ضربت مداخيل الدول المنتجة للنفط هذا العام التوقعات بعرض الحائط، وبلغت حداً أثار الكثير من التساؤلات حول الاستراتيجية التي تعتزم تلك الدول اتباعها من أجل ضمان إدارة فائض الأموال النفطية بطريقة تؤدي إلى انعكاسات اقتصادية ملموسة.
وقدر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي عائدات الدول العربية من النفط خلال العام الجاري بـ 400 مليار دولار، على اعتبار أن متوسط سعر برميل النفط سيكون في حدود 2. 54 دولاراً. وتوقع الصندوق نمو متوسط سعر برميل النفط إلى 75. 61 دولاراً في 2006، الأمر الذي سيؤدي إلى المزيد من الارتفاع في حجم عائدات الدول العربية، خاصة الخليجية منها.
وأدى النمو المتسارع في الإيرادات النفطية إلى توسع كبير في الإنفاق العام، وزاد من جرعات الثقة المتزايدة في القطاع الخاص، وعزز من مستوى مداخيل الأفراد، ورفع بالتالي من مستويات الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي.
لكن المحللين الاقتصاديين يرون أن ارتفاع عائدات النفط يفرض إعادة النظر في الخطط الاقتصادية للكثير من دول الخليج العربية المنتجة للنفط. ووفقاً لأولئك المحللين فإن التحول الجذري في عائدات دول الخليج النفطية وأوضاعها المالية في السنوات الأخيرة سيبقى ويترسخ في المستقبل المنظور ويؤدي بالتالي إلى استمرار تراكم الفوائض النفطية لدى هذه الدول.
وكانت جهود الحكومات الخليجية قد تركزت خلال السنوات الأولى من الفورة النفطية التي بدأت في العام 2000 على تصحيح الأوضاع العامة للموازنات وإصلاح ما خربته فترة التسعينات التي شهدت تدهوراً في مداخيل الدول المنتجة التي عانى معظمها خلال تلك الفترة من عجوزات كبيرة في ميزانياتها.
ويشدد الخبراء على ضرورة أن تأخذ الدول المنتجة بعين الاعتبار احتياجات الإنفاق المحلي والقدرة الاستيعابية لاقتصاداتها. وتواجه دول الخليج استحقاقات كبيرة في مجال الإنفاق المحلي في المرحلة المقبلة ومن المفترض أن يتركز الجزء الأكبر من هذا الإنفاق على مشاريع التنمية وخصوصا مشاريع تطور وتوسيع البنية التحتية. وستفرض عوامل مثل النمو السكاني السريع ومتطلبات الأجيال الجديدة المزيد من الاهتمام بالرعاية الاجتماعية ومواجهة مشكلة البطالة وغيرها من المشكلات الاجتماعية الخطيرة.
وبحسب تقديرات الخبراء فإن المتوقع أن يصل حجم الإنفاق الاستثماري إلى أكثر من 140 مليار دولار خلال العام المقبل، أي نحو أربعة أضعاف مجموع العام 2004. وتشمل تلك التقديرات الإنفاق على مشاريع تطوير القطاع النفطي التي من المتوقع أن تستقطب نحو 35 مليارا. وكانت تقديرات صدرت خلال الأسابيع القليلة الماضية عن وكالة الطاقة العالمية قد قالت إن مشاريع الغاز والنفط في منطقة الشرق الأوسط ستتطلب استثمار أكثر من تريليون دولار خلال الأعوام الخمسة والعشرين المقبلة، أي بمعدل 40 مليار دولار سنويا.
ومن المتوقع أن يجد جزءا من الفوائض النفطية الجديدة طريقه إلى الأسواق المحلية من خلال استثمارات حكومية مباشرة وغير مباشرة. لكن بعض المحللين يرون أن ارتفاع عائدات النفط سيؤدي إلى زيادة التضخم في أسعار الأصول المالية والثابتة في الدول المنتجة. كما أن تلك الدول باتت أمام مواجهة تحديات جديدة تتمثل في ما تفرضه الضغوط الخارجية المتنامية والمنطلقة من المخاوف التي تتحدث عن احتمال تأثير ارتفاع أسعار النفط على نمو الاقتصاد العالمي. وهو أمر يحاول الكثير من المسؤولين في الدول الخليجية نفيه بشكل قاطع، وفي هذا الإطار قال حمد سعود السياري محافظ مؤسسة النقد العربي السعود��: «الاقتصاد العالمي لا يزال يحقق أداء طيبا في ضوء التحديات.
وهناك بوادر على ان النمو أفضل من المتوقع. والتضخم لا يزال محدودا رغم ارتفاع أسعار النفط». ومضى قائلا «تأثير الموجة التالية لا يزال محدودا حتى الآن. ومبعث القلق هو أن ترتفع أكثر وهناك بعض التوقعات بأنه ستحدث قفزة هائلة في أسعار النفط الى 100 دولار ولكن بفضل جهود كبار المنتجين الذين يجعلون طاقتهم الفائضة متاحة ويستثمرون فإن ذلك يعمل على تهدئة السوق».
وفاقمت أسعار النفط المرتفعة المخاوف من تسارع التوقعات التضخمية مما دفع المستثمرين إلى الاعتقاد بأن التحرك العالمي لرفع أسعار الفائدة قد يتسارع. وأكد السياري أن السوق تتكيف الآن مع حقيقة نهاية السيولة الوفيرة عالمياً، ورأى أن هذا هو أحد التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي.
وفيما عبرت حكومات الدول الصناعية في الأسابيع الأخيرة عن مخاوفها المتزايدة من الارتفاع السريع في أسعار النفط بدأ ينعكس بوضوح تراجعا في الإنفاق الاستهلاكي والنشاط الاقتصادي وارتفاعا في معدلات التضخم في تلك الدول، فقد أصبح واضحا أنه لم يعد هناك طاقة إنتاج إضافية في المدى القصير لتحقيق فائض في الإيرادات يؤدي إلى تراجع محسوس في أسعار النفط
دبي ـ «مشهد البيان»: