عقد المركز العراقي للتنمية والحوار الدولي ندوة حول »مستقبل الاقتصاد العراقي وإدارة القطاع النفطي وموارده«، شارك فيها أكثر من ستين خبيراً عراقيا في الشؤون الاقتصادية والنفطية من داخل العراق وخارجه، بالإضافة إلى ممثلين عن منظمات الأمم المتحدة وهيئات رجال الأعمال وعدد من الضيوف العرب.

وعرض الدكتور مهدي الحافظ رئيس المركز ملامح الوضع الاقتصادي الراهن، والتحديات التي تواجهها البلاد، وفي مقدمتها تحدي الموارد المالية الواجب توفرها لإعادة الإعمار ومعالجة مهمات التنمية الشاملة.

وقدم الدكتور فاضل الجلبي، المدير التنفيذي للمركز العالمي لدراسات الطاقة، ورقة أساسية أشار فيها إلى مستقبل العراق »الغامض والحالك«، وقال إن الأمور ستزداد سوءا ما لم تتخذ إجراءات مناسبة لمواجهة المتطلبات المالية والإدارية والسياسية الملحة.

وأضاف: بما أن الصناعة النفطية والموارد المالية التي تأتي بها هي العماد الرئيس للاقتصاد العراقي، لذا فإن المسألة المهمة هي كيفية تطوير الاحتياطي النفطي، وبأي سرعة، وتحت أي ظروف سياسية وصناعية وتقنية.

وقدر الدكتور الجلبي أن العراق خسر ما قيمته 400 مليار دولار من العائدات النفطية منذ عام 1980 إلى 2002، نتيجة للحروب والحصار، ونتيجة لذلك، ولأسباب عديدة أخرى، يعيش 70 في المئة من السكان تحت خط الفقر.

وأوضح ان التحديات الاقتصادية في الوقت الحاضر تكمن في العديد من القضايا، في مقدمتها إعادة تشييد البنى التحتية المدمرة، بما فيها المتعلقة بقطاع النفط.

وتبني برنامج استثماري مكثف لزيادة دخل الفرد وإيجاد فرص العمل، وخدمة الديون الخارجية وتعويضات الحرب،وتمويل الواردات الرأسمالية والاستهلاكية،وإيجاد ما يكفي من النقد الأجنبي من أجل دعم العملة الوطنية ومكافحة التضخم.

وقال: إن السؤال الأول المطروح هنا هو كيف يمكن الحصول على الموارد المالية المناسبة لمواجهة هذه التحديات؟، والجواب طبعاً من خلال زيادة الإنتاج النفطي من الحقول المكتشفة وغير المستغلة. اذ تشير تقديرات وزارة النفط منذ نهاية السبعينات إلى إمكانية زيادة الإنتاج إلى ما بين 5.50–6.0 ملايين برميل يومياً.

أما السؤال الثاني فهو: ما هي الطريقة لإدارة صناعة النفط؟ وبالذات، كيف يمكن إدارة القطاع في ظل الجو السياسي المخيم على البلاد اليوم، وفي ظل الفساد المستشري في جميع القطاعات الاقتصادية؟

وأضاف ان هناك تخوفا من أن مواد الدستور ذات العلاقة تبقى غامضة ولا تشجع على انطلاق الصناعة النفطية بشكل رشيد واقتصادي.. وما الخلاف بين المادتين 108 و 109 حول دور حكومة المركز والمحافظات والأقاليم إلا مثال واحد على ذلك.

وأوضح ان حجم الريع النفطي العراقي سيعتمد مستقبلاً على الأمن والاستقرار في ربوع البلاد، وسرعة تطوير الصناعة النفطية، وحجم الطلب الدولي وتأثير ذلك على الأسعار العالمية.

كما قدمت ورقة الخبير طارق شفيق النائب السابق لشركة النفط الوطنية العراقية تحليلا لمواد الدستور العراقي المتعلقة بالقضية النفطية.

مؤكدا ضرورة تواجد سياسة نفطية موحدة للعراق من أجل الاستفادة القصوى من الموارد المالية والفنية والبشرية المتاحة، وأنه بدون ذلك سيعم الفساد وسوء الإدارة في القطاع النفطي أكثر مما هو عليه الحال اليوم.

واقترح سياسة توفق ما بين مهام ومسؤوليات شركة النفط الوطنية والشركات الأجنبية من جهة، وما بين المركز والمحافظات والأقاليم من جهة أخرى، ومن أجل الوصول إلى هذه السياسة التوفيقية يتوجب تعديل مواد الدستور النفطية لتأخذ هذه المعطيات بنظر الاعتبار.

وتلت هاتين الورقتين تعقيبات من وزير النفط السابق المهندس ثامر غضبان الذي أكد أن الفدرالية هي السمة الجديدة للدولة العراقية، وأنه رغم بعض الغموض الذي لا يزال يكتنف صلاحيات المركز والأقاليم والمحافظات.

فإن المجال مفتوح أمام الجمعية العمومية التي سيتم انتخابها في 15 ديسمبر والحكومة المقبلة لتبني قانون هيدروكربوني يوضح العلاقات بشكل أدق، وذلك من أجل زيادة الطاقة الإنتاجية.

وذكر وزير النفط الأسبق المهندس عصام الجلبي أن وضع المكامن النفطية، بعد سنوات من الإهمال وفقدان الصيانة اللازمة، قد ساء كثيراً مما سيجعل الكلفة أكبر وأغلى لزيادة الطاقة الإنتاجية.

كما انتقد مواد الدستور النفطية وتضارب الصلاحيات ما بين الحكومة المركزية من جهة والأقاليم والمحافظات من جهة أخرى، وطالب بالتفريق بين سياسة وإدارة موحدة للصناعة النفطية وما بين توزيع الثروة النفطية.

وأشار المهندس الخبير فاروق القاسم إلى ردود الفعل السلبية لدى الشركات العالمية من مواد الدستور المتعلقة بالنفط والتضارب في الصلاحيات وعدم وضوحها، كما أكد أهمية إشراك القطاع الخاص العراقي في خدمة الصناعة النفطية.

وبعد سماع هذه التعقيبات، فتح الباب للنقاش أمام المشاركين في الندوة.

وفي الختام قدم الخبير النفطي الدكتور وليد خدوري خلاصة باتجاهات المناقشة، والتوصيات المتخذة، وهي:

تشريع قانون للصناعة الهيدروكربونية يمنح الحكومة الفيدرالية مسؤولية تطوير الحقول المكتشفة والمنتجة حسب سياسات وصيغ محددة المعالم، ويعطي الصلاحيات التجارية والمالية .

وعمليات الاستكشاف والتطوير لشركة النفط الوطنية القابضة، ويشارك في مجلس إدارتها ممثلو الأقاليم والمحافظات. وتكمن صلاحية وزارة النفط في رسم السياسات، والتفاوض مع الدول الأجنبية والاتفاق مع الشركات الدولية والإشراف العام.

وأهمية إعادة النظر بمواد الدستور النفطية لأنها بشكلها الحالي ستعيق تطور الصناعة النفطية ويمكن أن تؤدي إلى تفككها، كما ستؤدي إلى إضعاف الموقف التفاوضي مع الشركات الدولية، وإلى انتشار الفساد بشكل أوسع لغياب الرقابة والمحاسبة المحلية..

وهناك تخوفات مشروعة من أن مواد الدستور النفطية ستؤدي إلى خلافات وصراعات ما بين المحافظات والأقاليم حول حدود الحقول والمكامن، ناهيك عن المعاملات التجارية والمواصلات والنقل، الخ.

وأن خريطة الطريق للصناعة النفطية العراقية تكمن في تعاون شركة النفط الوطنية القابضة مع الشركات الدولية.

وليس في الاعتماد الكلي على هذه الشركات في تطوير الصناعة النفطية المستقبلية. كما أنه يتوجب على العراق الأخذ بنظر الاعتبار عضويته في منظمة الأوبك والتزاماته تجاهها عند رسم سياسته النفطية.

وأن السياسة النفطية المستقبلية تستوجب الأخذ بنظر الاعتبار الظلم الذي لحق سابقاً بالأقاليم والمحافظات، وبالذات النفطية منها، في توزيع الثروة النفطية.

وتتطلب صناعة النفط العراقية، مرحلة طويلة من التأهيل والتدريب والتثقيف نتيجة انحسار الطبقة المتوسطة المهنية والهجرة الجماعية إلى الخارج، وكذلك إلى تضييق فجوة المعرفة التي تفاقمت أثناء الحصار.

وضرورة الشفافية في السياسة النفطية من أجل كسب ثقة الشعب والجمعية العمومية في طرح أولويات الصناعة المستقبلية وتنفيذ السياسات بسرعة وطريقة رشيدة.

وضرورة تنويع الاقتصاد العراقي لكي لا يعتمد كلياً على النفط، ومن ثم تطوير الزراعة والخدمات والمؤسسات المالية والبنى التحتية والسياحة وفتح مجال الاستثمار للرأسمال العربي والأجنبي، ولكن هذه الخطوات تتطلب السلامة والأمن أولاً.

كما تتطلب دراسات شاملة تأخذ بنظر الاعتبار الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية على السكان، ويؤخذ بنظام اقتصاد السوق في المرحلة المقبلة. وتشجيع مساهمة القطاع الخاص الوطني في تقديم الخدمات والمقاولات وتنفيذ المشاريع والتجهيزات للصناعة النفطية.

وإعطاء أولوية لتطوير صناعة الغاز الطبيعي لتوفير الوقود اللازم لمحطات الكهرباء من أجل تحسين مستوى المعيشة وفتح المجال أمام تطوير وتوسيع القاعدة الصناعية للبلاد.