تتفاقم أزمة المياه في دول العالم العربي يوماً بعد الآخر، وحذرت تقارير المنظمات الدولية من خطورة تداعيات المشكلة على جوانب الأمن الغذائي والصحي مما يؤدي بدوره إلى انعكاسات اقتصادية خطيرة. ووفقاً لما هو متوافر من إحصاءات فإن حجم الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي يبلغ نحو 8. 371 مليار متر مكعب، يستخدم منها 8. 208 مليارات متر مكعب، منها 6. 3% للاستخدام البشري مقابل 7. 3% للاستخدامات الصناعية والباقي للزراعة.
وتتفاوت أنصبة الدول العربية من المياه حيث تحصل دول الشرق العربي على 9. 40% من إجمالي الموارد المائية العربية مقابل 23% لدول المغرب العربي و31% للدول العربية في حوض النيل و6. 4% في الجزيرة العربية.
وتمثل المياه السطحية الجانب الأساسي من الموارد المائية العربية، حيث تهطل على الوطن العربي أمطار تبلغ 2280 مليار متر مكعب سنوياً يستغل منها 350 مليار متر مكعب كمياه سطحية والباقي يفقد في الأرض، إلى جانب ذلك هناك نحو 7700 مليار متر مكعب من المياه الجوفية العربية غير مستغلة. وتمثل تحلية المياه في الوطن العربي 60% من إجمالي تحلية المياه في العالم ولكنها مكلفة ومازال العالم العربي في حاجة إلى المزيد منها.
يعتبر نصيب الفرد العربي من المياه أدنى من نصيب الفرد في العالم حيث تراجع من 3300 متر مكعب سنوياً عام 1960 إلى 1250 متراً مكعباً عام 2000، ومن المتوقع أن يصل إلى 650 متراً مكعباً عام 2025، وهذا بسبب تزايد عدد السكان العرب الذي تجاوز 250 مليون نسمة. وتتزايد أهمية المياه في العالم العربي بشكل كبير، خصوصاً إذا علمنا أن مساحة الأرض العربية الصالحة للزراعة تبلغ حوالي 200 مليون هكتار لا يزرع منها سوى 47 مليون هكتار فقط، ويرجع السبب الرئيسي في هذا إلى نقص المياه.
وتختلف أبعاد أزمة المياه في الوطن العربي من منطقة إلى أخرى، ففي منطقة المغرب العربي تعتبر المشكلة ذات بعد فني، وذلك لأن الدول في هذه المنطقة لا تستخدم إلا ما يتراوح بين 11% إلى 53% من مواردها المائية التقليدية المتجددة، وذلك لأن استغلالها يكلفها الكثير لأن أغلبها مياه أمطار ومياه جوفية.
وفي دول مجلس التعاون الخليجي واليمن تعتبر الآبار الجوفية وتحلية مياه البحر المصدر الرئيسي للمياه، ويستهلك القطاع الزراعي 85% من المياه، ويصل النقص إلى حوالي مليار متر مكعب، ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على المياه في هذه الدول إلى 47 مليار متر مكعب بحلول عام 2015، ولكن سيكون المتوفر في ذلك الوقت 5. 21 مليار متر مكعب، وهو ما يعني تفاقم عجز المياه في هذه الدول مستقبلاً.
وللأزمة أبعاد أخرى في سوريا والأردن ولبنان وفلسطين والعراق، منها ما هو فني ناجم عن الطبيعة المناخية القاحلة في بعض هذه الدول، ومنها ما هو سياسي مرتبط بسياسة تركيا بشأن نهري دجلة والفرات وبإسرائيل التي تسعى للسيطرة على المياه العربية في المناطق المحيطة بها.
ورغم عدم الاتفاق التام بين الخبراء والمتخصصين والمسؤولين حول التحديات التي تواجه الأمن المائي العربي، إلا أن هناك درجة كبيرة من الاتفاق حول عدد من التحديات والتي يمكن إجمالها في محدودية الموارد المائية العربية المتجددة وتراجع نصيب الفرد العربي من المياه بدرجة كبيرة. إضافة إلى المياه المشتركة مع الدول الأخرى غير العربية
حيث إن أكثر من 60% من الموارد المائية العربية يأتي من خارج الوطن العربي، وتدني إنتاجية وحدة المياه في الوطن العربي بسبب عدم كفاءة استخدام المياه العربية. وتدهور نوعية المياه بسبب التلوث الناجم عن الاستخدام الآدمي أو النشاط الصناعي والزراعي. وقصور الموارد المالية العربية المخصصة لتطوير حجم واستخدام الموارد المائية العربية. وقلة الوعي العربي العام بخطورة أزمة المياه وما تتطلبه من الحفاظ عليها وحسن استغلالها وتنميتها.
