لم تعد شركة جنرال موتورز الأميركية الآن كما كانت عليه طوال سبعة عقود مضت، حيث حققت خلالها الحلم الأميركي الشهير للعاملين بها على مدى أجيال.
مثلاً وفرت جنرال موتورز لعائلة جيرمي روي، على مدى أجيال رعاية طبية ومعاشاً وتقاعد وأمنت لهم مصدر رزق بعد التقاعد فضلاً عن تأمين المنزل والمعيشة، لكن يبدو أن الأمور تغيرت الآن، فلم تعد جنرال موتورز تحقق الحلم الأميركي، وفق مجلة بيزنس ويك.
يقول جيري روي (49 سنة) إنه عندما التحق بشركة جنرال موتورز عام 1977، شعر أنه دخل الجنة، كان روي قبل ذلك يعمل في متجر، ووفرت له جنرال موتورز ثلاثة أضعاف راتبه الأول. وبدل سيارته القديمة بسيارة شيفرولية، من جنرال موتورز.
ومنذ ذاك الوقت وهو يكسب ما كفاه لشراء منزل يطل على البحيرة في مدينة فلنيت، لكنه يواجه الآن احتمالات تشمل أن يفقد وظيفته أو يقبل بخفض كبير في راتبه، وبالنسبة لأولاده من بعده، يقول الوضع محزن جداً، فالأماكن التي كانت مصانع تابعة للشركة، تحولت إلى مواقف سيارات.
أو أرض خراب، هذه المصانع أمنت حياة أسرة روي لأجيال، منذ جده الأكبر جون ويستلي روي، الذي جاء إلى ميتشيجان من ميسوري عام 1931، في خضم الكساد الاقتصادي، بنى جده الأكبر منزلاً بالقرب من مصنع إيه. سي الكو التابع لجنرال موتورز،.
حيث عمل فيه لعقد من الزمان قبل أن يتقاعد إثر إصابة، ويقبع في مزرعته. الجد التالي إدوارد، عمل أيضاً في مصنع دلكو خلال فترة الحرب العالمية الثانية حين تحول إلى مصنع للمدافع الرشاشة.
وبدأ جيرالد، أبو روي، العمل في وحدة فيشر بودي التابعة لجنرال موتورز أيضاً عام 1951، ثم سرحوه في عام 1954، ليجد وظيفة في مصنع دلكو عام 1954.
وفي هذا المصنع أمن وظائف لأخته وعمه وزوجته فيما بعد.
ويتذكر روي الكبير أن فترة الخمسينات والستينات كانت الحقبة الذهبية حيث كل شيء يبدو ممكناً. ويقول كان هناك ثلاث ورديات تعمل على مدار الساعة في هذا المصنع، وعندما تدخل هناك لا تستطيع السير من زحام العمل.
وفي ذاك الوقت قدمت صناعة السيارات الأميركية نموذجاً للعقد الاجتماعي بين العامل وصاحب العمل، منذ أجر 5 دولارات يومياً قدمها هنري فورد لعمال مصانعه عام 1914 إلى الرعاية الصحية ومعاش التقاعد التي أصبحت من دعائم النمو السريع للطبقة المتوسطة في النصف الثاني من القرن العشرين.
لم تكن الحكومة، بل مدينة ديترويت، معقل صناعة السيارات الأميركية، وصناعات أخرى، التي خلقت شبكة الأمان الاجتماعي للأميركيين وساعدت في نمو الرخاء الذي يتهاوى حطاماً الآن.
ويقول جاري تشيسون أستاذ علاقات العمل في جامعة كلارك لمجلة بيزنس ويك لقد انتهت الأيام التي كان فيها العامل يورث الوظيفة لأسرته وتؤمن لهم تحقيق الحلم الأميركي.
ويضيف أينما كانت توجد مصانع سيارات تجد وظائف ممتازة للنخبة من العاملين مع مزايا وفوائد جمة وأجور مرتفعة، فيما ينتمي العامل في تلك اللحظة إلى أعلى شريحة في الطبقة المتوسطة.
الآن في الوقت الذي تناضل فيه جنرال موتورز وشركات سيارات أميركية أخرى لتبقى فقط في ظل المنافسة العالمية الشرسة، تخطط ديترويت لتسريح حتى العمالة في قطاع الصناعات التحويلية.
وفي الوقت نفسه تتجه صناعة السيارات لتمزيق العقود الاجتماعية التي أبرمتها مع العمال من حيث الأجور والمزايا الأخرى. والآن يستعد جيري روس (49 سنة) وجده جيرالد (71 سنة) للتضحية بالعقد الاجتماعي والحلم الأميركي معاً.
ويقول روبرت ميللر رئيس تنفيذي شركة دلفي ــ أكبر شركة في العالم لمكونات وقطع غيار السيارات إن شركته ويوناتيد أوتو أيضا لابد ان تبذل قصارى جهدها لتأخذ ما تستطيع من جيوب المتقاعدين، أو لا تمنحهم ما يكلفها الكثير، ويبرر ذلك بأن هناك عملية تبادلية.
ولا تستطيع شركته توفير حاجة كل شخص. وتسعى دلفي إلى خفض ثلثين من أجر عمالتها البالغة 34 ألفاً فتزيد خفض الأجور إلى 10دولارات في الساعة من 30 دولاراً في الساعة حاليا.
والمخاوف من احتجاجات العمال في دلفي تشكيل ضغطاً على جنرال موتورز أيضا حيث يتزايد الحديث عن اللجوء لقوانين الحماية ضد الإفلاس وطرق أخرى تتهرب بها الشركات الأميركية من دفع المعاشات المستحقة لعمالها.
وتطالب دلفي أيضا بتخفيضات كبيرة في تكاليف الرعاية الصحية والمعاشات، رغم أن لوائح بيع الشركة تنص على أن تتحمل جنرال موتورز هذه التكاليف وقررت شركة يونايتد أوتو في وقت سابق من الشهر الجاري خفض 15 مليار دولار، أو 20% من تكاليف الرعاية الصحية للمتقاعدين.
وسيضطر جيرالد روي وغيره إلى دفع أقساط شهرية مقابل الرعاية الصحية لأول مرة، تصل إلى 72 دولاراً سنوياً، ويشعر جيرالد روي بالقلق على جيري روي أكثر من نفسه، ويقول إن ما يسبب القلق له أن جيري روي عمل لمدة 28 سنة في جنرال موتورز ومع ذلك قد يفقد معاشه.
ويعي جيداً جيرالد روي وزوجته ديلوريس المتقاعدة من جنرال موتورز أيضاً، أن الأيام الخوالي السعيدة قد انتهت وأن ما قدمته صناعة السيارات لأسرتهما على مدى أربعة أجيال، ولآلاف الأسر الأخرى في ميشيجان وغيرها من المدن الأميركية أصبح في عداد التاريخ.
ويقول جيري روي الناس يعيشون بأي حال من الأحوال بغض النظر عما يحدث الأمر يدعو للحزن بشدة، وإلى البكاء أيضاً، لكنني سأجد طريقة لأتدبر بها أمري وأمر أسرتي، فماذا نفعل؟
ترجمة: أشرف رفيق