تبرز أهمية التخطيط البيئي في جانب مهم تهتم به الدول النامية على وجه الخصوص وهو ما يتعلق بالزيادة الهائلة في السكان ومن ثم ازدياد الحاجة إلى الغذاء ومتطلبات الحياة الأخرى، لذلك فهناك حاجة ملحة تتطلب إيجاد وسائل وأساليب تتضمن حسن إستغلال العناصر البيئية الطبيعية.
واستمراريتها بحيث تعمل على إيجاد نوع من التوازن بين نموالعناصر البيئية الطبيعية والزيادة الهائلة في السكان. والتخطيط السليم هوالذي يتصف بالواقعية والتكامل بحيث يتم حصر الحاجات والإمكانات المتاحة واقعيا إضافة إلى كونه عملاً يتصف بصلته بكل القطاعات في المجتمع وبدرجات متفاوتة.
لذلك فإن عمليات التخطيط البيئي مكملة ومتكاملة مع عمليات تخطيط التنمية الشاملة واعتبار السياسات الخاصة بالتنمية البيئية جزءاً لا يتجزأ من السياسات العامة للتنمية الشاملة.
وعلى هذا الأساس فإن التخطيط البيئي يعني التخطيط بنظرة شاملة وواقعية ومتكاملة لكل ما يقيمه ويستغله الإنسان ويعالج المشكلات الناجمة عن هذا الاستغلال، أي أن عمليات التخطيط البيئي تهتم بالمكونات الطبيعية كما تعني بالتغيرات الهيكلية في هذه المكونات .
وعلى الأخص تلك التي تؤدي إلى تردي النوعية البيئية. لذلك لا بد من تبني استراتيجية محددة للتنمية تؤشر بموجبها الأهداف والأولويات بين مختلف القطاعات في إطار جدول زمني محدد.
وتتضمن هذه الاستراتيجية عدداً من الوسائل الكفيلة بتخطيط التنمية وإدارة النظم البيئية وذلك من خلال فحص المشاريع القائمة والمطلوب تنفيذها لمعرفة متطلباتها الأساسية وآثارها على البيئة والتدقيق في الخيارات التكنولوجية المساندة للمشروع وبذلك يتم تحقيق أهداف التنمية دون الإساءة للنظم الطبيعية.
ويتحدد مفهوم البيئة بالوسط الذي يعيش فيه الإنسان ويمارس فيه نشاطاته المختلفة ويحصل منه على عناصر ومقومات الحياة الرئيسية. ويأتي التوازن الطبيعي من مرونة .
وحسن إستغلال الإنسان لعناصر البيئة المختلفة بشكل لا يضر بالنظام البيئي حيث يكون الاستغلال لعناصر البيئة المختلفة سليما عندما يكون مبنيا على اعتبارات بيئية لا على اعتبارات اقتصادية أو تجارية.
لقد كان للتطور الصناعي والتكنولوجي دور أساسي في الإساءة إلى العلاقة بين الإنسان والبيئة إذ أنه معروف لدى الجميع بأن الصناعة ومنتجاتها الرئيسية تؤثر بشكل سلبي على قاعدة الموارد البيئية الطبيعية.
حيث إن زيادة معدلات النموالصناعي تتطلب زيادة الإنتاج والذي بدوره يتطلب زيادة الطلب على المواد الخام الأولية الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف هذه الموارد إضافة إلى الآثار السلبية الناتجة عن النشاط الصناعي والمتمثلة في تلوث الهواء والماء والأرض.
ويشكل النشاط التجاري أيضا نشاطاً اقتصادياً في صورة تبادل للسلع والخدمات في المجتمع باستخدام أساليب مختلفة وتكون بين الأفراد إلى أن تصل إلى الدول.
وبهذا المفهوم نرى بأن النشاط التجاري يرتبط أساسا بعملية الإنتاج التي تؤثر وتتأثر بالموارد الطبيعية والبيئة إضافة إلى حركة التجارة الدولية تتأثر بالقواعد التي تضمنتها العديد من الاتفاقيات والتي تنادي بتطبيق معايير معينة على إنتاج السلع وترويجها في الأسواق العالمية.
