دعا عدد من الخبراء والمسؤولين الاقتصاديين السابقين في مصر إلى ضرورة إعادة النظر في دور الدولة في الحياة الاقتصادية، وانتقد الخبراء، خلال الندوة التي عقدها "المركز المصري للدراسات الاقتصادية" مؤخرا حول دور جديد للدولة في النشاط الاقتصادي الحر، سياسة الدعم والحوافز التي تقدمها الدولة للنشاط الصناعي التي لم تسهم في زيادة الإنتاجية، كما انتقدوا ضعف الحكومة في مواجهة ممارسات وضغوط رجال الأعمال،

مؤكدين الحاجة إلى وجود حكومة قوية قادرة على الصمود في وجه هذه الضغوط، في الوقت نفسه اختلف الخبراء حول طبيعة السياسات التي تنظم الحياة الصناعية الاقتصادية المصرية، ففي حين رأي البعض منهم أنه لم يكن بها سياسة صناعية واضحة بل مجرد سياسة تشجع الاستثمار أكد آخرون على وجود سياسات صناعية بمصر منذ عام 1956، وأن الصناعات القائمة حاليا أقيمت بفضل تلك السياسات.

وقال الدكتور أحمد جلال مدير المركز إن ما قامت به الحكومات على مر السنوات الماضية كان فشلا في تحديد سياسات صناعية، منتقدا سياسة الدعم والحوافز التي تقيمها الدولة والتي لم تسهم في زيادة الإنتاج، مؤكدا على أنه ما كان يجب أن يرتبط استمرار تقديم الدعم بتقييم الأداء في النشاط الصناعي،وأضاف أن السياسة الصناعية التي اتبعت كانت تفتح الباب للفساد من قبل القطاع الخاص في محاولة التقرب من البيروقراطية السائدة.

بينما أكد الدكتور سلطان أبوعلي وزير الاقتصاد السابق أن الدولة خلطت بين دورها كمنظم وكمراقب وبين دورها كمشرع للسياسات الصناعية، وأدى هذا إلى العديد من المشاكل، وقال إن دور الدولة في رسم السياسة الصناعية يتوقف على أوضاع القطاع الخاص نفسه،مطالبا بأن تركز الدولة على التنمية وليس الجباية.

وكانت المفاجأة اعتراف الدكتور إبراهيم فوزي الذي كان مسؤولا عن وزارة الصناعة وهيئة الاستثمار لسنوات بأن مصر لم تكن بها سياسة صناعية، ولكن كانت هناك سياسة لتشجيع الاستثمار، رغم ما كانت تمثله الضرائب من عامل غير مشجع على الدخول في القطاع الصناعي، وأشار إلى أن المستثمرين كانوا لا يفضلون الدخول في المشروعات الصناعية لأن أسعار الأراضى المخصصة لهذا الاستثمار كانت عاملا طاردا له.

واختلف مع هذه الرؤية الدكتور عبدالعزيز حجازي رئيس الوزراء الأسبق مؤكدا وجود سياسة صناعية في مصر منذ عام 56 ترتكز على صناعات كثيرة، وأشار إلى أن الصناعات القائمة حاليا كانت نتيجة تطبيق هذه السياسات، وقال إن هيئة التصنيع كانت تلعب دورا رئيسيا في ذلك، وإن التقدم الصناعي الذي شهدته مصر في مرحلة من مراحلها كان نتيجة لعوامل داخلية أكثر منها خارجية على عكس الدول الأخرى التي كانت تعتمد على المساعدات الخارجية.

وأضاف أنه حتى في سنوات التأميم تحولت الاستراتيجية الصناعية وأصبحت تعتمد على جذب الاستثمارات الأجنبية من الدول الشرقية وكانت المشاريع الصناعية والتمويلية تهدف للتصدير وقال: علينا ألا نترك السياسة الصناعية إلى شطحات المستثمرين من رجال الأعمال.

وانتقد السفير جمال بيومي رئيس اتحاد المستثمرين العرب ضعف الحكومة في مواجهة ممارسات رجال الأعمال، وقال: نحن في حاجة إلى حكومة قوية لا يديرها رجال أعمال، موضحا انه عندما تمنح الحكومة مزايا للمستثمرين عليها أن تقييم نتائج وتضع فترة زمنية للمزايا التي تمنح وتساءل في سنة 2020 سوف تعفى السيارات نهائيا من الجمارك وفقا للالتزامات تجاه الاتحاد الأوروبي فهل ستصمد الحكومة أمام ضغوط رجال الأعمال وتفعل ذلك؟.

وأكد وجود خلط كبير بين دور الدولة في عملية الاستثمار ودورها كمنظم لصناعات تحمي حقوق العاملين والمستهلكين، منتقدا برنامج تحديث الصناعة الذي تكلف1.2 مليون دولار ولم يكن له أثر ايجابي على الصناعة المصرية.

وحول محاولات الدولة المصرية للانسحاب من الحياة الاقتصادية أكدت الدكتورة منى الجرف ـ أستاذ بكلية الاقتصاد جامعة القاهرة ـ على مجموعة من العوامل تؤكد مدى حاجة الاقتصاد المصري لمراجعة دور الدولة في الحياة الاقتصادية أهمها إلى جانب حدة وعمق تدخل الدولة المصرية مقارنة بنظيراتها من الدول ذات مستويات الدخل المتقاربة أن هناك عدم كفاية وفاعلية للمبادرات التي قامت بها الحكومة نحو الانسحاب من الحياة الاقتصادية حتى الآن، أيضا هناك توجه نحو مزيد من اندماج مصر في الاقتصاد العالمي بما يخلق المزيد من الضغوط الخارجية والمحلية لمراجعة نطاق تدخل الدولة.

وأشارت إلى العامل الثالث وهو التشكيل الوزاري الجديد، ووضوح رؤية الحكومة تجاه دعم آليات السوق الحر، وقالت إن هناك تحديات تواجه الدولة في تقليص دورها من بينها الجماعات الرافضة وأصحاب المصالح أو المستفيدون من استمرار الوضع على ما هو عليه،

ويتضح من التاييد الإعلامي السياسي في التصدي لهذه الصعوبة فضلا عن الدور الذي يقوم بتوفير التقديرات عن التكلفة الاقتصادية لتدخل الدولة أو العائد الايجابي من تقليص دورها إلى جانب ندرة الموارد البشرية التي تتوافر فيها المهارات من أجل تقييم الإجراءات السائدة ومراجعتها.

وأشارت إلى تدخل الدولة المصرية في فرض الإجراءات والقواعد على النشاط الاقتصادي مقارنة بنظيراتها من الدول ذات الدخل المتوسط، مدللة بأن بدء النشاط الاقتصادي في مصر يتطلب 13 إجراء بينما تحتاج المنشأة إلى القيام بـ 9 إجراءات فقط في المتوسط في الدول ذات الدخل المماثل بينما يحتاج إلى إجراءين في أستراليا.

كما أكدت على تعقد إجراءات التصفية وخروج الشركات من السوق، بينما بلغت قيمة مؤشر قوة المحاكم في مصر 67 ولم يتعد متوسط هذا المؤشر 52 في الدول المناظرة كما أشارت إلى ارتفاع مركزية اتخاذ القرار في مصر على المستوى القومي، مصحوبا بانخفاض واضح في مستوى الشفافية وتوفير المعلومات الحديثة والدقيقة.

وأكدت أن الدراسات تكشف مدى انتشار الفساد في المجتمع كنتيجة منطقية لزيادة العبء المادي والزمني المصاحب لتعقد وتعدد الإجراءات، مشيرة إلى انتشار المدفوعات غير الرسمية في الجمارك المصرية بغرض تسهيل الإجراءات الجمركية والإسراع بالانتهاء منها ويظهر ذلك مع تعقد إجراءات الإفراج الجمركي ومن ثم ارتفاع أسعار السلع.

وترى الدكتورة منى الجرف أن التأثير السلبي لانسحاب تدخل الدولة من سوق العمل لا يتوقف عند ارتفاع معدل البطالة فقط ولكن يمتد إلى الإناث في سوق العمل بتراجع اهتمام قطاع الإنتاج بتشغيل الإناث وتزايد حرمان المرأة من فرص العمل مع تزايد تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية.

وبينما قدرت »الجرف« التكلفة التي يتحملها الاقتصاد الأميركي نتيجة تدخل الدولة سنويا بنحو 542 مليون دولار في عام 2000 وتصل إلى 19% من الناتج المحلي الإجمالي في عدد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإن انسحاب الدولة بإلغاء بعض القيود الحاكمة للعديد من الصناعات في كوريا خفض التكلفة بنحو 187 تريليون وان، أي بنحو 4.4% من الناتج المحلي، وأكدت أن العديد من الدول النامية تفتقر إلى مثل هذه التقديرات التي تحدد تكلفة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي أو انسحابها.

القاهرة ـ ماجدة خضر