ويرى الخبراء أن جزءاً من حل مشكلة المياه في العالم العربي يكمن في وضع هدف استراتيجي عربي يتمثل في تحقيق تكامل بين الدول العربية في مواجهة القضايا المتعلقة بالأمن المائي، وتبني دعوة الجامعة العربية لعقد قمة مائية عربية. وتشكيل لجنة فنية تقوم بالوساطة بين الدول المختلفة لحل الخلافات حول اقتسام المياه المشتركة بينها. إضافة إلى مراجعة الدراسات والبحوث العربية السابقة في مجال الأمن المائي، والربط بينها وبين مشاريع البحوث المقترحة،
وربط هذه البحوث بالمجال التطبيقي. ووضع قضايا المياه على قمة قائمة اهتمامات الحكومات والشعوب العربية وزيادة الوعي المائي العربي. والعمل على وضع صيغ قانونية تؤكد الحق العربي في المياه التي تأتي من خارج الوطن العربي. والتركيز على زيادة الاستفادة من المياه العربية الحالية، وتقليل الفاقد منها، وزيادة إنتاجية وحدة المياه.
مشكلة تاريخية
وفقاً لما ورد في كتاب «الماء في الوطن العربي» لمؤلفه الفرنسي جوورجي ميتان فإنه ومنذ بداية القرن العشرين، ظلت مسألة الماء في منطقة الشرق الأوسط تعني احتمال اندلاع حرب جديدة، ليس على أساس قطري، بل على مستوى دولي، على اعتبار أن الكثير من التقارير ومن التحليلات المختصة تؤكد أن الماء في المنطقة في حالة انحسار حقيقية وأن الحرب القادمة لن تكون حرباً على الحدود ولا على الذهب الأسود، بل ببساطة حرباً على الماء.
وقال الكتاب إنه وبعد يوم واحد من وعد بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917، قال رئيس المنظمة الدولية الصهيونية (حاييم ويزمان) في رسالة خطية وجهها إلى الوزير البريطاني، طلب منه فيها أن يمنح لليهود الحق في تحريك الحدود الشمالية الفلسطينية بحيث يتسنى لهم أن يسيطروا من خلال ذلك على الموارد الطبيعية المتمثلة في الماء أولاً. ويقع الوطن العربي في المنطقة الجافة وشبه الجافة،
وتخترقه من الغرب إلى الشمال صحارى واسعة جداً يكاد ينعدم المطر فيها، أما المناطق الساحلية والجبلية القريبة منها فإنها تتعرض لتيارات هوائية بحرية ومنخفضات جوية تسبب هطول الأمطار في فصول ومواسم محددة، ففي البلدان العربية المتشاطئة مع البحر الأبيض المتوسط تسقط الأمطار عادة في فصل الشتاء، وأما البلدان الواقعة على بحر العرب وفي بعض مناطق الجزيرة العربية وجنوب السودان فإنها تتعرض لتأثير الرياح الموسمية الصيفية الحاملة للأمطار.
وتتراوح المعدلات السنوية لهطول الأمطار في الوطن العربي بين (250 الى 400 ملم)، وتتجاوز الألف ملم في بعض مناطق جبال لبنان والساحل السوري ومرتفعات اليمن وجنوب السودان، ويسقط على الوطن العربي ما بين 2100 و2300 مليار م3 سنوياً.
ويفتقر الوطن العربي إلى الأنهار الداخلية الكبيرة، وأهم أنهاره هي النيل في السودان ومصر والفرات ودجلة في سوريا والعراق، وهي أنهار دولية تستمد القسم الأكبر من مياهها من خارج المنطقة العربية. وينبع نهر النيل من أواسط أفريقيا وتقع في حوضه عشر دول منها ثمان في منطقة المنابع من الحوض في حين تتقاسم مصر والسودان مجرى النهر، وتعاني جميع دول حوض النيل عدا مصر من مشكلات داخلية متفاقمة وتخلف اقتصادي.
وتتقاسم تركيا وسوريا والعراق حوضي دجلة والفرات وتتحكم تركيا بحكم موقعها بجريان المياه في النهرين، وترفض تركيا إخضاعها للقانون الدولي والتوصل إلى اتفاق مع سوريا والعراق لاقتسام مياههما.
وتقدر الموارد المائية العربية المتجددة بحوالي 350 مليار م3 سنوياً، يؤمن نهر النيل منها 84 مليار م3، ونهر الفرات 30 مليار م3، بينما يؤمن نهر دجلة منها 40 مليار م3 منها.
ويحتوي الوطن العربي على كميات مهمة من المياه الجوفية تتوزعها ثلاثة أحواض كبيرة، هي الحوض الشرقي جنوب جبال أطلس في الجزائر، وتقدر كمية المياه المخزنة في هذا الحوض بنحو 1400 مليار م3، وحوض النوبة بين مصر وليبيا والسودان وتقدر كميات المياه المخزنة في هذا الحوض بنحو 7000 مليار م3 ويمد هذا الحوض الواحات الصحراوية بالمياه مثل واحدة الخارجة والداخلة والفرافرة في مصر،
ويمد أيضاً النهر العظيم في ليبيا الذي ينقل المياه الجوفية من الحوض إلى ليبيا ويقدر الماء المتدفق من خلاله بسبعمئة مليون م3 سنوياً، وحوض (الديس) بين الأردن والمملكة العربية السعودية، وتوجد أحواض مياه أخرى أقل أهمية تتيح كميات من المياه بحدود 3. 15 مليار م3 يستغل معظمها.
ويوجد مصدر آخر للمياه هو مياه البحار غير المحدودة، وتجري تحلية مياه البحار في دول الخليج على نطاق واسع، ويمكن أيضاً اعتبار معالجة مياه الصرف الزراعي والصحي مصدراً مهماً للمياه.
وترفض تركيا اعتبار نهري دجلة والفرات نهرين دوليين وتعتبرهما نهرين تركيين، وقد اقترحت في عهد تورغوت أوزال عام 1987 إقامة مشروعين لجر مياه الشرب من تركيا إلى منطقة سوريا والأردن والخليج العربي بمعدل 6 ملايين م3 يومياً بتكلفة بلغت 21 مليار دولار. وتقيم تركيا مشروعات كبيرة في جنوب شرق الأناضول سوف تقلص في حال اكتمالها حصة العراق وسوريا من نهر الفرات من 30 مليار م3 سنوياً إلى 11 مليار م3.
أما نهر الأردن الذي ينبغ في سوريا ولبنان ويجري في فلسطين فيبلغ إيراده السنوي 3. 1 مليار م3 سنوياً وهو أكثر أنهار المنطقة إثارة للجدل والنزاع، وقد أدت مشروعات لبنان لجر مياه نهر الوزاني إلى القرى اللبنانية إلى أزمة وتدخل أميركي بالرغم من أن لبنان يحاول استغلال جزء من حصته المقررة له في النهر.
وتشدد إسرائيل في مطالبها المائية تجاه الدول العربية المجاورة وتتطلع إلى لعب دور إقليمي على صعيد الشرق الأوسط بما فيه إيران وتركيا لضمان أمنها المائي بل إنها تتطلع إلى دول حوض النيل للغرض ذاته. ويعاني الأردن من عجز مائي كبير يصل إلى 20% من إجمالي احتياجاته المائية.
وقامت سوريا بتطوير مشاريع مائية على نهر اليرموك أهم روافد نهر الأردن، ويتدفق فيه 400 مليون م3 سنوياً.
أزمة القرن
تراجع نصيب الفرد العربي من المياه كثيراً خلال العقود الخمسة الماضية فبعد أن كان يبلغ نحو 3430 متراً مكعباً في عام 1960، أصبح حالياً أقل من 1430 متراً مكعباً ويتوقع أن يصل إلى 667 متراً مكعباً في عام 2025.
ولجأت الكثير من الدول العربية إلى آلية تحلية مياه البحار، لكن هذه الآلية تتطلب تكلفة عالية للغاية. وقدرت مصادر مختصة تكلفة تحلية المتر المكعب في دولة الإمارات بنحو 6. 1 دولار أميركي. وظلت قضية المياه من أكبر القضايا المصيرية المختفية أو المكبوتة سياسياً ليس على المستوى العربي فحسب،
بل وعلى المستوى الدولي أيضاً، اعتبرت أزمة الماء من الأزمات الأخطر في القرن الحالي، لأنها تعكس بؤرة الصراع القادم والمحتمل، وبالتالي تعكس تلك المخاطر الحقيقية التي تواجه العرب، البلاد والمواطن العربيين.. وهو ما تؤكده الدراسة الاستراتيجية الأميركية لعام 2002 والتي تقول: «إن المياه في الشرق الأوسط قضية اقتصادية وسياسية واجتماعية، وتمتد لأن تصبح مصدراً محتملاً لتأجج الصراع».
وبالنظر للواقع الديمغرافي في الوطن العربي الذي يقدر سكان المنطقة بنحو 284 مليون نسمة ومن المتوقع أن يزدادوا بحلول عام 2025 إلى 472 مليون نسمة فإن المتوقع أن يزداد الطلب على المياه بنسبة 65% إلى 70% وأكثر.
