حذرت دراسة اقتصادية صادرة عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب ومقره العاصمة السورية دمشق من تعاظم دور ونفوذ الشركات متعددة الجنسية في العالم العربي وهو الأمر الذي سينعكس سلبيا على العمالة العربية ومستقبل الشركات العربية التي تخوض منافسة غير متكافئة مع هذه الشركات، وقالت ان وجود هذه الشركات يكرس البطالة في الكثير من الدول العربية.

وأكدت الدراسة تطور حجم وعدد الشركات متعددة الجنسية خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين حيث لم يتجاوز عددها أوائل السبعينات بضعة آلاف شركة .

ووصل عددها حاليا إلى ما يقارب 70 ألف شركة حيث تنفق هذه الشركات مبالغ طائلة في أعمال البحث والتطوير العلمي للمنتجات ودراسات التمويل والتسويق وتتوزع أنشطتها في مصانع متعددة منتشرة في عدة أقطار.

وأشارت الدراسة إلى أن الشركات متعددة الجنسية تتميز بمجموعة من السمات أبرزها توسع هيمنتها التي كانت منحصرة على احتكارات النفط والطاقة وصناعة السيارات فامتد نفوذها ليشمل الاحتكارات المرتبطة بالإنتاج العلمي الكثيف والتكنولوجيا وتعدد الأنشطة التي تشتغل فيها دون أدنى رابط فني بين المنتجات المختلفة فعلى سبيل المثال:

»الشركة الدولية للتلغراف والتليفون« تمتلك مثلا فنادق شيراتون وعدداً كبيراً من شركات النشر والإعلام والملاهي بالإضافة إلى التشتت الجغرافي للنشاط حيث تنتشر في عشرات الدول بقصد الحصول على أي ميزة نسبية في أي دولة دون أفضلية لبلد المقر القانوني كما أنها تنتقي مواردها على أساس الكفاءة والأداء بغض النظر عن جنسية أي منهم.

وأضافت الدراسة أن الشركات متعددة الجنسية تتبع مجموعة من السلوكيات للتأثير سلبا في اقتصاديات الدولة النامية ومنها الدول العربية ومنها تقليص سيادة الدولة وإضعافها في القيام بدورها الاجتماعي والاقتصادي وجرها إلى سن قوانين وتشريعات لا تخدم مصالح القاعدة العريضة من المواطنين .

واستعمال طرق ووسائل معادية للقوانين الوطنية والدولية وإفساد المجتمع بالرشاوى والتحايل والغش والخداع وخلق شريحة اجتماعية طفيلية لا تخدم المجتمع ولكنها تخدم مصالح هذه الشركات .

وتستفيد من الدخل المرتفع الذي تقدمه هذه الشركات بخلاف انتهاك الحقوق المكتسبة للعمال والطبقات الاجتماعية الوسطى والعداء للعمل النقابي والمنظمات النقابية واتهامها بأنها تعيق التنمية وتعرقل نشاط هذه الشركات وتعويم أسعار الصرف وإغراق الأسواق بالسلع الاستهلاكية التي يعجز الإنتاج المحلي عن منافستها.

ونوهت الدراسة إلى مساعي الشركات متعددة الجنسية الرامية إلى إزالة القيود والضوابط المفروضة على القطاع المصرفي وإنهاء جميع أنواع التدخل الحكومي في الحياة الاقتصادية والعمل على خصخصة مشروعات الحكومة والقطاع العام والعمل على إضعاف سلطة الدولة بالضغط لمنح رأس المال الأجنبي مختلف التسهيلات والمزايا.

ورصدت الدراسة بعض النتائج المترتبة على مباشرة الشركات متعددة الجنسية لنشاطها سواء كانت نتائج مباشرة مثل التحدي لسياسات الدول بسبب ضخامة حجم الشركات متعددة الجنسية.

