تعالت نبرة الجدل حول إطلاق صندوق استثماري جديد مرتبط بالفضة ما بين معارض ومؤيد. وظهرت على السطح تقديرات تنبئ بأن الصندوق الجديد سيكون له وقع التأثير الثوري على سوق الفضة بحيث ستبرز صورة للسوق مخالفة تماماً للوضع الراهن تنطوي على ملامح مغايرة تماماً لملامح الطلب والعرض الحالية.

وتتكهن التقديرات بأن الصندوق الجديد سيبتلع كميات ضخمة من الفضة، وسيهضم المخزونات العالمية، مما سيعمق حالة التشدد السائدة في السوق، وسيزيد ندرة المعدن الأبيض.

وهو الأمر الذي سيقود إلى نشوء فجوة شاسعة بين الطلب والعرض بحيث سيعجز الإمداد عن مجاراة قوة الطلب. وبالتالي، ستشهد أسعار الفضة صعوداً صاروخياً يدفعها إلى تسجيل ارتفاعات تتجاوز ما يدور في مخيلة الكثيرين.

وفي غمرة الجدل المحتدم بين القوى المؤيدة لاستمرار الوضع الراهن، والقوى الداعية إلى التغيير، تظهر لغة المصالح بكل مفرداتها وعناوينها، فكما سيضر صعود أسعار الفضة بالشركات المستخدمة للفضة فإنه سيحقق مكاسب للمستثمرين.

وعليه، عبأ الطرفان المتنازعان قوتهما في مواجهة بعضهما البعض، ففيما تسعي الشركات المستخدمة للفضة إلى إجهاض ميلاد الصندوق الجديد، يجتهد المستثمرون في الدفاع عن تأسيس الصندوق.

ودار النزاع بكل ملابساته الدرامية على ساحة لجنة البورصات والأوراق المالية الأميركية والتي من المفترض إنها المسؤولة عن كتابة شهادة ميلاد الصندوق الجديد ويبدو أن قصص الصعوبات التي تعترض تأسيس صناديق الاستثمار المدعومة بالسلع تتكرر بكل تفاصيلها في كل مرة يتم فيها تأسيسها.

قصة صندوق الفضة

وبدأت فصول القصة أو بالأحرى النزاع في يونيو 2004 عندما تقدمت شركة باركليز جلوبال إنفستورز وهي احدى الشركات التابعة لمؤسسة باركليز بطلب للجنة البورصات والأوراق بتسجيل صندوق استثماري مرتبط بالفضة.

وتوقع كثيرون أن تبت اللجنة بسرعة في طلب التسجيل بحكم أنه جرى وضع هيكل الصندوق على غرار نسق صندوقين استثماريين مرتبطين بالذهب تقوم بإدارتهما. ويمتلك الصندوقان كمية من الذهب تبلغ قيمتها 3.4 مليارات دولار.

وهو ما يسمح للمستثمرين بشراء الذهب من خلال شراء أسهم تعادل قيمة السهم الواحد واحد على عشرة أونصة ذهب، وينظر المستثمرون إلى هذه الصناديق على انها طريقة ملائمة ومنخفضة التكلفة تعينهم على تجنب تكلفة شراء وتخزين السبائك الذهبية.

وجاء طلب تسجيل تأسيس الصندوق الاستثماري المرتبط بالفضة في ظل اتجاه المستثمرين نحو تأسيس صناديق استثمارية مرتبطة بالسلع، فقد تم إطلاق صندوق استثماري مدعوم بالذهب في أواخر العام الماضي.

وذلك بعد خوض معركة طويلة مع لجنة البورصات والأوراق المالية للحصول على موافقتها، وعليه ثارت توقعات بأن سلعاً أخرى ستحذو حذو الذهب وأن الدور سيكون على النفط، وبعد ذلك الفضة ثم النحاس.

وبالفعل، تقدمت شركة ستاندرد أسيت مانجمينت بطلب إلى لجنة البورصات والأوراق المالية لأجل تسجيل صندوق استثماري مرتبط بالنفط، وقبل حلول نهاية العام الماضي، تقدمت شركة Barclays Global Investors .

وهي احدى الشركات التابعة لمؤسسة باركليز بطلب تأسيس صندوق استثماري مدعوم بالفضة. وساد اعتقاد حينذاك مؤداه أن الصندوق الاستثماري المرتبط بالفضة لن يواجه الصعوبات نفسها التي اعترضت تأسيس الصناديق الاستثمارية المرتبطة بالذهب، ولن يخوض المعركة ذاتها التي خاضها الذهب.

توقعات بتغيرات جذرية

لكن يبدو أن الواقع خالف التوقعات، فقد وافقت لجنة البورصات والأوراق المالية على تأسيس الصندوق الاستثماري المرتبط بالنفط في الوقت الذي مازالت فيه شركة Barclays Global Investors تخوض معركة شرسة من أجل تأسيس الصندوق الاستثماري المرتبط بالفضة .

بحيث صار بعيد المنال إطلاق الصندوق في عام 2005، وأصبح عام 2006 الإطار الزمني الواقعي لأن يشهد ميلاد الصندوق، إذا ما جرى تحرير شهادة ميلاده.وعلى أرضية التوقعات بشأن ما سيحدثه الصندوق من تغييرات في سوق الفضة.

اجتهدت التحليلات في إعطاء تعبيرات لتوصيف حجم وقوة التغير تنطوي على درجات قوة متفاوتة، ما بين القول بأن الصندوق سيكون له أثر ثوري على السوق، والقول بأن أثر الصندوق سيكون مؤثراً.

ففي تقرير صادر عن مؤسسة Todd Stein & Steven McIntyre ورد أن تأسيس هذا الصندوق سيكون له تأثير ضخم على سوق الفضة في عامي 2005 و 2006، بالنظر إلى اتسام السوق بالصغر والمحدودية والتشدد.

فإنه يمثل ابتكاراً ناجحاً في طريقة تملك الأفراد والمستثمرين للفضة، الأمر الذي سيخلف تأثيرات ضخمة بالنسبة للأسعار بل من المحتمل أن يفوق تأثيره على سوق الفضة تأثير الصناديق الاستثمارية الأخرى على أسواق سلعها.

حيث أن صندوقي الاستثمار المرتبطين بالذهب يحوزان حوالي 6 ملايين أونصة ذهب منذ شهر نوفمبر الماضي، وقد تزايدت أصول هذه الصناديق شهرا بعد شهر خلال الأشهر الستة الأولى من العام، وذلك على الرغم من انخفاض أسعار الذهب بشكل عام خلال هذه الفترة.

وخلص التقرير إلى استنتاج مؤداه أنه إذا ما تمكنت صناديق الفضة من استهلاك عشر (واحد على عشرة) من ما استهلكته صناديق الذهب خلال عام، فهذا معناه إضافة طلب على الفضة بقيمة 260 مليون دولار أي ما يوازي قيمة 63 مليون أونصة بسعر 7.20 دولارات للأونصة.

وفي الإطار ذاته، قدر ستين ماكانتري محلل المعادن بأنه إذا أضافت صناديق الاستثمار المرتبطة بالفضة طلباً سنوياً على المعدن الأبيض يوازي حجم إضافة طلب صناديق الاستثمار المرتبطة بالذهب إلى الطلب على المعدن الأصفر في ثلاثة أيام فقط.

فهذا معناه أن صناديق الفضة سوف تسحب سنوياً من السوق كمية من الفضة بمقدار 180 مليون أونصة، وإذا ما تمت إضافة هذا الرقم إلى العجز الراهن في المعروض من الفضة والبالغ حجمه حوالي 75 مليون أونصة فسوف يصل حجم العجز في المعروض إلى نحو 250 مليون أونصة تقريباً.

وهو ما يعادل حوالي ثلث الطلب العالمي على الفضة. كما خلص التقرير إلى أن هذه الصناديق المرتبطة بالفضة تمثل آليات توزيع ذات أهمية ملحوظة في إتاحة المعدن للمستثمرين وهو ما سوف يعد بمثابة ثورة في سوق الفضة.

وفي السياق ذاته، يرى روس نورمان مدير مؤسسة The BullionDesk.com وهي شركة مختصة بإجراء البحوث والدراسات حول المعادن النفيسة أن الصناديق الاستثمارية المرتبطة بالفضة سوف تضخ المزيد من السيولة في السوق، ولاحظ أن الصناديق الاستثمارية المرتبطة بالذهب لم تقوض أسواق الذهب عندما قام مؤسسوها بتجميع السبائك الذهب قبل إطلاق تأسيسها.

وفي هذا السياق، توقع موجامبو جيري محلل المعادن أن يقوم الصندوق الاستثماري المرتبط بالفضة بأن يقوم الصندوق بسحب 130 مليون أونصة من السوق، وهو الأمر الذي سيرسل أسعار الفضة إلى مستويات قياسية في ضوء ما سينجم عن ذلك من بروز فجوة شاسعة بين الطلب والعرض وهضم المخزونات العالمية.

مخاوف الشركات المستخدمة

وعلى أرضية التبدلات الضخمة التي سيحدثها الصندوق في سوق الفضة، اشتدت مخاوف الشركات المستخدمة من أن تضار مصالحها بسبب الارتفاعات الصاروخية المتوقعة لسعر الفضة في حال الموافقة على تسجيل الصندوق الاستثماري المدعوم بالفضة. ولذلك نشطت رابطة مستخدمي الفضة في مسعاها لعرقلة تأسيس هذا الصندوق.

وتأسست رابطة مستخدمي الفضة في عام 1947 وهي الوحيدة من نوعها في مجال السلع ولديها سجل طويل في الدفاع عن مصالح الشركات التي تمثلها، وتضم الشركات المستخدمة للفضة للأغراض الصناعية.

ويشير المراقبون لسوق الفضة إلى أن الشركات التي تستخدم الفضة لأغراض التصنيع، تقوم إلى جانب شركات التعدين عن الفضة بممارسة ضغوطها على المسؤولين في واشنطن للحيلولة دون الموافقة على تأسيس مثل هذا الصندوق.

وقال جيمس باسيفي رئيس شركة إي تي إف انترناشيونال إنه على حد فهمه أن لجنة البورصة والأوراق المالية لا تدلي بأية تعليقات بشأن المنتجات المالية قيد التسجيل.

وأضاف أن شركات التعدين عن الفضة لا ترغب في تأسيس صندوق استثماري مرتبط بالذهب لتخوفها من تراجع الطلب على مخزونها نتيجة لإتاحة الصندوق للمستثمرين إمكانية الحصول على المعدن بدلاً من شرائه من شركات التعدين.

بيد أن هناك وجهات نظر أخرى ترى أن شركات التعدين ستستفيد من إطلاق صناديق استثمارية مرتبطة بالفضة على اعتبار ان هذه الصناديق ستعزز الطلب على المعدن الأبيض وهو ما سيقود إلى دفع أسعاره وبالتالي أرباحه إلى مستويات عالية.

وعلى الرغم من عدم صدور تعليق من »مؤسسة الفضة« وهي رابطة دولية تمثل شركات التعدين عن الفضة وشركات تكرير الفضة وتجار الجملة إلا أن شركة Pan American Silver Corp أبدت على لسان رئيسها روز بيتي عدم اتفاقها في الرأي مع رابطة مستخدمو الفضة بخصوص تفاقم حالة السيولة في سوق الفضة.

والذي سينجم عن تأسيس صناديق استثمار مرتبطة بالفضة إذ قال إنه بإمكان هذه الصناديق أن توفر خدمات مفيدة للمستثمرين، مضيفا أنه لا يعتقد بأن هذه الصناديق سوف تخلق مشاكل سيولة في سوق الفضة.

وفي إطار جهودها لعرقلة تأسيس الصندوق، قامت رابطة مستخدمي الفضة بإرسال خطاب إلى لجنة البورصات والأوراق المالية تحثها فيه على عدم الموافقة على تأسيس هذا الصندوق.

وقالت الرابطة في خطابها إن تأسيس صندوق استثماري مرتبط بالفضة سوف يفضي إلى ضغوط على سعر المعدن نتيجة لقيام الصندوق بشراء كمية ضخمة من الفضة لدعم أسهمه قبل طرحها على المستثمرين.

وأعربت الرابطة عن قلقها من أن الصندوق الاستثماري المرتبط بالفضة سيزيد إضراب الأوضاع في سوق الفضة ويدفع الأسعار إلى مستويات عالية، وذلك في حال ما إذا أصبحت هذه الصناديق مألوفة وشائعة على غرار الصناديق الاستثمارية المرتبطة بالذهب.

ونوه خطاب رابطة مستخدمي الفضة إلى أن جزءاً من مهمتها هو الحفاظ على أسعار الفضة منخفضة والحفاظ على تيسر المعدن للمستخدمين. وأضاف أن مستخدمي الفضة سيدفعون تكاليف باهظة ناتجة عن المستويات المرتفعة لأسعار الفضة، وهو ما سينطوي على أثر سلبي على الاقتصاد ككل وفرص التوظيف في صناعة الفضة نتيجة للتضخم وفقدان الوظائف.

وقالت الرابطة كذالك إن تأسيس صندوق استثماري مرتبط بالفضة سيقود فقط إلى تفاقم حالة عدم السيولة في سوق الفضة نظرا لكمية المعدن التي سيكون هناك حاجة إلى سحبها من السوق للتخزين والشحن.

كتب: مجدي عبيد