ارتفع إجمالي الناتج المحلي الأوروبي (في منطقة اليورو) بنسبة 0.6% خلال الربع الثالث من العام الجاري (بمعدل 2.6% سنوياً) وهو الأسرع منذ عام ونصف. وسجلت كل من المانيا وفرنسا واسبانيا معدل نمو يزيد على 0.6% لكن ايطاليا وهولندا سجلت 0.3% لكل منهما خلال الفترة المذكورة.

فالإحصاءات تشير الى تسارع النمو الاقتصادي. ومع ذلك يرى المتشائمون انه لا شيء قد تغير، فالألمان صوتوا ضد الإصلاحات الاقتصادية والعاطلون عن العمل في فرنسا يتظاهرون والبنك المركزي الأوروبي يبحث عن أسباب وعلات لرفع أسعار الفائدة وكيفية النمو الاقتصادي في منطقة اليورو.

ويعتقد هؤلاء ان منطقة اليورو بائسة وسوف تظل كذلك اذا بقيت بدون إصلاحات اقتصادية.والحقيقة ان معدلات النمو الأوروبية مقارنة بالأميركية تبدو هزيلة، فقد بلغ معدل النمو السنوي في الاقتصاد الأميركي 3.8% على أساس نمو الربع الثالث من العام.

ومع ذلك فإن معدل النمو الاقتصادي في منطقة اليورو تفوق التوقعات التي كانت 1.8%. ويقل ذلك عن معدل النمو الأميركي الذي يفوق 3%، بسبب انخفاض معدل نمو الإنتاجية الأوروبية، لكن السبب الرئيسي مع ذلك هو النمو السكاني الأسرع في أميركا مقارنة بمنطقة اليورو.

وتركيب أو تفصيل نمو منطقة اليورو خلال الربع الثالث ليس معروفاً، لكن الإحصاءات الرسمية الألمانية قالت ان النمو الألماني كان مدفوعاً بالصادرات والاستثمار. وقال خبراء اقتصاد في بنك إتش في بي الألماني إن الاستهلاك الشخصي ربما يكون انخفض خلال الربع الثالث وحتى الآن لأول مرة في تاريخه.

ويختلف النمط في أماكن أخرى، حيث يساهم الإنفاق الاستهلاكي بقدر أكبر أو أقل في معدل النمو، والفكرة هي ان النمو الاقتصادي في منطقة اليورو يعتمد في الأساس على الطلب الخارجي.

فيما يتراجع الطلب المحلي، يعتبر أسطورة. تقول مورجان ستانلي ان صافي الصادرات من منطقة اليورو ساهم بنسبة 0.1% فقط من متوسط نمو المنطقة البالغ 1.99% في إجمالي الناتج المحلي منذ عام 1999.

حتى في المانيا هناك علامات على ارتفاع الطلب المحلي فقد بدأ إقراض البنوك للشركات والأفراد يرتفع عقب انخفاض في السنوات الثلاث الماضية. ويشير آخر استطلاع لثقة رجال الأعمال الى ارتفاع في معدل الثقة في تجارة التجزئة بما يعني ان المستهلكين ينفقون.

واستمرت مؤشرات ثقة رجال الأعمال والمستهلك في منطقة اليورو في الارتفاع خلال اكتوبر، مما ينعكس إيجابياً على الربع الحالي من العام.وتوقعت مجلة الايكونوميست حسب أحدث استطلاع لها أن تسجل منطقة اليورو نمواً بنسبة 1.6% فقط في العام المقبل، غير أن هذا الرقم قد يكون شديد التشاؤم.

سوق العمل

ويعتمد استمرار الانتعاش الاقتصادي الأوروبي على سوق العمل. فقد أدت إعادة هيكلة الشركات في ألمانيا بشكل مكثف إلى ضغط الوظائف والأجور لسنوات. فإذا ولدت أعداد أكبر من الوظائف، فسيرتفع الإنفاق الاستهلاكي.

وهناك علامات مبشرة على ذلك، فقد انخفض معدل البطالة في منطقة اليورو بنسبة أكبر من المتوقع في الأشهر الماضية من 8.8% في أبريل إلى 8.4% في سبتمبر. وقد تكون بيانات البطالة في كثير من الدول غير حقيقية بسبب إجراءات التوظيف الخاصة وتغيرات اللوائح من أجل زيادة المزايا لكن الاستطلاعات تشير إلى تحسن في الظروف الرئيسية.

وينتج ذلك عن بضعة إصلاحات في سوق العمل والاتجاه لأعلى في الدورة الاقتصادية ورغم أن سوق العمل لا تزال متصلبة، فهي أكثر مرونة منذ ذي قبل، والحقيقة أن أرقام البطالة، قد تقلل من قيمة التحسينات والتطورات التي حدثت. فارتفع معدل التوظيف مقارنة بالبطالة حيث أدت الإصلاحات إلى جذب العاملين السابقين إلى سوق العمل.

وشهدت إسبانيا أسرع توسع في توليد الوظائف بلغ 4% سنوياً منذ عام 2000. وارتفع معدل التوظيف في إيطاليا بمتوسط سنوي 1.4% خلال السنوات الست الماضية. ويعكس ذلك خروج عمالة من الاقتصاد الأسود إلى الاقتصاد الشرعي، لكن بعض الارتفاع حقيقي بفضل أنواع العقود المرنة الجديدة.

ويبلغ معدل البطالة في إيطاليا حالياً 7.7% مقابل 12% عام 1998، وألمانيا هي الدولة الكبرى الوحيدة في منطقة اليورو التي لم تنخفض فيها البطالة منذ عقد من الزمان.

السر الأوروبي:

قد يقول المتشائمون إن الإصلاحات المتناثرة هنا وهناك والنمو الأعلى في الربع الثالث لا تغير الصورة القائمة على المدى الطويل لكن الحقيقة أن الأداء الأوروبي أفضل من المتوقع.

ورغم أن أميركا تفوقت على أوروبا نمواً في العام الحالي وفي نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي خلال السنوات الخمس الماضية، فإن متوسط النمو في منطقة اليورو بلغ 1.4% سنوياً خلال تلك الفترة مقابل 1.5% في أميركا، وهو ليس فارقاً كبيراً.

لكن أميركا هي الأفضل في توليد الوظائف، حسب قول البعض. لكن هذا ليس صحيحاً. فقد زاد متوسط معدل التوظيف في منطقة اليورو ومقارنة بأميركا على مدى السنوات الخمس وحتى العشر الأخيرة واستمر في التحسن خلال العقد المنتهي في منتصف التسعينات.

ومنذ عام 1996، انخفض عدد السكان في سن العمل ويعملون من 73% إلى 71% في أميركا، لكنه ارتفع في منطقة اليورو من 59% إلى 65%. كما يشير تحقيق النمو في منطقة اليورو دون ارتفاع كبير في عجز الحساب الجاري والميزانية إلى أن الاتجاه أكثر استقراراً في منطقة اليورو من أميركا.

ولا يعني ذلك أن الأمور على ما يرام في منطقة اليورو، بل يتعين على أوروبا أن تتعايش وتتغلب على انكماش قوة العمل وارتفاع سن السكان، والمنافسة العالمية الشرسة.

ولابد من ارتفاع مرونة الأسواق الأوروبية ويحتاج سكانها إلى العمل لفترة أطول وتتحسن الإنتاجية فيها. ونتائج الإصلاحات المستقبلية في أوروبا قد تكون هي الأعظم في ظل الحالة الاقتصادية الهشة، إذا جرت هذه الإصلاحات بالفعل، وزادت وتيرتها لتلحق بأميركا.

ترجمة: أشرف رفيق