يرد إلى مسامعك أنّ: »السبب الذي يمنع اليوم بناء المباني الجميلة يعود إلى أنّ ثمن الموادّ واليد العاملة مرتفعٌ أو إلى أنّه لا يمكن تحسين المباني الجديدة إلاّ بميزانيّات ضخمة وسخيّة«.تغيّرت العلاقة الحميمة التقليديّة بين الهندسة وعلم الرياضيّات في القرن العشرين. فقد شكّلت الهندسة، تاريخيّاً، جزءاً من علم الرياضيّات حتّى ما كان بالإمكان التمييز بين هذين العلمين في كثير من الفترات الماضية.
عندما أراد الامبراطور البيزنطي »يوستينيانس« مهندساً ليبني »آيا صوفيا«، كبناء يتخطّى كلّ ما بني من قبل، لجأ إلى أستاذين في الرياضيّات متخصّصين في علم الهندسة، ليؤدّيا له تلك المهمّة، وهما »إيزيدورس« و»أنتيميوس«. ولم يتوقّف هذا التقليد في الحضارة الإسلاميّة. فالمهندسون المسلمون سبقوا علماء الرياضيّات في الغرب بقرون في خلق ثروة من الأشكال القرميديّة من بُعدين.
علم الرياضيّات هو علم الأشكال، به يدرك الذهن العلاقات والصلات الداخليّة بين المفاهيم والأفكار فيربطها ببعض. أمّا القدرة على خلق الشكل فثمرةُ تطوّر جهازنا العصبيّ في تجاوبه مع محيطنا.تشرح النظريّات في علم الرياضيّات العلاقات بين الأشكال التي تنشأ نتيجة هيكليّات تتبع نظاماً مرتّباً منطقيّاً.
والأشكال في ذهننا تقلّد الأشكال في الطبيعة، ولعلّ ذلك هو السبب في كيفيّة نموّ الإنسان حتّى تمكّن من علم الرياضيّات.يولّد الإنسان الأشكال من حاجة داخليّة أساسيّة، حاجة تبيّن هيكليّات الترابط التي تتولّد في الذهن عبر عمليّة التفكير، ما يشرح حضور الأشكال المرئيّة حضوراً دائماً في ما أنشأه الإنسان من فنّ تقليديّ وهندسة.
والأشكال عبر الزمن ضروريّة أيضاً في تطوّر الفكر الإنسانيّ. فالنشاط اليوميّ يقوم تنظيمه حول إيقاعات طبيعيّة. ولا ننسى أنّ هذه الإيقاعات غالباً ما تربط المجتمع بإدراك علميّ ناشئ لظاهرة طبيعيّة دوريّة مثل الفصول وتأثيرها. وتُعرَف الأنظمة الفيزيائيّة والكيميائيّة المعقّدة بأنّها تولّد، بفضل تنظيمها الذاتيّ، الأشكال في المكان والزمان. ولا يصحّ ذلك فحسب بالأشكال الجامدة التي لا تحصى ولا تعدّ في الطبيعة بل أيضاً بمشاهدة مستمرّة لنقل الطاقة بما فيه خلايا الحمل الحراريّ، التيّارات في المحيط، والدوّامات في الأنهر.
في ما يتعلّق بالمباني السكنيّة، فقد تولّى الملاّك بأنفسهم عمليّة التصميم، وفي ما يتعلّق بالمباني التجاريّة فقد أصبح للمقاولين سجلّهم الخاصّ من النماذج الهندسيّة، التي غالباً ما تكون فقيرة وضعيفة، وما يدفعهم إلى القيام بتلك الرغبة في الحدّ من الكلفة وجعل الأجزاء الأساسيّة من البناء في إطار نموذج مكرّر أكثر منها الرغبة في الاستفادة من المكان إلى أقصى حدّ. أمّا الهندسة فتقوم بشكل متزايد على تصميم مباني »العرض« التي تظهر في المجلاّت الهندسيّة، ولكنّها لا تمثّل إلاّ نسبة متضائلة ممّا يتمّ بناؤه فعلاً اليوم.
ويشكو المهندسون من أنّ المباني الجديدة سيّئة لأنّها رخيصة ومبتذلة، ولكن من الممكن كليّاً بناء هيكليّات غنيّة بهندستها الدقيقة الثابتة بأيّ ميزانيّة عبر تطبيق القواعد الخالدة في جمع الحلول الهندسيّة والمدنيّة لضمّها في »لغة الأشكال«. فقيمة هذه اللغة أنّها لا تتعلّق بأنواع معيّنة من البناء إنّما بمجموعة من المباني المقسّمة إلى وحدات يمكن مزجها بطرق لا حدود لها.
فالمباني الناجحة هي تلك التي تخضع لقوانين الأنظمة نفسها التي تخضع لها أيّ مجموعة من الخلايا.ولكن، عادة ما تكون المباني الجديدة سيّئة ـــ لا سيّما منها تلك التي تتمتّع بميزانيّات ضخمة وسخيّة- لأنّها تكون نتاج دراسة خاطئة لمفهوم قواعد علم الرياضيّات وكيفيّة تطبيقه.