على الرغم من أن الصين تعد أكبر تجمع لمصنعي المنتجات الإلكترونية والكثير من المنتجات الأخرى إلا أن تلك المنتجات عادة ما كان يتم تصميمها في أوروبا أو الولايات المتحدة أو اليابان.. وعندما بدأت الشركات الصينية في تصنيع منتجاتها الخاصة بها كانت في أكثر الحالات تأتي مستنسخة من المنتجات المستوردة.
أما الآن فقد بدا الوضع مختلفاً، مع اتجاه الشركات الصينية لمحاكاة النموذج الناجح للشركات الكورية الجنوبية التي كانت قبل عقد مضى تصنف ضمن الفئة الثانية من العلامات التجارية الشهيرة إلا أنها في غضون بضع سنوات نجحت أن تفسح لنفسها مكانا بين أكثر الماركات قيمة في العالم اليوم بعد أن عكفت على تطوير تصميماتها ونجحت أن تكون من أكثر الشركات التي تحصد أعلى الجوائز على تصميماتها مقارنة بشركات عالمية أكثر عراقة في الدول الصناعية الكبرى.
ومع التقدم الذي أحرزته الشركات الصينية المحلية في مجال التصميمات بدأت الشركات متعددة الجنسيات مثل سوني وسامسونج وموتورولا ونوكيا وجنرال موتورز وفولكس فاجن في فتح مراكز تصميم خاصة بها في الصين لدراسة الذوق المحلي وتطوير منتجات مخصصة للصينيين.
وكانت المشكلة التي واجهت شركات عالمية عدة في الصين في البداية أن أغلب الشباب الصينيين كانوا ينظرون إلى منتجاتها على أنها نسخة لمثيلتها اليابانية ولا علاقة لها بثقافة بلادهم، مما حدا بشركة كبرى مثل سوني إلى أن تسارع في أغسطس الماضي بافتتاح مركز تصميمات لها في شنغهاي وعهدت إلى ثلاثة مصممين فيها بمحاولة فهم حياة الشباب في الصين عبر تسجيل ملامح من حياتهم اليومية من خلال صور التقطتها 50 كاميرا رقمية انتشرت ترصد سلوك هؤلاء الشباب في مختلف أرجاء البلاد.
وبحلول شهر سبتمبر أصبح لدى هؤلاء المصممين العديد من الصور التي أوحت لهم بفكرة تصميم جهاز تشغيل الأغاني الجديد ام بي ثري المنتظر طرحه في أسواق الصين وغيرها مطلع العام المقبل.
ونجد في الصين اليوم العديد من الأمثلة الأخرى على هذا النحو تماشيا مع رغبة الشركات الصينية في ابتكار ماركات عالمية تلقى قبول المستهلك الصيني الذي أصبح أكثر عنصرية ولا ترضيه التصميمات المستهلكة السائدة في جميع أنحاء العالم وتواكب ذلك أيضا مع رغبة الشركات العالمية العاملة في الصين في تعزيز أرباحها من المبيعات الخارجية.
وساعد على ازدهار مجال التصميم في الصين اتجاه أفضل الشركات الصينية إلى تكوين مجموعات للتصميم أو جلب مصممين أجانب لمساعدتهم في إنتاج مزيد من المنتجات الخاصة بهم كما أصبح التصميم واحداً من أهم الموضوعات الدراسية في الجامعات الصينية اليوم وانتشرت العديد من شركات التصميم الاستشارية في المدن مثل شنغهاي وبكين وجوانجزهو، ليبدأ سيل من المصممين الصغار في التدفق إلى بكين وشنغهاي لتجربة حظهم في أكبر الأسواق الاستهلاكية ديناميكية في العالم.
ورصدت مجلة بيزنس ويك الأميركية في عددها الأخير ما قامت به شركة جنرال موتورز العالمية من إدخال تغييرات على بعض الموديلات التي تنتجها للسوق الأميركية لتكون أكثر ملاءمة للمستهلك الصيني..مثل التغيير الذي أجرته على سيارتها الصغيرة شيفروليه فينتور لتصبح أكثر ملاءمة للمديرين التنفيذيين في الصين والتي تم ترويجها هناك تحت اسم بويك جي ال 8 .
