حين دخل الفنان كمال مسلم عالم الجاز، استطاع ان يثبت قدمه بقوة ويقدم الجاز العربي بطريقة فنية لأنه عرف الموسيقى وعالمها منذ مراحل مبكرة من طفولته، وقد خاض التجربة بوعي خاص بأهمية التنويع الموسيقي والمازج بين الثقافات المختلفة، عشية حفله في قناة القصباء، وحول تجربته مع الموسيقى وعوالمها تحدث لـ »البيان« قائلا:

ـ كان عمري ثلاث سنوات عندما بدأت استكشف البيانو حيث كان عندي بيانو صغير في البيت، وقد وجدت والدي مهتمين بالموسيقى والفن، إذ كانا فنانين تشكيليين فوالدي يرسم الفحم، وهو فلسطيني فلاح تعلم في صباه العزف على الناي، ووالدتي لبنانية وكانت رسالة كذلك لكنها تستخدم الألوان الزيتية واكتشفت فيما بعد ان ثقافتها الموسيقية عالية جدا، اضافة الى أنها تحفظ عددا كبيراً من الاغنيات الكلاسيكية العربية.

وقد كان لوجودها أثر كبير في تعلم الموسيقى، لكني عندما وصلت المرحلة الجامعية درست الهندسة المدنية، وتخرجت من الجامعة وكنت الأول على دورتي فسافرت لدراسة الماجستير في الهندسة في سويسرا ثم فرنسا، وأكملتها عام 1995 وعملت في فرنسا في مكتب هندسي لكني شعرت برغبة العودة الى الاردن او لبنان للعمل فيها، ولم أكن حينها أفكر في التخصص في الموسيقى، ففي مجتمعاتنا يحرص الأهل على ان يدرس أبناؤهم ما يعتقدون انه يفيدهم، دخلت مجال الهندسة وعملت فيه.

٭ كيف كانت عودتك الى الموسيقى؟

ـ خلال تلك الفترة كنت أمارس الموسيقى كهواية، ولم أفكر بالاحتراف الا بعد عودتي الى لبنان، حيث التقيت زياد الرحباني وكان بالنسبة إلي مثلاً أعلى في الموسيقى الحديثة لأنه من المجددين الذين حاولوا المزج بين الموسيقى العربية والغربية بشكل مبدع، لذا طلبت منه ان أعزف معه في الفرقة، ووافق وكانت تلك الخطوة تمثل لي مدخلا الى عالم الاحتراف، حيث تعرفت على العمل الجدي في هذا المجال، وعملت مع المتخصصين بصناعة الموسيقى.

٭ هل كانت تلك مرحلة توجهك الى موسيقى الجاز؟

ـ توجهي الى الجاز كان في المرحلة الجامعية خلال دراستي للهندسة، فقد كنت مهتماً بالمشاركة في النشاط الطلابي وكونت فرقاً عديدة للعزف في الجامعة، وفي ذلك الوقت تعرفت على موسيقى الروك والبلوز والجاز، وكان الجاز يستهويني لذا اتجهت إليه وعملت على أن أقدم شيئا متميزاً فيه.

٭ نسمع مصطلح الجاز العربي، فما هو وما هي علاقته بالموسيقى العربية؟

ــ الجاز العربي مصطلح حديث يجمع بين الجاز والموسيقى العربية، وفنان الجاز العربي لا يمكن أن ينجح بدون ان تكون لديه معرفة واسعة بالموسيقى العربية وموسيقى الجاز معا، ليستطيع الإبداع وتقديم الجديد.

٭ هل تجد ان الموسيقى العربية لا تغطي حاجاتنا ليحل الجاز محلها أو ليدعمها الجاز؟

ــ أنا لم أختر الجاز على الموسيقى العربية وهي ليست قاصرة، لكني أحاول ان أجعل الاثنين يسيران في خط واحد يقدم للشرق في آن واحد، فأنا أحمل للغرب الموسيقى العربية بشكل متطور ويصل اليهم بسهولة، وأقدم لمحبي الجاز من العرب موسيقى لا تبتعد عن الذائقة الموسيقية العربية، ولكن بإدخال تنويعات الجاز عليها، وهناك تجارب سابقة في مزج موسيقى الجاز مع موسيقى الأمم المختلفة، فقد مزجوا الجاز مع الموسيقى الهندية وموسيقى أميركا اللاتينية.

٭ هل حاولت دراسة موسيقى الجاز لتقدمها للناس؟

ــ عندما قررت التخصص في مجال الجاز سافرت مرة أخرى إلى فرنسا، حيث بدأت التعلم الحر وعملت في مهن بسيطة لأعيل نفسي خلال تلك الفترة، وعدت إلى الأردن حيث بدأت نشاطي الموسيقي، وقد وجدت جمهوراً جيداً لتقبل هذا النوع من الموسيقى، وهكذا بدأت بتدريب عدد كبير من الموسيقيين، فقد كنت أول من أدخل الجاز إلى الأردن.

٭ من المعروف أن العرب تربوا على الثقافة الموسيقية التي تضع الغناء بالدرجة الأولى قبل الموسيقى، فكيف تستطيع ان تقدم موسيقى جديدة خالصة؟

ــ لا أحد يعترض على دور الغناء العربي في الموسيقى، فهذه ذائقة أمة تقدر الموسيقى والصوت، ونحن نجد آلات موسيقية عديدة، لعل العود أشهرها، قدمت الموسيقى العربية بشكل جميل، ولكن موجة الغناء الرديء، التي تجتاح الشارع الآن مؤذية وذات أثر سيء على الموسيقى والذائقة، وبرأيي الخاص نحتاج إلى حملة تنظيف لكل المنتجات الغنائية الهابطة.

ونحن الموسيقيين نعاني من ان 99% بالمئة من سوق الموسيقى مخصص للغناء فقط ولا نلاقي الدعم المناسب للموسيقى، فقد صار إنتاج الأغنية محصوراً بين شركة إنتاج ومؤلف موسيقي وعازف أو اثنين وميزانية صغيرة لتسجيل الصوت وميزانية ضخمة لتصوير الفيديو كليب، وتتكرر تلك الحالة لتنتج أغنيات هابطة تضر الموسيقى وتشوهها، ولو قلت كمية هذا الغناء وخصصت ميزانية للموسيقى الحقيقية، لاستطعنا أن نرتقي بالذائقة الشبابية، ونقدر الموسيقى حق قدرها، فنقدم موسيقانا لتأخذ انتشاراً أوسع.

٭ لماذا اخترت دبي لتكون مقراً لعملك الموسيقي؟

ـــ بعد العمل في الأردن، كنا نعاني من عدم وجود الدعم الإعلامي، وقد قررت أن أجد قاعدة أخرى في الشرق أنطلق منه، لذا كانت دبي هي المكان المثالي للتوسع والانتشار، فجئت إليها ولم أكن أعرف أحداً هنا وعملت في مجال الهندسة لأستطيع أن أبدأ موسيقياً بشكل جيد وفي مهرجان دبي للجاز تعرفت على المنظمين.

وجاء مهرجان أبوظبي للجاز 2003، وكنت قد أنجزت ألبومي الأول وقدمت العرض الافتتاحي في المهرجان وكان فرصة لي للانطلاق والترويج له، وفعلا استطعنا أن نحقق أفضل المبيعات وقد كانت معي فرقة من جنسيات مختلفة، حيث بدأنا منذ ذلك الوقت في الموسيقى في دبي، وبعدها شاركت في مهرجانات عديدة مع فنانين كبار منهم آن دوكرو التي التقيتها في مهرجان دبي للجاز العام الماضي.

د.ج