من الطبيعي أن تعمل الدول المتقدمة على استمرار تقدمها وزيادته، وعلى تحسين مستويات معيشة شعوبها أكثر وأكثر، وهذا من حقها، ولكن إذا قامت بهذا العمل على حساب الدول النامية والفقيرة مثلما يحاول البعض منها، فإن ذلك لن يكون في صالحها.

بل سينحرف بتوجهاتها، وسيقودها إلى أضرار جسيمة شعرت بها من أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية وهو البند الذي لم ينقاش في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد مؤخراً بالأردن.

إن العلاج الصحيح لمنع الإرهاب والقضاء على التطرف هو التعاون الصادق مع شعوب الدول النامية ومع الفقراء بالذات، وبما يؤدي إلى تحقيق أهدافها دون تضحيات أو أضرار، غير أنه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت دول العالم تنقسم إلى قسمين:

دول مستعمرة ودول مستعمرة، دول تأخذ بلا حساب ودول تعطي بالغصب، وكان عطاء الدول الفقيرة والتي كانوا يسمونها الدول المتخلفة ــ سخياً والزامياً، حيث لم تكن تملك مقدراتها ولا تملك حريتها.

لقد حصلت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية من الدول النامية على كل ما تريده من موارد طبيعية ومواد خام كانت تمتلكها الدول الفقيرة، وحصلت أيضاً على ثرواتها العقلية حيث أغرت المفكرين والموهوبين من سكان الدول النامية الذين رأت إمكان الاستفادة منهم في بلادهم، أغرتهم على الهجرة إليها بوسائل متعددة.

حيث حصلت حتى الآن على أكثر من 800 ألف من علماء الدول النامية أصحاب العقول الفذة والتخصصات العلمية الدقيقة والكفاءات النادرة وأعطتهم الجنسية، حتى أصبح البعض يطلق على الولايات المتحدة الأميركية »امبراطورية اصطياد العقول« بعد أن اصدر الكونغرس الأميركي قانوناً عام 1990 لهذا الغرض.

وفي النصف الأول من القرن العشرين اشتد كفاح الشعوب في الدول النامية سعياً إلى التحرر ووقف النزيف المادي الذي أوجده المستعمرون، واضطر الاستعمار إلى أن يخرج بالتدريج من هذه الدول بعد أن ترك أذياله الذين أغدق عليهم حتى يطمئن لاستمرار دورهم الخائن في الاتصال الدائم به.

كما فرض على الغالبية العظمى من سكان هذه الدول مواقع الفقر والجهل والتخلف، واستمر العالم على هذا الوضع الشاذ طوال النصف الأول من القرن العشرين وحتى قيام الحرب العالمية الثانية.

لقد تحالفت هذه الأوضاع الاستعمارية والتخلفية مع النزاعات الحربية والعسكرية التي انهكت الدول المستعمرة، وشكلت أوضاعاً اقتصادية عالمية غير عادلة لفترة ما بعد الحرب وحتى هذا الوقت.

وظهر خلال هذه الفترة صراعاً خفياً بين الدول الغنية التي تبذل أقصى ما تستطيع للبقاء على أوضاع الثراء والتقدم، وبين الدول النامية التي شعرت شعوبها بالقسوة المعيشية التي فرضها الاستعمار منذ القرون الوسطى.

وبعد أن نهبت ثرواتها وتأخرت أوضاعها الاقتصادية، في الوقت الذي بدأت تظهر فيه وسائل جديدة للمواصلات والاتصالات الحديثة التي أدت إلى تقريب المسافات وتقليل الفجوات.

وسهولة التعرف على مسيرة الحياة التي يعيشها السكان في كل بقاع الأرض وقاراتها المختلفة. وفي منتصف القرن الماضي، وبالتحديد في 1945، انعقد مؤتمر »بريتون وودز« وخرج المؤتمر بأنظمة اقتصادية جديدة في مجالات ثلاثة:

1 ـــ النظام النقدي العالمي الذي يديره صندوق النقد الدولي.

2 ـــ النظام المالي العالمي الذي يشرف عليه البنك الدولي.

3 ـــ النظام التجاري العالمي الذي تعثر في البداية ثم تم العمل به مؤخراً.

هذه الأنظمة الثلاث لم تأخذ في اعتبارها أهمية تحسين أحوال الفقراء، حتى يخرجوا من أوضاع الفقر التي عاشوها طوال القرون السابقة، وكانوا فيها اليد العاملة والجسد المتحرك لصالح الأغنياء ـــ في شركاتهم.

وفي مصانعهم، وحتى في بيوتهم، وعلى العكس قاموا بتقنين هذه الأوضاع بالاتفاقيات الدولية الثلاثة. والتي كان آخرها اتفاقية منظمة التجارة العالمية التي كانت سبباً مباشراً لثورة الفقراء في العالم سواء منهم الذين حضروا مؤتمراتها الأخيرة أو الذين لم يحضروها.

لقد بدأ انفجار الأوضاع الدولية والإنسانية في مؤتمر سياتل، حيث سار الآلاف في مظاهرات يعبرون عن هذا الانفجار، ولم يعد هؤلاء الفقراء يرضون بالقليل كما كان حالهم طوال القرون السابقة، وأمامهم في المؤتمر كان الأغنياء بقيادة الولايات المتحدة الأميركية التي لا تقبل التنازل ولا التضحية من أجل تحسين أحوال الفقراء.

ولقد كان فشل هذا المؤتمر بداية فكر جديد لكل من الفقراء والأغنياء، انعكس في مؤتمر دافوس ومؤتمر الدوحة حيث ركز الفقراء على توزيع عادل لمنافع العولمة حتى يمكن لعمليات التعاون والاندماج الاقتصادي الدولي ان تستمر.

ومن أهم الحقائق التي كشفت عنها هذه المؤتمرات أن العالم لم يعد ينقسم فقط إلى دول فقيرة ودول غنية من حيث الشكل، ولكنه ينقسم من حيث السكان إلى فقراء وأغنياء، ينتشر كل منهم في كل دول العالم الغنية والفقيرة، فليس هناك دولة واحدة كل سكانها من الفقراء.

كما أنه ليس هناك دولة واحدة كل سكانها من الأغنياء، فالولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال. وهي أقوى وأغنى دولة في العالم يوجد بها حوالي خمسة وثلاثين مليون نسمة من الفقراء من بينهم حوالي خمسة عشر مليون نسمة .

وصلوا إلى درجة المجاعة كما أكدت دراسة أميركية قامت بإعدادها في منتصف العام الماضي جمعية خبز من أجل العالم، كما أن أغلب الجوعى في أميركا من الأطفال الصغار الذين يعجز ذووهم عن تدبير تكاليف إطعامهم وهم يذهبون إلى النوم وهم جوعى.

وبذلك فإن العالم لم يعد ينقسم إلى دول غنية ودول فقيرة كما يعتقد البعض، بل ينقسم فعلاً إلى فقراء وأغنياء، فقراء يعيش أغلبهم في الدول النامية كما يعيش أقلية منهم في الدول المتقدمة، وهم يشكلون ثلاثة أرباع العالم على الأقل.

وكان ذلك من إنتاج النظام الرأسمالي العالمي والمجتمع الحر المفتوح الذي يقوم على ثلاث مؤسسات دولية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، كما يقوم على التحرر التجاري والنقدي والمالي بينما يمنع تحرير التنقلات الشخصية والعمالية بين الدول النامية والدول المتقدمة.

وهو ما يؤدي الى فشل العولمة التي طالبت بها الدول الغنية، كما أوضح النظام الرأسمالي العالمي حقيقة الصورة التي ترسمها الدول المتقدمة للمستقبل خلال القرن الحالي والتي لا تختلف كثيراً عن صورة الأوضاع التي كان يعيش عليها سكان العالم في القرون الوسطى ــ سادة وعبيد.

إنها صورة مظلمة حقاً ولن يضيئها إلا التعاون الكامل بين سكان العالم الفقير والغني، القوي والضعيف، الأبيض والأسود، ففي ظل هذا التعاون يمكن ان يعيش الجميع في سلام ورفاهية بعيداً عن الإرهاب والإجرام، وبدونه لن يسود السلام ولا الأمن، مهما امتلك الأغنياء.

ومهما كانت لهم من قدرات وأدوات رأسمالية تتمثل حالياً في الشركات متعددة الجنسية والمؤسسات الكبرى التي يبلغ رأس مال بعضها ما يزيد على الدخل القومي لقارات بأكملها »هناك شركة واحدة متعددة الجنسيات يصل رأس مالها إلى أربعة أضعاف الدخل القومي في مصر«.

ان التعاون بين الفقراء والأغنياء هو السبيل الوحيد وهو الطريق العملي لكي يعيش الجميع في سلام ورفاهية بعيداً عن الحروب العالمية وعن الحروب الإقليمية وعن المصادمات المحلية، وعن الإرهاب الذي أصبح يهدد كافة دول العالم، أما سعي الأغنياء الى المزيد على حساب الفقراء مستغلين ضعفهم المادي والمعنوي.

هذا السعي لن يكون في صالح أي منهما وسيخسر الجميع ولن يكسب أحد، خاصة وان الدول النامية هي السوق الطبيعي لكل منتجات الدول المتقدمة.

وتوصيتي للدول التي تحارب الإرهاب بوسائل عسكرية ان تمتنع عن هذه الوسيلة،.

لأن الإرهاب لن يعيقه إلا التعاون الاقتصادي الخالص بين كافة سكان العالم وبحيث تنخفض الفجوة بين رفاهية الأغنياء وقحط الفقراء والتي وصلت الى 100.1، ولقد بدأت هذه الحقيقة تأخذ مكانها بتنازل الأغنياء مؤخراً عن ديون 18 دولة فقيرة تبلغ ما يقرب من أربعين مليار دولار أميركي.