ويرى المصممون الصينيون في هذا نوعا من المباهاة التي تحقق نجاحا ساحقا في أسواق بلادهم التي يسود فيها الاعتقاد أنه من الأهم أن تبدو غنيا عن أن يكون لديك حساب مصرفي ضخم .ووفقا لهذا المفهوم فإن الشركات الأجنبية والمحلية عادة ما تقدم اقتراحات بمنتجات قد تحقق نسبة مبيعات عالية في الصين ولكنها لا تحقق نفس النجاح في بلاد أخرى.
والمشكلة التي تواجه الشركات المحلية والأجنبية في الصين اليوم هي نقص المصممين ذوي الكفاءة العالية مما يدعو بعض الشركات إلى رفض الإفصاح عن أسماء مصمميها خوفا من اقتناصهم من قبل شركات منافسة. ولكن المشكلة بدأت في الحل مع توسع الجامعات في احتضان مدارس صينية للتصميم على غرار ما قامت به جامعة تسينجهوا في بكين بافتتاحها مجمعا للتصميم على مساحة تصل إلى 60 ألف متر مكعب وانتقال أكاديمية الفنون الجميلة في جوانجزهو إلى مبنى جديد من ثمانية طوابق ليسع نحو 3 آلاف طالب للتصميمات الصناعية بزيادة تعادل خمسة أضعاف سعته الحالية.
وفي الأشهر الأخيرة حقق بعض المصممين الصينيين الكثير من النجاحات في المنافسة الدولية فعلى سبيل المثال حصل طالب في جامعة هيونان على الجائزة الأولى في إحدى المسابقات التي تقام كل عامين في قسم المصممين الصغار عن تصميم لعلبة لبن من الكرتون مطبوع أعلاها طقس اليوم مما يعطي المستهلك معلومات مفيدة ويحث منتجي الألبان على حفظ ألبانهم طازجة.
كما حصلت شركة لينوفو خلال العام الحالي على جائزة أفضل تصميم صناعي على هاتفها من طراز إي تي 960 . وعندما اكتشفت شركة هاير جروب للأجهزة المنزلية من خلال أبحاثها أن المستهلك السعودي يفضل غسالات الملابس كبيرة الحجم لتحمل العباءات المنتشرة ابتكرت غسالات تصل سعتها إلى 12 كيلو غراماً حققت نجاحا مذهلا لتبلغ مبيعاتها نحو 10 آلاف جهاز منذ بدء عرضها في السوق السعودية.
وحتى الشركات الصغيرة بدأت تستوعب فوائد التصميم الجيد ومنها شركة سوليل شاينا بمدينة جوانجزهو المتخصصة في صناعة الدمى والتي طورت منتجاتها مؤخرا وأصبحت تنتج خمسة منتجات جديدة شهريا على الأقل وغزت منتجاتها أرفف المتاجر الكبرى في الولايات المتحدة في منافسة أثارت قلق الشركات الأميركية العاملة في هذا المجال.
ويجني المصممون في الصين نحو 350 دولارا شهريا في البداية تعادل نحو نصف ما يحصل عليه نظراؤهم في تايوان. وتسعى شركات تعمل في تايوان وهونغ كونغ حاليا للحصول على تصميمات عالية الجودة من المصممين الصينيين كما بدأت بعض الدول توظيف مصممين صينيين قليلي التكلفة.
ومن المتوقع أن يساعد هؤلاء المصممون بعد عودتهم من مدن صناعية عريقة مثل ميلان وطوكيو ونيويورك في ارتقاء الصين إلى مستوى جديد في هذا المجال يحاكي ما سبق أن حققته الشركات الكورية الشهيرة مثل سامسونج.
(أ.ش.أ)