وتعدد أوجه نشاطها والانعكاسات السلبية على ميزان المدفوعات والتي تتمثل في التحويلات الرأسمالية اللازمة للاستثمار المباشر يقابلها على الجانب السلبي تحول عائد الاستثمارات القائمة فضلا عما يؤدي إليه نشاط فروع الشركات متعددة الجنسية في زيادة التصدير والاستيراد والاختلال في دخل المواطن والدولة وخلق الاحتياجات الجديدة والتحريض على النمط الاستهلاكي.

حيث تقوم الشركات متعددة الجنسية عن طريق الدعاية والإعلان في خلق حاجيات جديدة غير مناسبة لمجتمع الدولة المضيفة وذلك على نمط ما هو سائد في المجتمعات الغربية المتقدمة بما يضر بعملية التنمية.

وأضافت الدراسة أن الأساليب الملتوية للإضرار باقتصاديات الدول النامية تشمل التوسع في الاعتماد على التكنولوجيا وفقد الكثير من فرص العمل وبالتالي زيادة معدلات البطالة .

حيث تقوم الشركات متعددة الجنسية بإدخال أساليب تكنولوجيا مصممة أصلا للسوق الرأسمالية وهذا يحرم البلدان المضيفة من اختيار التكنولوجيا الملائمة لها بسبب افتقارها لتصنيع أدوات الإنتاج كما أن سياسات الخصخصة .

وإعادة الهيكلة التي عادة ما ترافق دخول هذه الشركات للدولة المضيفة مما يؤدي لتحطيم صناعات قائمة وضياع فرص عمل بقدر أكبر مما هو متاح وتهديد القطاع العام وتحريض القطاع الخاص .

ومنافسة الشركات المحلية عن طريق منح العاملين فيها مستوى عالياً من الأجور يؤدي في النهاية إلى لجوء القطاعات المحلية لتطبيق مثل هذا الإجراء داخلها على الرغم من أن ذلك يتعدى إمكانياتها مما يؤدي لرفع أسعار منتجاتها وإضعاف قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية ويضاف إلى ذلك تغيير التركيبة الاجتماعية للسكان.

كما رصدت الدراسة مجموعة من الآثار السلبية غير المباشرة لنشاط الشركات متعددة الجنسية على اقتصاديات الدول النامية منها الضغط السياسي والاقتصادي وإفراز قوة ضغط حيث تساهم هذه الشركات في خلق مصالح مشتركة بين المديرين وكبار الموظفين العاملين بفروعها في الدول المضيفة وبين استمرار وجود فروع هذه الشركات.

وحيث إن هؤلاء المديرين وكبار الموظفين ومن يرتبط بهم من مجموعات مختارة وضاغطة غالبا يتمتعون بنفوذ قوي في بلادهم فإن من شأن ذلك أن يؤدي لزيادة قدرة الشركات متعددة الجنسية على التأثير على سياسة الدول العاملة بها الداخلية منها والخارجية والتأثير على النظام النقدي بما تمتلكه تلك الشركات من أصول ضخمة مقومة اقتصاديا بعملات مختلفة للدول التي تعمل بها .

ومن شأن ذلك أن يمكن تلك الشركات من التأثير على النظام النقدي العالمي والسياسات النقدية للدول المضيفة بجانب الإخلال بالقوانين السارية على المستوى القطري والدولي بسبب المشاكل القانونية التي تثيرها الشركات متعددة الجنسية .

والتي تتطلب وضع قواعد قانونية جديدة تحكمها وتحدد الجهة القضائية المختصة بالفصل فيها ولعل أهم تلك المشاكل ما تفرضه الدول المضيفة من ضرائب على الشركات متعددة الجنسية العاملة بها واحتمال ازدواجها مع ما يفرض من ضرائب الدولة الأم.

وفي النهاية طالبت الدراسة بوضع استراتيجية عربية واضحة لمجابهة التحدي الذي يمثله خطر الشركات متعددة الجنسية مؤكدة أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال بذل الجهود الواسعة لتحقيق تنمية شاملة .

ومستمرة في كل أقطار الوطن العربي وعلى المستوى القومي كما أنه لا يمكن لهذه التنمية أن تتم إلا بالاعتماد على الموارد الوطنية بصورة رئيسية وتنمية هذه الموارد بصفة مستمرة .

والنظر إلى أي موارد أجنبية كمكمل أو إضافة إلى الموارد التي يجري تعبئتها داخليا بما يتيح للبلد أكبر قدر ممكن من حرية الاختيار واتخاذ القرار ولتحقيق استثمار مباشر يزيد من القدرات الإنتاجية في مجال الإنتاج والخدمات المختلفة بما يتيح توظيفاً فعالاً للعنصر البشري .

حيث يتطلب ذلك تدريب وتأهيل وتعليم واكتساب المهارات التقنية للإنسان العربي وبناء قاعدة وطنية وقومية للعلم لكي تتمكن الأقطار العربية من المشاركة في تحقيق التقدم العلمي.

وأكدت الدراسة أن التضامن العربي هو السبيل الوحيد والممكن لمواجهة خطر هذه الشركات المتمثل في تكريس التبعية وخطر التهميش مع السعي الجاد والمخلص لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي الذي يبدو متعذراً في ظروف التشرذم والانهزام والخلاف ما بين أقطاره والعمل على تبني تنمية مستدامة وشاملة.

ومستقلة على المستوى القطري مع بقاء الهدف التكاملي انطلاقا من الواقع المتاح المتمثل في الموارد المادية والمالية المتوفرة في النجاح في خلق الموارد المالية المحلية وجعل الإنسان هدف التنمية ومنطلقاتها وقاعدتها الأساسية.

وأوضحت الدراسة أن المشاريع العربية المشتركة بين قطرين أو بين بعض الأقطار في جزء من الوطن العربي الكبير يمكن أن تحل محل الشركات متعددة الجنسية في تعويض الحاجة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة .

وتشجيع وتطوير البحث العلمي لخلق قاعدة صناعية متطورة يمكن من خلالها أن تؤهل الجانب العربي وإكسابه القوة والمقدرة على التنافس والتفاوض مع الجهات الأجنبية على قدر من المساواة والندية.

كما يمكن من خلال تطوير البحث العلمي تحقيق التقدم الصناعي للمساعدة على توطين التكنولوجيا الحديثة وتطوير الإنتاج دون اللجوء إلى الاستجداء أحيانا والتبعية غالبا للواردات التكنولوجية من الخارج في أحيان أخرى.

ونوهت الدراسة إلى أن مواجهة الشركات متعددة الجنسية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال منظور مصلحة الأغلبية من السكان وهم في الوطن العربي الفقراء والعمال وذوي الدخل المحدود مشيرة إلى أن التجارب الماضية أثبتت أن حرمان هذه الأغلبية من التعبير عن مطالبها.

وإبعادها عن مراكز اتخاذ القرار أو التأثير في القرار الاقتصادي – السياسي يعد من أهم عوامل فشل عملية التنمية ومؤكدة أن تحرير الفرد والمجتمع وتفعيل المشاركة الشعبية يشكلان ضمانة وشرطاً أساسياً لنجاح التنمية.

كما أن الديمقراطية الحقيقية تشكل ضمانا لعدم ظهور مراكز قوى تستأثر بمنافع عملية التنمية وتؤثر في القرار الاقتصادي لصالحها كقوة فوق المجتمع وليست جزءاً منه وتمثل حائط قوى ضد انتشار الفساد.

وأضافت الدراسة أن مواجهة التحديات الاقتصادية التي تفرضها الشركات متعددة الجنسية في ظل الليبرالية الجديدة وتحرير التجارة واقتصاد السوق كآليات للعولمة تقتضي إقامة اقتصاد عربي قادر بجدارة على المواجهة وعلى خلق الظروف المواتية لمواجهة المخططات المعادية.

القاهرة ـ محمد عبد الجواد: