كتب ماركوس ف. بوليو (Marcus V. Pollio) حوالي القرن الأوّل ما قبل الميلاد يقول: »الهندسة علم ينشأ من عدّة علوم أخرى، وتزيّنه تعاليم مختلفة؛ به نصدر حكماً على هذه الأعمال التي هي ثمرة فنون أخرى«.
علينا، في الهندسة، كما في الفنون الأخرى، أن نبقي في بالنا دائماً اعتبارين؛ أوّلاً أن نتذكّر النيّة وثانيا ًالموضوع الذي به نعبّر عن هذه النيّة: ولكنّ النيّة أساسها الاقتناع بأنّ الموضوع المصمّم سيلائم كليّاً الهدف. وبالتالي مَن لا يعرف فرعي الفنّ لا يستحقّ لقب مهندس.
فالمهندس عليه أن يكون مبدعاً قادراً على اكتساب المعرفة. ومتى افتقر إلى إحدى هاتين الميزتين لا يمكنه أن يكون »المعلّم« الكامل. كما عليه أن يكون كاتباً جيّداً، ومصمّماً ماهراً متمكّناً من الهندسة وعلم البصريّات، خبيراً في الرسم، قارئاً للتاريخ ومبادئ الفلسفة الطبيعيّة والأخلاقيّة، ملمّاً بالموسيقى والقانون وعلم الفيزياء، العلاقات الإنسانيّة، حركة الكواكب والنجوم في الفضاء.
في ما يتعلّق بالبراعة الأولى، فعلى المهندس أن يلتزم بكتابة ملاحظاته وتجاربه، لأنّ كلّ مهندس عظيم هو بالضرورة شاعر عظيم، لكي ينقل بأصالة وبراعة أحداث زمنه، يومه وعصره.تقنيّته في الرسم تترجم في جمال أشكال تصاميمه: ولكن عليه أن يوحّد الشكل مع مضمون المعنى في التصميم اتّحاداً روحيّاً.
أمّا علم الهندسة فيقدّم مساعدة كبيرة للمهندس الذي يجد نفسه مديناً إلى هذا العلم لإجادته استعمال الخطّ والدائرة والمستوى والمربّع، وهي مميزات الذهن.
ويمكّنه علم البصريّات من إدخال كميّة الضوء المطلوبة بتعقّل، وفق المنظور، فمعرفة كيفيّة الإبصار هي معرفة كيفيّة التأمّل وبالتالي معرفة كيفيّة الاكتشاف.
ومن خلال علم الرياضيّات يستطيع تقدير الكلفة وتحديد المقاسات، وبذلك يتمكّن من إضافة التطبيق إلى النظريّة، لأنّ المهندس ليس عليه أن يكون قادراً على إثبات مدى صحّة التصميم فحسب بل أيضاً، وفي الاتّجاه نفسه، عليه أن يتمكّن من تنفيذه. ولا بدّ للمهندس من أن يعرف التاريخ: مرآة حاضرنا اليقظة.
تعلّمه الفلسفة الأخلاقيّة أن يتخطّى الشرّ في علاقته بالآخرين ويتحاشى الغرور ويتّسم بالتواضع؛ فتجعله مستمعاً لعميله ووفيّاً له؛ أمّا الأهمّ من كلّ ذلك، فإنّها تمنع الطمع من التغلّب عليه: ولكن عليه ألاّ يمزج بين »غرور« الكبرياء الصادق والتواضع الخبيث.
والموسيقى تساعده في استعمال المقاسات المتناغمة: فالهندسة ليست إلاّ موسيقى مجمّدة. وتمكّنه المهارة في الفيزياء من التأكيد على صلاحية مختلف بقاع الأرض وتحديد تقلبات المناخ؛ لأنّ جودة الهواء والمياه تمثّل للمبنى ما تمثّله لجسم الإنسان، إنّها معنى الصحّة.أمّا القانون فيجدر به أن يكون موضوع دراسته، فيصوغ عقد عمله بدقّة وعناية.
ويشكّل علم الفلك مرشداً له في نقاط السموات، قوانين الأجسام السماويّة، الاعتدالات الربيعيّة والخريفيّة، ومجريات النجوم، فعليه أن يكون مدركاً لكلّ ذلك عندما يفكّر في بناء النوافذ وتناسقها بما يتخطّى الزمن أو اللانهاية.
أمّا ثمرة كلّ ما ذكرنا فهي بكلّ بساطة، مساحة المكان.مساحة المكان الداخليّة تغدو حقيقة وواقع المبنى.والمكان هو نَفَس الفنون كلّها وثمرة الفنون الأخرى كلّها.