باتت الإمكانات العربية في تفعيل دورها الاقتصادي داخل الساحات الدولية جائزة وممكنة رغم حالة التلقي التي تعيشها عواصمنا وضآلة ما تصدره من صناعات وخدمات إلى (الغير) ويكمن إظهار تلك الإمكانات في أخذ القرار المناسب حيال حتمية ربط الأجسام الاقتصادية المتنوعة ببعضها بغية خلق الاحتكاك الفكري بينها لتتبوأ فلسفة عربية أو إقليمية جديدة داخل مربع رأي الاستثمار الدولي أمام حشد هذا العالم
وهنا أشير إلى ضرورة وضع ميزانية عامة تشمل القطاعين العام والخاص لكل بلد وتقويم كل الأصول المتوافرة في الداخل لخلق توأمة ناجحة توحد بين الشركات والهيئات الحكومية تعكس بدورها مدى قوة الاقتصادات الوطنية حتى يتسنى مقارنتها بالمعايير الدولية لمعرفة مدى صلاحية ما تقدم وما ستقدم مستقبلاً في الجانب الإنمائي.
ثمة أمور كثيرة يجب علينا التسليم بها والاعتراف بكونها الطريق الأوحد والوحيد نحو النهوض من حالة الكسل الاقتصادي الذي نخر معظم كيانات الدول النامية إلى الانتعاش المرجو الذي تتطلع إليه الشعوب الفقيرة والتي تتمثل بمعالجة البطالة والفقر وإحياء المساقات التعليمية بطريقة تنسجم مع سلوكيات العصر ليصار إلى إدخال المجتمعات في روح التقنيات والمعلوماتية لكبح حالة الانعزال التي تضفي بظلالها على تلك الشرائح منذ عقود.
قبيل السنتين ذهبت إلى القاهرة والتقيت عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية في حديث تناولنا فيه سويا نفس المسألة أو القضية حينها رأيت الرجل رغم انشغاله في الملفات السياسية وتداعياتها لديه الكثير والعديد من المشروعات التي تثري هذا المفهوم..
مفهوم الوحدة الاقتصادية وقد وضعت دوائر الأمانة العامة هذا المفهوم نصب أعينها ضمن رؤية مدروسة تعتمد على التواصل الفاعل بين العرب في اتجاه النماء والتطوير وتسطير نافذة اقتصادية واحدة يستفيد من خلالها جميع الأعضاء (هذا الكلام ليس مجرد كلام) إنما يحتل بدوره مساحة كبيرة داخل أروقة خطط الجامعة يستطيع أي مهتم في هذا الشأن الاطلاع على ما تضمنته تلك المشروعات والدراسات من موضوعات تسلط الضوء على حزمة حلول من شأنها معالجة العديد من المشكلات التي تعترض المجتمعات الفقيرة والنهوض بها إلى المستوى المراد تحقيقه.
ومجدداً تحدثت مع سلطان بن سليم مدير عام سلطة موانئ وجمارك دبي في حوار مفتوح كنت قد نشرته في عدد سابق من (المشهد) استخدم حينها بن سليم مفهوما ابعد من ذلك إزاء ما يتوجب عمله في الشأن الاقتصادي حينما أطلق مصطلحه الشهير على المنطقة ب(الإقليم الواحد) وغض النظر في حديثه عن المشارب والأصول (وأنا أؤيده واتفق معه 100 %)
وقال إن ما علينا عمله أولاً هو إتمام حالة التناغم بين شعوب المنطقة لنصل إلى التعايش السلمي والآمن وذلك لصوغ امكاناتنا بطريقة حديثة حتى نتمكن من جني الثمار التي نسعى إليها ضمن أطر علمية وعصرية وكان الشكل الذي أفاد به بن سليم يعالج معادلة التبادلية الخبراتية والثقافية فيما بين الدول ووجوب قبول الغير دونما أية حساسيات بغية تحقيق الاستفادة البينية بين عواصم المنطقة واستغلال جميع الانجازات لصالح جميع دول الإقليم تحت مظلة واحدة وإدارة واحدة تلامس خيراتها كل شرائح المجتمعات القريبة والبعيدة على حد سواء
لتضم هذه البقعة الجغرافية كل أشكال ومقومات البيئة المتكاملة للحياة العصرية التي تحتوي على الموردين البشري والطبيعي لمختلف أنواعهما مما يكفل ذلك رفع نوعية المستوى الاجتماعي وبالتالي خلق جودة ممتازة في آليات وسلوك سوق العمل بلغة قادرة على التعاطي مع اللسان الجديد. وفي هذا السياق أقول إن هنالك رؤية واضحة لدى بعض المسؤولين إزاء مفهوم (يد واحدة لم ولن تصفق) وهنا أود أن أشير أو أكمل حديث بن سليم حينما قال انه مهما قمنا بانجازات فنحن لا نقوى بمفردنا
إلا ان استطعنا الاستناد إلى المنطقة بمجملها تحت رؤية الإقليم المتصل الذي لديه صادراته المستدامة وبنيانه المتين حيث إن هذه الحالة إذا ما توافرت ستمنحنا مقومات مثلى للعمل الاستثماري الناجح ويفتح لنا قراءة مستقبلية ترتكز على ثوابت واضحة تكبح بدورها أي معضلة اقتصادية قد تواجه أي دولة مستقبلاً.
إذاً الأمر جلي وواضح وكما يقول المثل (أعط الخبز لخبازه حتى ولو أكل نصفه) هنالك حكومات تمكنت من إدارة أوطانها بطرق إبداعية أوصلتها حيث الانجازات العظيمة مما أدى بها إلى انتعاش كبير في الحياة الاجتماعية ولديها فائض خبراتي وثرواتي تستطيع إفادة الغير إذا ما طلب منها ذلك
فيما يتواجد في بلدان أخرى قطاع خاص يحظى باهتمام كبير على المستويين الإقليمي والدولي بيد انه يعاني من ضعف محلي في التشريعات والقوانين الاقتصادية ولتمكين المناخ الضعيف وتقويته يتوجب على من له خبرة واسعة ونجاحات فاعلة في إدارة الشؤون الاستثمارية مسك الدفة وقيادتها بمنطق المصلحة العامة وذلك (لصب الزائد منه إلى الناقص الذي هناك)
حتى يتسنى سد العجز القانوني الذي تعاني منه بعض الهيئات في بعض بلدان المنطقة منطلقا بدوره من الثروات الهائلة المتوافرة داخل هذه البقعة والتي تؤهل بلدانها بأن تحتل مكانة مرموقة في الاقتصاد الدولي إذا ما نسجت امكاناتها ومواردها بطرق صحيحة.
ان العمل التبادلي فيما بين الدول وإفراز شراكات استراتيجية بين القطاعات والهيئات الاقتصادية المختلفة من كل إرجاء المنطقة إنما يمثل أساسيات لوضع اللبنة الأولى للمشروع الحالم الذي يترجم معطيات وحدة النافذة الاقتصادية ضمن مفهوم الإقليم الواحد وما علينا إلا وضع هذه الأفكار على الطاولة ومناقشتها بشفافية لبناء دستور غني المضمون يلبي حاجيات الرساميل ويعمل على تخصيب المجتمعات بلقاح العصرنة والحداثة.