وفي الحقيقة فهناك ارتباط وثيق بين معظم الأنشطة الاقتصادية والبيئة من حيث اعتماد هذه الأنشطة على البيئة باعتبارها المصدر الرئيسي لكل مستلزمات الإنتاج وبالمقابل فإن ما ينتج من نفايات عن العملية الإنتاجية تؤثر بشكل مباشر على البيئة.
وتعتبر الأضرار الناجمة عن التلوث أضرارا ناتجة عن إهمال التخطيط البيئي في مراحل تخطيط التنمية مما يتطلب حماية البيئة من هذه الأضرار التي قد لا يمكن تلافيها أوتحميل المجتمع تكاليف إقتصادية باهظة.
حيث أن غالبية المنشآت تهتم بالدرجة الأولى بتحقيق عوائد إقتصادية سريعة على استثماراتها بينما يكون إلتزامها بتكاليف مكافحة التلوث من الأعباء المالية الثقيلة التي تؤثر على أرباحها بينما هي مجبرة على تحمل مثل هذه التكاليف لصالح المجتمع والبيئة وبموجب القوانين.
وعلى هذا الأساس برز مفهوم التنمية المستدامة وهي في الحقيقة تهدف إلى تلبية حاجات ومتطلبات الحاضر دون الإخلال بالقدرة على تلبية حاجات ومتطلبات المستقبل. حيث ترتكز فلسفة التنمية المستدامة على حقيقة مهمة .
وهي أن الاهتمام بالبيئة هوالأساس في التنمية الاقتصادية لأن الموارد الطبيعية المتوفرة هي أساس كل نشاط اقتصادي، فإذا استطعنا المحافظة على قاعدة الموارد الطبيعية فإننا نستطيع تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي المطلوب.
وبالعكس إذا تم استنزاف الموارد البيئية الطبيعية فإن أعباء ونتائج ذلك ستكون سلبية على البيئة والاقتصاد ومنها الاستنزاف غير المتجدد للموارد الطبيعية وتلوث البيئة وانخفاض القدرة الإنتاجية وغيرها من العناصر البيئية.
إن تخطيط التنمية المستدامة يتطلب العمل بفلسفة تأخذ بعين الاعتبار الظروف البيئية والاقتصادية بحيث تشمل مصادر التمويل ودراسة التكنولوجيا المناسبة وتقييم المخاطر والوقاية من التلوث.
ويجب أن يتسم التخطيط بشكله العلمي بالواقعية أي يقوم على حصر الحاجات والإمكانات بصورة واقعية مع الأخذ بالاعتبار العوامل غير المنظورة التي يمكن أن تغير هذه الصورة سواء كانت عوامل داخلية أو عوامل بفعل ظروف خارجية.
إضافة إلى ذلك فإن تخطيط التنمية يجب أن يتسم بالتكامل، أي أن التخطيط البيئي في الواقع مكمل ومتكامل مع عمليات تخطيط التنمية وهو جزء من السياسة العامة للتنمية.
إلى جانب ذلك فإن مفهوم التخطيط البيئي يرتكز بالأساس على دراسة المشروعات المقترحة ضمن خطة التنمية وتأثيراتها البيئية ويهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق استغلال متوازن لعناصر البيئة دون إحداث أي خلل في البيئة نفسها.
إن التخطيط البيئي بهذا المفهوم العلمي يهتم بالقدرات البيولوجية القصوى لعناصر النظام البيئي وإذا تجاوزت المشروعات المقترحة هذه القدرات فإنها تؤثر بشكل سلبي على الجوانب الاقتصادية للمشروع بالإضافة إلى الجوانب البيئية وما ينتج من التلوث بأنواعه واستنزاف العناصر البيئية غير المتجددة.
ومفهوم استنزاف الموارد البيئية الطبيعية يعتبر من أهم المفاهيم في دراسة العلاقة بين البيئة والتنمية، لأن هذه المشكلة المتمثلة بظاهرة الاستمرار والديمومة هي في الحقيقة نتيجة للزيادة السكانية والتطور الاقتصادي المتمثل في زيادة معدلات النمو الصناعي الذي يؤدي إلى استنزاف هذه الموارد وما ينتج عنه من انخفاض في قيمتها أو تعطيلها عن أداء دورها في الحياة الاعتيادية.
لذلك يجب تحديد مفهوم واضح ومحدد لصيانة هذه الموارد من أجل الاستخدام الأمثل لها بحيث تبقى مصدر عطاء دائم. إن ذلك يتطلب تبني استراتيجية محددة لصيانة هذه الموارد عن طريق تحديد دقيق وشامل لحجم الموارد الطبيعية.
وبالتالي تحديد الفترة الزمنية لاستغلالها دون الإخلال بالنظام الأيكولوجي من خلال إيجاد توازن بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي وكذلك توفير مستلزمات السكان المتزايدة دون الإضرار بالعناصر البيئية.
إن مفهوم التنمية المستدامة في الحقيقة يرتكز على محاولة الموازنة بين كل من النظام البيئي والنظام الاقتصادي بحيث تكون التنمية المستدامة هي في أقل قدر من استنزاف للموارد الطبيعية حتى يمكن تجنب الإتلاف وكذلك بالحد الأدنى من تأثير الاسترداد من التلوث الناتج عن المخلفات والفضلات بجميع أنواعها.
ومن جهة ثانية فإن مفهوم التنمية المستديمة يرتكز على عنصر الزمن أي إطالة الأفق الزمني في دائرة العمل الاقتصادي، لأنه وكما هو معروف فإن الدورات البيئية طويلة جدا بالمقارنة مع العمل الاقتصادي.
وبالتالي فإن مفهوم التنمية المستدامة يقتضي مراعاة الأمد البيئي وترشيد العمل الاقتصادي بحيث تتحقق شروط الاستمرار أو الاستدامة بالنسبة للنظام البيئي وبالتالي النظام الاقتصادي ودون الإخلال بالتوازن من أجل مصلحة الأجيال القادمة.
وعلى هذا الأساس فيجب أن نفهم بأن التنمية المستدامة هي التي تحقق بشكل عادل الاحتياجات الاقتصادية والبيئية للأجيال الحالية والقادمة، أي هي التي تلبي متطلبات الأجيال الحالية بدون أن يكون ذلك على حساب الأجيال القادمة. وبهذا المفهوم .
وبغض النظر عن الاختلاف في التيارات الفكرية، فإن التنمية المستدامة هي التي تمكن من المحافظة على المخزون من رأس المال الاصطناعي والطبيعي لتحقيق رفاهية متنامية ويشترط في هذا المفهوم المحافظة والصيانة والحماية للموارد البيئية بما فيها العناصر ذات الوظائف الحياتية الأساسية والموارد المتجددة وغير المتجددة.
وعلى ذلك فإن مفهوم التنمية المستدامة يدور في محورين مترادفين أولهما هو الملاءمة بيئيا بين مقتضيات التوازنات الاقتصادية والبيئية من ناحية والتواصل الذي يؤمن ديمومة هذه التوازنات من ناحية أخرى.
إن هذا المفهوم للتنمية المستدامة لم يعد في الحقيقة مجرد مفهوم أو فلسفة نظرية وإنما أصبح مفهوما تنبهت له العديد من الدول في العالم سواء المتقدمة أو النامية بسبب الأخطار الناتجة عن عملية التنمية في التأثير على البيئة.
بالإضافة إلى أن النظام الدولي هو الذي ساهم أكثر من غيره في بلورة هذا المفهوم عمليا وإدماجه ضمن الاعتبارات والمشاكل الرسمية في البلدان النامية حيث إن هذا المفهوم أصبح يحظى باهتمام واضح على الأقل في الخطاب الرسمي.
وبشكل عام ومن أجل ضمان تنمية مستدامة فإن على الأجهزة المسؤولة عن تخطيط وإدارة التنمية أن تضمن أداء فعالا للبيئة حتى تحقق وظائفها الأساسية ومنها الوظيفة الحياتية.
إضافة إلى تزويد المجتمع الاقتصادي بالموارد الطبيعية ومصادر الطاقة والقدرة على استيعاب المخلفات ونفايات الأنشطة الاقتصادية وذلك من خلال الوسائل التي يمكن بها إدماج العامل البيئي في التخطيط.
E.mail : wisamjamil@yahoo.com