذلك تمت تداولات لشهادات إيداع بلوم بنك عند 53 دولاراً مع تأرجح بسيط خلال الأسبوع، علما أن حجم التداولات كان ضئيلا وكذلك شهادات بنك عودة بالمقارنة مع الأسابيع الماضية وهي الشهادات الأعلى سعراً.

وكان حجم تداولات يوم الاثنين حوالى 53248 سهما قيمتها 469.6 ألف دولار وهي الأضعف منذ أشهر طويلة، ثم ارتفعت يوم الأربعاء إلى حوالى 271537 سهماً بقيمة 4.9 ملايين دولار، ثم عادت الحركة إلى التراجع لتبلغ حوالى 179071 سهماً قيمتها 774.3 ألف دولار.

وربطت مصادر المتعاملين هذا التراجع بحال التوتر على الحدود الجنوبية مع القوات الإسرائيلية وامتداد عمليات القصف إلى داخل المناطق اللبنانية المحررة.

بيروت ـــ المحرر الاقتصادي: