تتمتع سنغافورة باقتصاد سوق حر ناجح متطور جداً، الملاحظ أنه يعمل في مناخ مفتوح وخال من الفساد، ويتميز بالأسعار المستقرة، وبالتالي يمثل أعلى نصيب لدخل الفرد من إجمالي الناتج المحلي في العالم.

وتمثل الصادرات التي تتركز في الإلكترونيات والكيماويات والخدمات المصدر الرئيسي للعائدات الاقتصادية في سنغافورة، التي يسمح اقتصادها بأن تشتري موارد طبيعية ومواد خاماً غير متوفرة داخل البلاد. وبالتالي يمكن القول إن سنغافورة تعتمد على حرية التجارة في نموها الاقتصادي عن طريق شراء المواد الخام ثم إضافة قيمة مضافة بالتصنيع وإعادة تصديرها، كما يحدث في صناعة المنسوجات وتكرير البترول.

وتتميز سنغافورة أيضاً بوجود ميناء استراتيجي يرفع من قدرتها التنافسية مقارنة بالدول المجاورة لها في تنفيذ هذه الأنشطة التجارية. كما أن البنية التحتية المتقدمة في ميناء سنغافورة والعمالة الماهرة المتوفرة بسبب نظام التعليم الناجح هناك لتخريج قوة عمل متعلمة من العناصر الأساسية أيضاً في الاقتصاد المحلي. ويؤدي هذا النظام إلى سهولة وصول العمالة إلى السوق والحصول على فرص عمل والوصول إلى أسواق الصادرات والواردات، وتوفر العمال الذين يستطيعون تحويل الواردات إلى منتجات رفيعة القيمة.

وتشجع الحكومة على زيادة المدخرات والاستثمار من خلال برنامج يسمى صندوق المستثمر المركزي، ويتم إنفاق ميزانية الصندوق غالباً على التعليم والتقنية. وتملك الحكومة شركات تابعة لهيئة الاستثمار الحكومية تعمل في أنشطة مثل الصناعة التحويلية وتعمل في شكل كيانات تجارية تساهم بنسبة 60% من إجمالي الناتج المحلي.

وتنظر سنغافورة إلى مستقبل تسوده العولمة، ولذلك ترسخ مكانتها في المنطقة على أنها مركز مالي وتقني أيضاً.

موقع متميز

موقع سنغافورة الاستراتيجي على الطرق البحرية الرئيسية وبين مناطق صناعية قد زاد من الأهمية الاقتصادية لها في جنوب شرق آسيا بحيث تفوق هذه الأهمية حجم البلاد.

وقد واجهت سنغافورة نقصاً في المواد الخام عند استقلالها عام 1965 وعانت من سوق محلي صغير، لكن حكومة سنغافورة تبنّت سياسات تشجع الأعمال التجارية وجذب الاستثمار الأجنبي وتوجيه الاقتصاد نحو التصدير لمواجهة هذا الوضع وتزامن ذلك مع استثمارات حكومية من خلال المؤسسات التي تملكها الحكومة.

وثبت نجاح السياسة الاقتصادية التي تبنتها سنغافورة وسجلت نمواً متوسطاً 80% سنوياً منذ 1960 حتى 1999، وبعد ذلك العام انطلق الاقتصاد بسرعة أكبر بعد تعافيه من الأزمة الاقتصادية الآسيوية لعام 1998، وسجل معدل نمو بنسبة 4. 5%، ثم بنسبة 9. 9% في عام 2000.

غير أن البطء الاقتصادي في أميركا واليابان والاتحاد الأوروبي، والهبوط في سوق الإلكترونيات العالمي، قلّل من معدلات النمو الاقتصادي المتوقعة لعام 2001 إلى 2% بالسالب. ثم سجل الاقتصاد نمواً إيجابياً بنسبة 1. 2% في العام التالي له وبنسبة 1. 1% عام 2003 عندما تأثرت البلاد بوباء سارس، ثم حدث تحول رئيسي في عام 2004 أدى إلى انتعاش كبير في سنغافورة رغم أن معدل النمو الحقيقي انخفض عن المستهدف لذاك العام ليصل إلى 5. 2%.

الاستثمارات الأجنبية

أدى عدم وجود فساد في حكومة سنغافورة وسياسات الاقتصاد الحر التي تتبناها وقوة العمل الماهرة والبنية التحتية الكفؤة المتقدمة إلى جذب استثمارات أجنبية من أكثر من 3 آلاف مؤسسة متعددة الجنسيات من أميركا واليابان وأوروبا. وتشارك هذه الشركات في غالبية القطاعات الاقتصادية في سنغافورة، وتمثل ثلثي ناتج الصناعات التحويلية وعائدات الصادرات المباشرة رغم أن بعض قطاعات الخدمات لا تزال تحت سيطرة شركات حكومية.

والصناعة التحويلية والقطاع المالي هما محركا الاقتصاد في سنغافورة ويمثلان 26% و22% على الترتيب من الاقتصاد المحلي حسب أرقام إجمالي الناتج المحلي في عام 2000. وتقود الإلكترونيات في قطاع الصناعة التحويلية في سنغافورة، وتمثل 48% من إجمالي الناتج الصناعي في البلاد، لكن الحكومة تركز أيضاً على تطوير الصناعات الكيماوية والحيوية.

وتسعى الحكومة إلى تطبيق أنشطة عالية القيمة المضافة في الصناعات التحويلية والخدمات من أجل الإبقاء على قدرتها التنافسية رغم ارتفاع الأجور، كما أن سنغافورة تفتح قطاع الخدمات المالية والاتصالات وتوليد الطاقة وتجارة التجزئة أمام الشركات الأجنبية ويؤدي ذلك إلى زيادة التنافس. كما اتبعت الحكومة تدابير وإجراءات لخفض التكلفة منها خفض الأجور والإيجار بهدف خفض تكلفة الأعمال في البلاد.

التجارة والاستثمار

بلغ الحجم الإجمالي لتجارة سنغافورة في عام 2000 نحو 273 مليار دولار، بارتفاع 21% مقارنة بعام 1999. وبرغم حجم سنغافورة الصغير، فإنها تحتل المركز العاشر عالمياً بين شركاء أميركا في التجارة، وبلغت واردات سنغافورة 135 مليار دولار في عام 2000، فيما بلغت صادراتها الإجمالية 138 مليار دولار،

وكانت ماليزيا هي سوق الاستيراد الرئيسية لسنغافورة، وأكبر أسواق صادراتها أيضاً، حيث تستورد 18% من صادرات سنغافورة وتتفوق في ذلك على أميركا.

وشكلت إعادة الصادرات 43% من إجمالي مبيعات سنغافورة إلى الدول الأخرى في عام 2000. وأهم الصادرات السنغافورية هي منتجات البترول والأغذية والمشروبات والكيماويات والمنسوجات والملابس والمكونات الإلكترونية ومعدات الاتصال والمواصلات.

وأهم الواردات إلى سنغافورة هي الطائرات والبترول الخام ومنتجات البترول والمكونات الإلكترونية وأجزاء الراديو والتلفزيون والسيارات والكيماويات والأغذية والمشروبات والحديد والصلب والغزل. ولا تزال سنغافورة تجذب استثمارات أجنبية على نطاق واسع برغم ارتفاع التكلفة نسبياً للتصنيع هناك. وتتصدر أميركا الدول التي تستثمر في سنغافورة،

حيث تمثل 40% من الالتزامات الاستثمارية في القطاع الصناعي حسب أرقام عام 2000. وبلغت استثمارات الشركات الأميركية في قطاعي الخدمات والصناعة التحويلية في سنغافورة 20 مليار دولار في عام 1999، وتركزت الاستثمارات الأميركية في تصنيع الإلكترونيات وتكرير البترول وتخزينه والصناعات الكيماوية. وتعمل أكثر من 1500 شركة أميركية في سنغافورة.

وشجعت الحكومة أيضاً الشركات على الاستثمار خارج سنغافورة، حيث بلغت الاستثمارات من شركات سنغافورة في الخارج نحو 39 مليار دولار حتى نهاية عام 1998، وأكبر مكان للاستثمارات من الشركات السنغافورية هو الصين التي تستقبل 14% من هذه الاستثمارات، وتليها ماليزيا بنسبة 10%، ثم هونغ كونغ (8%)، وإندونيسيا (8%)، وأميركا (4%). ومع توسع ونمو الاقتصاد الهندي دخلت في نادي جذب الاستثمارات من سنغافورة، خاصة في قطاع التقنية المتقدمة. ولا تقدم الولايات المتحدة أي مساعدات إلى سنغافورة.

عمالة منظمة

بلغت قوة العمل في سنغافورة 2. 2 مليون عامل في عام 2000، ويغطي المؤتمر الوطني للنقابات العمالية في سنغافورة، وهو الاتحاد القانوني الوحيد لنقابات العمال في البلاد نحو 99% من العمالة المنظمة. وتشمل التشريعات العمالية قوة العمل والنقابات العمالية بصفة عامة. وتفض محكمة التحكيم الصناعي النزاعات بين العمال والإدارات إذا لم تستطع وزارة العمل حل هذه النزاعات.

وشددت حكومة سنغافورة على أهمية التعاون بين النقابات والإدارات والحكومة والحل السريع للنزاعات العمالية. ولم يحدث في سنغافورة إلا إضراب عمالي واحد خلال الـ 15 عاماً الماضية. ولا يوجد معدل بطالة في سنغافورة تقريباً لفترات طويلة من الزمن. لكن معدل البطالة ارتفع إلى 4% بحلول نهاية 2001 بسبب الركود الاقتصادي، مقابل 4. 2% في مطلع العام نفسه،

وبلغ المعدل 4. 3% خلال الربع الثالث من عام 2004. وحاولت الحكومة والمؤتمر الوطني لنقابات العمال تنفيذ بضعة برامج لزيادة الإنتاج وتعزيز قوة العمل بمزيد من السيدات وكبار السن نسبياً، لكن لا يزال هناك نقص في العمالة في قطاع الخدمات، وكذلك في التخصصات المهمة في قطاع البناء والصناعات الإلكترونية، ويساهم العمال الأجانب في تعويض هذا النقص. وبلغ عدد العمال الأجانب 600 ألف في سنغافورة في عام 2000، يمثلون 27% من إجمالي قوة العمل.

واحة الأمان

تعتبر سنغافورة واحة الأمان في آسيا، وإذا سار شخص في شوارعها سواء كان عمره 80 سنة أو 15 سنة، فلن يواجه مشكلة أمان هناك، حتى الأطفال الذين يستخدمون زلاجات بعجل على الطرقات لن ينظروا إليه نظرة ثانية بعد مقابلته. وقد ساهم ذلك، إلى جانب الصورة المعروفة عن نظافة سنغافورة وأناقتها وعدم وجود فساد والوضوح الشفافية في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية.

وتوفر البيئة الاقتصادية في سنغافورة مركز جذب للمستثمرين، إلى جانب ما يجري من هجمات إرهابية وعدم استقرار في أماكن أخرى مجاورة لها. وبرغم أن مساحة سنغافورة لا تتجاوز 648 كيلومتراً مربعاً وافتقارها إلى الموارد الطبيعية واقتصادها الصغير،

فقد نجحت في أن تكون من أكبر المراكز والقوى التجارية في العالم، وتعتبر أفضل أماكن الأعمال التجارية والاستثمار في آسيا ومن أكثر الاقتصادات نشاطاً في العالم. ووضعت منظمة التجارة العالمية سنغافورة في عام 1999 في المركز الـ 16 عالمياً بين أكبر القوى التجارية من حيث حجم الخدمات والتجارة، وزاد حجم تجارة سنغافورة سبعة أضعاف في الفترة من 1997 حتى 2000.

وجميع السياسات والمعلومات والإجراءات التجارية التي تطبق في سنغافورة متاحة بوضوح على شبكة الإنترنت ومنها ما يخص الهيئات الحكومية مثل هيئة نقد سنغافورة ومجلس التنمية الاقتصادية، الذي يقول إن سنغافورة وقعت اتفاقيات لضمان التجارة مع 31 دولة ومنطقة حتى الآن، ومن المتوقع أن توقع اتفاقيات مماثلة مع 10 دول ومناطق أخرى.

ويقول مجلس التنمية الاقتصادية إن اتفاقيات ضمان التجارة تحمي الاستثمارات التي تقوم بها شركات داخل البلاد أو خارجها إذا كانت الشركات تتخذ من سنغافورة مقراً لها، ضد المخاطر غير التجارية. وتسمح هذه الحماية بمعاملة عادلة عالية المستوى لاستثمارات الشركات السنغافورية وتحويل العائدات والأرباح إلى الوطن، كما توفر آلية لحل المنازعات وتوفير التعويضات في حالات المصادرة أو الترحيل من دول أخرى.

ومن الأسباب الأخرى التي تجعل من سنغافورة مركزاً مالياً وتجارياً في آسيا، اتفاقيات التجارة الحرة التي تسهل التجارة بين شركات سنغافورة ونظيراتها في العالم.

وكانت سنغافورة أول بلد آسيوي يوقع اتفاقية تجارة حرة مع أميركا، التي تحتل المركز الأول في الاستثمارات الأجنبية في سنغافورة وأكبر شريك تجاري لها.

وفي الوقت الذي تحمي فيه اتفاقيات ضمانات التجارة شركات سنغافورة التي لها نشاطات في الخارج، فإن اتفاقيات التجارة الحرة تزيل الحواجز التجارية والاستثمارية، وبالتالي تؤدي إلى تدفق السلع والخدمات والبشر. كما وقعت سنغافورة اتفاقيات تجارة حرة مع استراليا واليابان ونيوزيلندا والدول الأعضاء في الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة وغيرها.

وتتمتع الشركات متعددة الجنسية بمرونة أكبر في نقل رأس المال والموارد الإنتاجية والعمالة في سنغافورة ومزايا أخرى بتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة. ولا تحتاج الدول الأجنبية إلى جهد لإقناعها باختيار سنغافورة إذا قررت شركاتها إقامة فروع لها هناك مقارنة بكل أنحاء آسيا. واللغة الانجليزية هي لغة التعليم في سنغافورة ومع الإنفاق الكبير الذي تنفقه الحكومة على التعليم يمكن لأي أجانب إرسال أولادهم للمدارس هناك بسهولة.

انخفاض معدل الجريمة

تعمل الحكومة السنغافورية على خفض معدلات الجريمة إلى أقصى حد ممكن، رغم أن انخفاض المعدل لا يعني انعدام الجريمة بالمرة. ومن المثير للسخرية والدهشة أن هناك حظراً على مضغ العلكة في سنغافورة، إلا أن هناك كثيراً من الشباب يفضلون هذه العادة. وهدف الحكومة من ذلك هو الحفاظ على نظافة البلاد. ورغم أن حظر العلكة لم يخفض عدد الذين يمضغونها، فقد نجح في الحفاظ على نظافة البلاد، ومن الصعب أن يجد أي شخص بقايا علكة على الأرض أو في أي بناية في سنغافورة.

وقد تسببت النظافة والأمان وانخفاض معدلات الجريمة في جذب استثمارات من إندونيسيا، في الوقت الذي سادت فيه أعمال الشغب العرقي في إندونيسيا وكذلك جذب استثمارات من تايوان، يخشى أصحابها التوجه إلى هونغ كونغ بعد تسليمها إلى الصين في عام 1997.

وتجذب سنغافورة أيضاً أفضل العقول وأمهر العمالة من قوة العمل الآسيوية لأنها توفر منحاً دراسية من خلال رابطة دول جنوب شرق آسيا، وبفضل سفيرها في آسيا، خطوط سنغافورة الجوية. ويعني ذلك أن الشركات التي تقيم مشروعات في سنغافورة تستطيع أن تعثر على أفضل عناصر العمالة الماهرة رغم أن غالبية هذه العمالة تتجه إلى الهيئات الحكومية. المشكلة في ذلك أن الحكومة تفضل توظيف أفضل العناصر من الخريجين في الوظائف الحكومية كوسيلة للقضاء على الفساد.

والمسؤولون في الحكومة في سنغافورة يتقاضون أعلى الرواتب في العالم، وإذا خرق أحد الخريجين شروط المنحة الدراسية بعد انتهاء التعليم على نفقة الحكومة السنغافورية، قد يجد اسمه على اللائحة السوداء التي تنشرها الصحف.

والمفتاح الرئيسي في سنغافورة هو الكفاءة. وإذا نزلت من القطار في محطة ردهيل على خط المترو تجد المساكن الحكومية من غرفة أو غرفتين المخصصة لكبار السن على مقربة من خط المترو.

ويقول البعض إن الأحياء السكنية يجب أن تكون أكثر تكاملاً على الأقل حتى لا تبدو أنها قادمة من الأحياء القديمة هناك، والمساكن المخصصة لكبار السن تحتوي على أزرار عندما يضغطها الساكن يأتيه العون الطبي مباشرة من أقرب مستشفى دون الحاجة إلى أي اتصالات هاتفية، مما يقلل من زمن وصول العون الطبي خلال الطوارئ.

ومع ارتفاع أعداد المسنين المحتاجين (الفقراء) الذين يسكنون المنطقة نفسها، يصبح من السهل توظيف شباب الخريجين أو العاملين في الحقل الاجتماعي لتوصيل الأغذية والمؤن إلى هؤلاء السكان. والحفاظ على مستوى المعيشة المرتفع وفرق العمل الاجتماعي يصبح الأمر أكثر اقتصادية من حيث الزمن والموارد، حيث إن القواعد واللوائح الصارمة تؤدي في النهاية إلى اقتصاد أفضل للأمة التي لا تتمتع بموارد طبيعية وتعتمد بشكل كبير على مناخ الأعمال والتجارة الملائم لتحقيق نجاحها.

واعتماد سنغافورة على صورة واحة الأمان يؤدي دوراً مهماً في إثبات أن الأمر لا يعتمد على الأوراق التي في يدك، بل كيف تستغل هذه الأوراق في اللعبة، عندما تتحدث عن الاستقرار الاقتصادي.