في 11 نوفمبر الجاري دخلت المملكة رسمياً ضمن الدول الأعضاء في منظومة منظمة التجارة العالمية بعد جولات تفاوضية امتدت لنحو اثني عشر عاماً متواصلة فيما سيسري التطبيق قبل نهاية العام الحالي.

ووقعت المملكة على بروتوكول الانضمام الذي يشمل الموافقة على تطبيق والتزام جميع اتفاقيات منظمة التجارية العالمية ماعدا اتفاقية المناقصات الحكومية واتفاقية الطائرات المدنية باعتبارهما من الاتفاقيات الاختيارية.

وقد تم استثناء المملكة من »59« فقرة من اتفاقيات المنظمة منها إعطاء فترة سماح مدتها عشر سنوات للدعم الحكومي للقطاع الزراعي والإبقاء على ملكية السعوديين للوكالات التجارية العالمية في المملكة وكذلك استثناء المملكة من دون غيرها من أي منتجات أو سلع تتعارض مع الشريعة الإسلامية.

وعلى رأسها تجارة الخمور ولحم الخنزير كما اعتمدت المنظمة التشريع الإسلامي فيما يختص بالزكاة بالنسبة للسعوديين وضريبة الدخل للأجانب إضافة إلى إبقاء نسبة السعودة في عمالة الشركات الأجنبية بـ 75%.ويرى الخبراء والمختصون أن هذه مكاسب كبيرة للمملكة باعتبار أن الاتفاقية لم تمس جوهر التشريعات والأنظمة السعودية حفاظاً على دورها الديني والروحي.

ولا تشترط مبادئ واتفاقيات المنظمة التطبيع التجاري بين أعضاء المنظمة وفقاً للمادة (13) من اتفاقية مراكش لتأسيس منظمة التجارة العالمية التي تسمح لدولة ما بعدم تطبيق الاتفاقية تجاه دولة أخرى شرط إبلاغها عن ذلك قبل موافقة المجلس العام »المؤتمر الوزاري« على الانضمام.. وبذلك تكون السعودية في حل من إقامة أية علاقات تجارية مع دولة إسرائيل.

ولكن إلى أي مدى يمكن أن تستفيد المملكة اقتصادياً من عضويتها في هذه المنظمة وما هي أبرز المكاسب من هذا الانضمام ومتى ستظهر هذه المكاسب على أرض الواقع ويشعر بها المواطن بشكل مباشر؟

السعودية بين المكاسب والتحديات

لاشك أن هذه الاتفاقية وقبل أن تترك بصمات واضحة على السوق السعودي وعلى مجمل الأوضاع الاقتصادية والصناعية والتجارية إلا أنها وفي ذات الوقت وخلال جولات التفاوض الطويلة جرى تطوير تشريعي ومراجعة شاملة لأنظمة التعليم والتدريب لتهيئة وإعداد المواطن لمرحلة الانضمام للمنظمة.

وقد وضع انضمام المملكة للمنظمة، الصناعة السعودية على المحك وخاصة الصغيرة منها والتي تقدر بأكثر من 50% من جملة المصانع السعودية البالغة نحو 5600 مصنع لأن المنافسة سوف تكون على أشدها والسوق مفتوح أمام الجميع ولن يكون البقاء فيه إلا للقوي.. وهذا ما يستدعي المواكبة والتطور نحو الأفضل من خلال الإسراع في تحسين مستويات الجودة الإنتاجية وفقاً للمواصفات .

والمقاييس العالمية مع البحث عن أساليب مبتكرة بهدف تخفيض تكلفة المنتج الوطني حتى يكون قادراً على المنافسة سواء داخل السوق المحلي أو في الأسواق الخارجية.ويؤكد المسؤولون والخبراء أن المملكة قادرة على خوض المنافسة الدولية وتحقيق ميزات نسبية والتي ترتبط بإنتاجية رأس المال والعمل.

وسيساهم الانضمام في انفتاح الاقتصاد السعودي بشكل إيجابي على الاقتصاد العالمي حيث تتمكن الصادرات السعودية من النفاذ بسهولة إلى الدول الأخرى الأعضاء في المنظمة مستفيدة من إلغاء الرسوم الجمركية .

أو انخفاضها وستتمتع بمميزات لا تقل عن تلك التي توفرها الدول الأعضاء لمنتجاتها المحلية دون أن تتعرض لأي تمييز كما أن هذه الصادرات لن يتم إخضاعها لرسوم مكافحة الإغراق أو الرسوم المضادة إلا بمقتضى الأحكام والتدابير القانونية الواردة في اتفاقيات المنظمة.

وسيكون هذا الانفتاح الاقتصادي والتجاري مشجعاً للصناعة السعودية لتكون أكثر قدرة على مواجهة المنافسة الخارجية.أما المواطن أو المستهلك المحلي فسيتمتع بفوائد الأسعار التنافسية وتعدد فرص الاختيار من بين السلع ذات النوعية الجيدة.

ولا شك أن هناك سلبيات ستكون ناتجة من هذه المنافسة وانفتاح السوق السعودي بشكل كامل أبرزها ارتفاع أسعار السلع المحمية بحقوق الملكية الفكرية كبرامج الحاسب الآلي والأدوية وبعض المنتجات الغذائية التي كانت تدعمها الدولة.

كما سينخفض دخل الدولة من عائد الرسوم الجمركية والتعقيدات التي ستطرأ على التقنية الحديثة من خلال بعض القيود وذلك لشدة المنافسة التي ستواجهها الشركات المنتجة لهذه التقنية.

وأخيراً.. يبقى المحك الحقيقي لانضمام المملكة لهذه المنظمة العالمية في المواكبة للتطور الهائل في عالم اليوم الذي يشهد تحولات كبيرة وسريعة.. وسيكون الخاسر الوحيد هو الضعيف العاجز عن اللحاق بهذا الركب.

ولاشك أن المملكة ذات الإمكانيات الطبيعية والبشرية والسوق الواسع ستكون أكثر قدرة على ملاءمة أوضاعها الاقتصادية بما يتناسب والتغيرات العالمية بهدف تحقيق مصالحها والحفاظ على مكتسباتها الوطنية في هذا الزخم العالمي.

مهدي أبوفطيم ــ الرياض: