التنقيب عن الذهب، أضحى مهمة عسيرة محفوفة بالمخاطر والآلام، بحيث أن عواقبها البيئية والاجتماعية، جعلت من الذهب الإبريز، عنواناً للجشع نافية عنه صفة الحميمية والحب التي ارتبطت بخاتم الخطوبة، فقد ذكرت سلسلة من الدراسات الحديثة نشرتها صحيفتا نيويورك تايمز.

وانترناشونال هيرالدتربيون، حول صناعة التنقيب عن الذهب، أن الشركات تزيح الآن أكثر من مئة طن من التربة، للحصول على أونصة واحدة من الذهب ووصلت عملية استخراجه إلى درجة من الصعوبة وفداحة الثمن، بحيث أن الشركات راحت تستخدم ملايين الجالونات من السيانيد، لفصل الذهب عن الصخور.

ولو استبعدنا استخدام السيانيد، فإن مئة طن من التربة، المتخلفة عن العملية تحولت إلى ما أسمته الدراسة قنبلة زمنية بيئية بملايين الدولارات. فقد أصبح السولفيد في الصخور، عرضة وللمرة الأولى إلى العناصر الجوية.

بحيث يتحول، نتيجة إلى ذلك، إلى حمض الأسيد الكبريتي الذي يحدث سلسلة من التفاعلات التي تحرر معدن الرصاص الثقيل، الذي يتصف بخطورته التي قد تؤدي إلى هلاك الحرث والزرع بالإضافة إلى الرصاص والزئبق والكاديوم.

وكما جاء في تقرير »حصر السميات المنبعثة« الصادر عن وكالة حماية البيئة عام 2001 فإن مناجم المعادن المتركزة في نيفادا، ويوتاه، وأريزونا، وألاسكا أصبحت مصدراً رئيسياً للتلوث البيئي في أميركا، حيث تمثل 45 في المئة من السميات المنبعثة.

وكانت لوس أنجلوس تايمز، أجرت العام الفائت، دراسة حول المناجم المهجورة في البلاد، وعددها 500 ألف منجم، تحول معظمها إلى كارثة بيئية ومصدر لتسرب المواد السامة الفتاكة وأصبح 40 في المئة من الجداول المائية الرئيسية القريبة ملوثة بالمعادن الثقيلة المتسربة التي أدت إلى هلاك الحياة الفطرية.

وقد أبلغ روس شنتزر، المنسق الميداني لـ »تراوت انلمتد« لوس أنجلوس تايمز، إنه إذا لم تتخذ إجراءات عاجلة، فإن البحيرات القريبة سوف تحرم من سمك »التروتة«، مضيفاً بأن هاجس الغرب القديم، سيسكن من جديد.

هذا في أغنى البلاد على وجه البسيطة، فما بالنا لو علمنا أن أكثر من ثلثي عمليات استخراج الذهب، والتي تتم غالباً بدعم من البنك الدولي، تجري في البلدان النامية، الأقل استشرافاً للمستقبل ففي غواتيمالا، يخوض السكان المحليون، صراعاً لا هوادة فيه، للتصدي لمنجم جديد.

وقد راعهم أن البنك الدولي أقرض شركة كندية 45 مليون دولار لتمويل مشروع للتنقيب عن الذهب تصل كلفته إلى 261 مليون دولار، لن يوفر أكثر من 160 فرصة عمل، لمنطقة تعيش في حالة من الفقر المدقع.

وعلى المنوال ذاته ففي بلدان عدة في افريقيا بما في ذلك الكونغو، كان التنقيب عن الذهب يمثل لعنة كبرى يمارس فيها عمال المناجم، أعمالهم في ظروف أقل ما توصف فيه بأنها بالغة السوء.

ومما يزيد الطين بلة، أن المسؤولين الحكوميين، ولوردات الحرب، يخوضون أعنف المعارك، وأشدها شراسة، متكالبين على الفتات التي تخلفها الشركات الأجنبية وراءها، فيما يهيم السكان المحليون، في أصقاع الأرض على وجوههم بين طريد وشريد.

وقد أوردت صحيفة »نيويورك تايمز« أن البنك الدولي، سيمد شركة نيومونت، بـ 75 مليون دولار. لتدشين منجم في غانا، سيؤدي إلى تشريد 8.000 نسمة مقابل 450 وظيفة ولعل ذلك يدفع المرء إلى النظر في خاتم الخطوبة الذي يزين فيه »بنصره« ويسائل نفسه، أي نفس عذبت، وأي مياه لوثت، وأي أرض صودرت كيما يتسنى له الحصول على ذلك الخاتم، رمز الحب.

في غضون ذلك انكبت فيكي هاوارد أستاذ الاقتصاد واللغة الانجليزية في كلية هارفارد الجامعية في نيويورك، على وضع كتاب تتناول فيه صناعة الزواج.

والذي أسهبت فيه في الحديث عن ثقافة الخواتم، الذي قد يتراءى للبعض قدمها قدم التاريخ.

في حين لا يتجاوز عمرها الخمسين سنة وذكرت هاوارد أن العرف ذاك، جاء وليد حياة الترف التي تلت الحرب الكونية الثانية و»استئناس« الأزواج الأمر الذي أجادت صناعة المجوهرات استغلاله أيما استغلال.

وقالت هاوارد إنه بدلاً من الحياة الاجتماعية الانعزالية في البيوت الريفية، وصالات الاتحادات العمالية، والحانات قبع الرجال في ملازمة بيوتهم يقيمون حفلات الشواء ويصلحون ما خربته الأيام، ويعيشون عيشة أسرية، ويمارسون حياة الضواحي التي اعتدنا مشاهدتها في المسلسلات التلفزيونية.

وعليه، فإن الخواتم، كانت تمثل رمزاً لتحول أدوار الجنسين في ذلك الحين.

وتابعت هاورد ومع تساؤل البعض عن طبيعة »ماس الحروب« الذي تستخرجه الجيوش المتصارعة لتمويل حروبها الأهلية الدموية أو الحكومات الفاسدة في إفريقيا، لتمويل مؤامراتها الشريرة فإن الناس قد يجدون أنفسهم مجبرين على البحث عن بديل آخر لرابط الزواج المقدس.

ترجمة وائل الخطيب