لكن الخبراء يقولون إنه إذا ما أقيمت سياسة مياه ناجعة تشمل التوعية الشعبية والثقافية والفكرية والسياسية، فيمكن زيادة حجم المياه بمقدار 32 مليار متر مكعب وذلك بتوفير 12% في مجال الاستخدامات المنزلية و50% من استخدامات الري والزراعة و3% من استخدامات الصناعة ونحو 37% من تدوير مياه الصرف الصحي.
وتقدر الاستثمارات اللازمة لهذا الجانب بنحو 18 مليار يورو بتكلفة تقديرية للفرد 150 يورو للتر مياه الشرب، و50 يورو للتر الصرف الصحي، كما يقدر حجم الاستثمارات اللازمة للتوسع الزراعي في عام 2015 بنحو 14 مليار يورو وذلك في مساحة 7 ملايين فدان على مستوى العالم العربي.
زيادة الرقعة المروية
تواجه الكثير من الدول العربية معضلة تأمين الأمن الغذائي العربي وبالتالي اعتماد استراتيجية تقضي بزيادة الأراضي المروية لزيادة الإنتاج الزراعي وزيادة الاعتماد على الري أي على مزيد من المياه في القطاع الزراعي. وهذا القطاع يستأثر بما بين 70% إلى 90% من الحجم الكلي للمياه المستثمرة. غير أن هذه الاستراتيجية لم تحقق أهدافها سواء من حيث فعالية استهلاك المياه للزراعة أم من حيث نتائجها،
فالعالم العربي يدفع كل سنة حوالي 20 مليار دولار لتحقيق الاكتفاء الغذائي في السلع الأساسية. وتشكل زيادة الفجوة الغذائية ضغطاً على الدخل القومي وتؤدي بالتالي إلى زيادة المديونية العامة وتعثر خطط الإسكان وتراجع عملية التنمية. وهذه تؤدي بدورها إلى هجرة كثيفة إلى المدن وإلى نقص في فرص العمل وبالتالي إلى اضطرابات سياسية. يضاف إليها ان الزراعة لا تحظى بقدر كاف من موازنات الدول العربية والمصارف العربية رغم اعتماد الأولوية لها في الصرف المائي.
وتبرز مشكلة أخرى تتمثل في هدر للمياه في قطاع الاستعمال المنزلي والصناعة. ولكن الهدر الأكبر الذي يصل إلى نحو 50% هو في القطاع الزراعي، حيث المعدل العام لري الهكتار هو 7500 م3. لكن مردود الري يختلف بين طريقة وأخرى، فمردود الري السطحي بالغمر هو 45% فقط. والري بالرش 75%. والري بالتنقيط 85%. والعرب يعتمدون الطريقة الأولى ما يؤدي إلى هدر نصف كمية المياه المستعملة. ويستعمل العرب نحو 140 مليار م3 من المياه السطحية.
ويعاني العالم العربي أيضاً من مشكلة تلوث المياه خصوصاً المياه العذبة بسبب مياه الصرف الصحي غير المعالجة بنسبة 90% وتأثيرها على الخزانات الجوفية، والمخلفات الصناعية من نفايات سائلة وصلبة التي يجري طرحها في الأنهار ومجاري السيول ثم الأنشطة الزراعية من أسمدة ومبيدات مستوردة، إضافة إلى الإدارة السيئة لمشاريع الري التي لا تأخذ في الحسبان مستلزمات البيئة.
الثروة المائية العالمية بالأرقام
تشكل المياه الثروة الأكثر غزارة على سطح الكرة الأرضية، فهي تغطي ما يقارب 71% من مساحة الأرض بما يصل إلى حجم يبلغ حوالي 1400 مليون مليار متر مكعب. لكن المياه العذبة لا تشكل سوى 2 إلى 5. 2 و3% في حين تشكل المياه المعالجة ما بين 5. 97 إلى 98% منها.
أما المياه العذبة المتجددة المستعملة للشرب والري فهي في حدود 9 آلاف مليار متر مكعب من أصل 41 ألف مليار متر مكعب موزعة بشكل غير متساوٍ والقسم الأكبر منها موجود في المناطق القطبية والأحواض الجوفية العميقة وليس بمقدور الإنسان الوصول إليها أو استعمالها.
وتتقاسم عشر دول (البرازيل وروسيا والصين وكندا وأندونيسيا والولايات المتحدة والهند وكولومبيا وزائير) ما نسبته 65% من مياه العالم المتجددة


