قال محللون اقتصاديون ان غوردون براون، وزير الخزانة البريطاني أدرك منذ وقت بعيد أهمية الإنتاجية، أما الآن، وبعد ثماني سنوات فقد أظهرت دراسة جديدة قامت بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إن الأداء لم يتجاوز معدله الطبيعي.

فالإنتاجية هي مقياس ثراء الأمم، ونسبة العاملين في مجال العمل متهمة، وكذلك عدد الساعات التي يعملها كل شخص، بيد أن أيا منها لايضاهي الإنتاجية من حيث الأهمية وعلاوة على ذلك، فإن المجتمعات تختلف في القيمة التي تضيفها على العمل، مقابل أوقات الفراغ.

أو على الأمومة المتفرغة تفرغاً كاملا، مقابل المشاركة النسائية في أسواق العمل. فما هو سجل بريطانيا في ذلك المجال؟

أولا: كان أداء الاقتصاد الكلي نموذجاً للاستقرار.

ثانيا: انتقل الناتج الإجمالي المحلي البريطاني للفرد الواحد من المرتبة الأخيرة إلى الثالثة، ضمن مجموعة الدول المتقدمة السبع. بعد الولايات المتحدة وكندا، بالرغم من كونها تحتل مرتبة وسطا بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ثالثا: كان التفسير الرئيسي للحاق بالناتج الإجمالي المحلي بالنسبة للفرد، للإقتصادات الأوروبية القارية الكبرى، هو ارتفاع معدل استغلال اليد العاملة.

رابعا: لا توجد مؤشرات على حدوث نهوض في النمو الانتاجي في بريطانيا، الذي تراوح عند معدل 2 في المئة سنويا بين عامي 1995 و 2004.

خامساً: كان نمو معدل الانتاجية في بريطانيا خلال هذه المدة، يداني متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وأقل من معدل الولايات المتحدة الذي يبلغ 25 في المئة سنوياً.

سادسا: الناتج في الساعة، في الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، يظل فعليا فوق مستويات بريطانيا وعلى وجه الإجمال، فإن بريطانيا تحتل المرتبة الخامسة عشرة، من بين 27 في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

سابعا: في الوقت الذي يفوق استغلال اليد العاملة في بريطانيا مستويات كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا، فإنه يبقى متخلفا عن مستوياته في الولايات المتحدة، وكندا واستراليا.

غير أن دراسة الاتجاهات في الأداء الإنتاجي يجعل الصورة أكثر وضوحا، فقد شهد ناتج القطاع التجاري في الساعة 2 في المئة سنويا خلال ثمانينات القرن الماضي، وقفز إلى 3.2 في المئة بين عامي 1990 و 1996، ثم عاود انخفاضه إلى 2.2 في المئة بين عامي 1996 و 2001 ثم ارتفع من جديد إلى 2.6 في المئة بين عامي 2001و 2004.

مرة أخرى، فإن معدل تحرك الناتج للفرد على مدى خمس سنوات، وصل ذروته، بنحو 3 في المئة سنوياً حتى أواسط 1996.بيد أنه تدهور الآن إلى 1.4 في المئة، لكن من المبكر التأكيد أن الأداء الكامن في طريقه إلى التقهقر، ولكنه في الوقت ذاته لا يتحسن، فما هو السر يا ترى؟

الرقابة المشددة لأسواق المنتجات سبب غير مسوغ، حيث إن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تصنف المملكة المتحدة كثاني أفضل بلدان المنظمة في هذا السجل.

السبب الثاني والأكثر تسويغاً يمكن أن يكون الارتفاع الحاد في الإنفاق العام، باعتباره حصة من الناتج المحلي الإجمالي، صحيح أن فنلندا والسويد والنمسا، نعمت بنمو إنتاجي أسرع، من بريطانيا خلال العقد الماضي، بالرغم من الأعباء الضريبية الأكثر ثقلاً.

غير أن الحصة المتزايدة من الإنفاق العام في الناتج المحلي الإجمالي كان له تأثير خافض على النمو الإنتاجي، حيث إن مقاييس إنتاجية القطاع العام تظهر انخفاضاً، التفسير الثالث هو معدل الاستثمار البريطاني المنخفض، الذي يقارب 17 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، غير أن تأثير ذلك لا يجوز المبالغة فيه.

حيث إن الاستثمار يفسر 40 في المئة من الارتفاع في إنتاجية القطاع التجاري منذ ستينات القرن الماضي السبب الرابع هو المستويات المهاراتية المنخفضة، فالمملكة المتحدة تأتي في المرتبة الخامسة بين السبع الكبار، من حيث نسبة امتلاك الأشخاص البالغين للحدود الدنيا من المهارات.

والمرتبة السابعة عشرة، في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ككل. والتفسير الخامس هو الضعف الذي يعتري البنية الأساسية، فالازدحام المروري هو الأسوأ بين دول الاتحاد الأوروبي القديم المكون من 15 بلداً، في حين يزدحم ربع الطرق الرئيسة لأكثر من ساعة يومياً، مقارنة بخمس عشرة في المئة في هولندا.

وليس من المحتمل أن يتبدل ذلك نظراً لأن الاستثمارات الحكومية الإجمالية الثابتة كانت تمثل الحصة الأقل من الناتج المحلي الإجمالي من أي من الدول السبع الكبار بين عامي 2000 ـــ 2004 ويمكن أن تكون البنية التحتية الضعيفة في مجال النقل في غاية الأهمية.

حيث إن أكبر الفروقات في النمو الإنتاجي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يكمن في توزيع المفرق والجملة، أما التفسير السادس فيتمثل في الأداء المتوسط في حقل الإنفاق، فالإنفاق البريطاني على البحوث والتطوير الأكثر انخفاضاً كحصته من الناتج المحلي الإجمالي، بين الدول السبع الكبار.

كما أنه انخفض عن مستوى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 1981 ليصل إلى 1.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، هذا بالإضافة إلى أن ترخيص براءات الاختراع اعتراه الضعف بمعايير دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأعضاء الأخرى، بالرغم من انسحاب ذلك على أستراليا، التي تمتلك سجلاً إنتاجياً ممتازاً.

غير أننا لو ألقينا نظرة أكثر تمعناً، لوجدنا أن المملكة المتحدة أبلت بلاء حسناً في حقول الملكية الفكرية الأخرى مثل تسجيل العلامات التجارية كما أن القاعدة العلمية احتفظت بمكانها القومي فالمنشورات العلمية بالنسبة للفرد، على سبيل المثال، تعتبر الأعلى بين الدول السبع الكبار فضلاً عن أداء الخدمات المعرفية التكثيفية.

والصناعات الإبداعية، كانت مؤثرة للغاية علاوة على ذلك، فإن بنية الاقتصاد البريطاني تفسر إلى حد بعيد الضعف الواضح في أداء أعمال البحوث والتطوير ففي حين تفرض بريطانيا وجودها بقوة في الصناعات عالية الثقافية فإن تواجدها يتسم بالضعف في صناعات التكنولوجيا المتوسطة وتفسر تأثيرات الصناعات مجتمعة فجوة 60-80 في المئة في كثافة البحوث والتطوير مع اليابان وألمانيا وفرنسا.

أما الفجوة مع ألمانيا فيمكن تفسيرها بصناعة السيارات وحدها.إن الاستنتاج الواسع الذي يمكن استخلاصه من وراء كل ذلك كله هو صعوبة تفسير الأداء الإنتاجي المتوسط، ولعل ذلك يرجع بالتأكيد إلى معرفتنا الضئيلة بالعوامل التي تحدد النمو الإنتاجي في الاقتصادات المتقدمة.

والمطلوب هو السعي إلى تطوير السياسة على امتداد جبهة عريضة، فزيادة الاستثمار خصوصاً في البنية التحتية مسألة تحظى بالأولوية حالها كحال الازدحام المروري وذلك لتحسين استخدامها.

كما أن هناك ضرورة لتحسين تخطيط استخدام الأراضي وعلى نفس الدرجة من الأهمية رفع الكفاءة التعليمية على كل المستويات، وبنفس الصرامة تطوير الروح التنافسية في الحقول الاقتصادية كافة.

وعلى المستوى ذاته من الأهمية فإن الحكومة مطالبة بتحسين حقل طالما أغفلته، وهو التيسيرات الضريبية وترشيد الأنظمة الرقابية المرعية.وعليه فإن تقدير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هو مجرد توجيه أظهر أن المملكة المتحدة، لما تكتشف بعد الطريق إلى النمو الإنتاجي المتسارع. وعليها أن تواصل البحث.

ترجمة: وائل الخطيب