شهدت منطقة آسيا والباسفيكي، على مدى السنوات الخمس الماضية طفرة كبيرة في الاتفاقات الثنائية التي تمنح الموقعين عليها امتيازات تجارية تفضيلية وقد أوشكت تلك الاتفاقات التي يمكن ان تخرق مبادئ عدم التمييز الخاصة بمنظمة التجارة العالمية، على ان تصبح المعيار التجاري. لكن المحللين يرون انه قد حان انتشار الاتفاقات الثنائية يحمل في طياته مخاطر جسيمة.

فمن المنظور التجاري لابد من تقييم الاتفاقات التجارية من حيث تأثيرها على نظام الإنتاج العالمي المعاصر. والتصنيع اليوم يختلف اختلافاً تاماً عما كان عليه في الماضي. ففي السالف، عندما كنا نتحدث عن التصنيع كانت الفكرة الأولى التي تتبادر إلى الذهن ان كل شيء يتم صنعه في مكان واحد، ومصنع واحد تحت سقف واحد، وبلد واحد.

لقد تغيرت الأموال، وبات التصنيع اليوم يحمل مفهوماً مغايراً تماماً، فقد بات الإنتاج موزعاً بصورة متزايدة على عدة مصانع مختلفة، في أماكن مختلفة وبلدان مختلفة بمعنى آخر أصبح عالمي الطابع.لقد كانت لي آندفونغ ليمتد الصينية، تتعهد البضائع الاستهلاكية شديدة الحساسية، نيابة عن عملاء في الأسواق العالمية الرائدة.

أما في الماضي، وعندما كانت تتلقى طلباً لإنتاج 10.000 قميص من أحد تجار التجزئة في الولايات المتحدة، فإن الرد كشركة تجارية، كان يتمثل في البحث عن أفضل المصانع الموجودة، وتسليمها الطلبية، مقابل الحصول على عمولة صغيرة. أما اليوم، ونظراً لعولمة التصنيع، فإن النموذج تغيّر تماماً، ففي كل مرحلة من مراحل الإنتاج، تبحث الشركة عن أفضل مكان لإنتاج تلك المرحلة.

وفي نهاية الأمر، فإن المنتج الذي يصل إلى رف المستهلك، سيكون نسخة طبق الأصل، وكأنما هو صادر من مصنع واحد. إلا أن الواقع، هو أن الشركة دفعت بالمنتج عبر شبكتها إلى أفضل الفئات، كل في مجاله، بمعنى آخر، استخدام عدة مصانع في عدة بلدان مختلفة، وذلك، من شأنه تمكين المزيد من المواقع على مستويات العالم، من المساهمة، كل حسب مهاراته، وقدراته، وتطوير قدراتها التنافسية.

ويذكر أن البلدان النامية، كانت إذا ما أرادت في الماضي أن تصبح نشطة في التجارة الدولية، فإن عليها ممارسة جميع الأنشطة في سلسلة القيمة الإنتاجية، أما الآن وبسبب الإنتاج العالمي، فإن البلدان تخوض اللعبة بتقديم جزء أو جزأين من السلسلة القيمية. وبهذه الطريقة، فإن النظام يخفف حوافز الدخول للبلدان النامية، وخصوصاً المشاريع الصغيرة ومتوسطة الحجم على نطاق العالم.

ولهذا آثاره الواضحة على التوظيف والتنمية الاقتصادية. إن نظام الإنتاج العالمي، في مطلق الأحوال، عرضة للتهديد من قبل الاتفاقات التجارية، وهذا التهديد، تشعر بآثاره الفعاليات التجارية أكثر من غيرها، وعلى سبيل المثال، فإن المصدرين في بلدان مثل أستراليا وماليزيا، يواجهون، أو من المنتظر أن يواجهوا التبعات التجارية للاتفاقات الثنائية الجديدة، وعلى وجه الخصوص، قواعد المنشأ.

ووفقاً لما ذكره البروفيسور روس غارنون من الجامعة الأسترالية الوطنية، فإنه وبسبب عولمة الإنتاج، لم يعد هناك ثوب أسترالي الصنع بالكامل، ولا جهاز حاسوب مصنع في ماليزيا بكامله. غير أن كثيراً من ألبسة الموضة تصدر من أستراليا، وكذلك خبرة الكمبيوتر من ماليزيا.

وتمتاز تلك الصادرات، بالمنافسة، لاحتوائها على مكونات من أماكن في العالم، يمكن توريدها بأقل الأسعار. ومن غير الممكن بالنسبة لألبسة الموضة أو أجهزة الكمبيوتر الماليزية، أن تفي بمتطلبات قوانين المنشأ، بموجب اتفاقات التجارة الثنائية، والمحافظة على التنافسية العالمية في آن واحد.

ان الثنائية تشتت تدفق البضائع وترفع الحواجز، وتخلق الاحتكاك وتقلص المرونة وترفع الأسعار. ولابد أن الاعتبارات المتعلقة بقوانين المنشأ تتضاعف في كل اتفاقية ثنائية جديدة، وتصبح أكثر تعقيداً.

وهذه الظاهرة هي ما يطلق عليه الخبراء التجاريون »مفعول زيدية السباغيتي«.

وفي الوقت الذي تجد فيه الشركات الأكبر صعوبة في المواكبة، فإن الأمر بالنسبة للمجموعات الصغيرة أشبه بالمستحيل.

هذا بالإضافة إلى أن الاتفاقات الثنائية تؤدي إلى تقليص أداء الشركات دون إمكاناتها. ومن الناحية الاقتصادية فإن الاتفاقات الثنائية، تدمر القيمة. وإذا ما أطلق عليها العنان، فإن نموها المتواصل يحمل في طياته إمكانية إعاقة نمو نظام الإنتاج العالمي.

وعلى الجانب الآخر فإن المفاوضين في المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية، في هونغ كونغ في شهر ديسمبر مطالبون بأن يدركوا بأنهم يتعرضون لضغوط شديدة جداً.

وإذا ما كتب لجولة الدوحة أن تفشل وللنظام التجاري أن يذوب في اتفاقات ثنائية وسيذهب القسط الأعظم من المكاسب التي يمكن أن يحققها نظام الإنتاج العالمي أدراج الرياح. والنتيجة أن النظام المتعدد الأطراف، هو الذي يمكن كل موقع من المواقع من المساهمة وفقاً لبراعاته وقدراته وتطوير مزاياه التنافسية. وكذلك فإن نظام الإنتاج المعاصر يزدهر في عالم متعدد الأطراف، لا في نظام ثنائي الأطراف.

والتعددية هي التي تخلق القيمة، وبالمقابل فإن الثنائية تدمرها.

ونظام التجارة المتعددة الأطراف، يعمل على »دمقرطة« الاقتصاد العالمي.

ولا ريب أن هناك متسعاً للجميع.

ترجمة: وائل الخطيب