شهد الاقتصاد العالمي نوعاً من التجارة لم يكن معروفاً من قبل، ففي الثمانينات من القرن الماضي ظهرت فكرة التجارة الإلكترونية وتطورت تحت مفهوم (تبادل المعطيات المعلوماتية) .
والتي تفترض البرمجة الأوتوماتيكية للعمليات التجارية والصناعية والإدارية التي يتم قيدها وتسلسلها بطريقة آلية، ثم استخدمت هيئة الأمم المتحدة مصطلحا متطورا وأكثر عمومية من المصطلح السابق وهو(تبادل معطيات المعلوماتية في مجالات الإدارة والتجارة والنقل).
ويشمل تعريف التجارة الإلكترونية أي نوع من الأعمال أو العمليات التجارية التي تتعلق بتبادل السلع والخدمات بواسطة الإنترنت، وتتضمن مكوناتها قطاعات مثل تجارة من شركة إلى شركة، ومن شركة إلى زبون، ومن زبون إلى زبون.
وتجارة المحتوى الإلكتروني إضافة إلى نشاطات مثل التسويق والبيع الإلكترونيين والمصارف الرقمية وغيرها، وتمتاز التجارة الإلكترونية بسرعة وسهولة عمليات البيع والشراء للسلع والخدمات مع إمكانية الشراء دون وسطاء مما يقلل من سعر السلعة أو الخدمة.
بالإضافة إلى أنها تتصف بانخفاض تكاليف إنشاء وتوزيع واسترجاع المعلومات الورقية، وكلف الاتصالات السلكية واللاسلكية، التي تقتضيها التجارة التقليدية، فتكنولوجيا المعلومات وفرت وسائل سريعة لتحليل المعلومة مما منح للاقتصاد الحديث هذه الهيمنة.
وتعد التجارة الإلكترونية واحدة من الأدوات التي تحقق للمشروعات الصغيرة ومتوسطة الحجم القدرة على المشاركة في حركة التجارة الدولية بفاعلية وكفاءة في التسويق والدعاية والإعلان.
وتوفير الوقت والمكان اللازمين لتحقيق المعاملات التجارية. وهذا ينعكس إيجابا على تفعيل نشاطات هذه المشروعات الأمر الذي يدفع عجلة التنمية الاقتصادية.
إن تحقيق التنمية الاقتصادية وتزايد حدة المنافسة ومعالجة البطالة ـــ في ظل عولمة التجارة والاستثمار- تتطلب تأسيس اقتصاد مبني على المعرفة قائم على نشر تقنيات وتدفق المعلومات ونقل التكنولوجيا والوصول إلى الأسواق العالمية الحقيقية والافتراضية بكل يسر.
ويعتبر قطاع تكنولوجيا المعلومات (في دول أوروبا والولايات المتحدة ودول جنوب شرق آسيا) العنصر المحرك لخلق الوظائف الجديدة وتنشيط الاقتصاد من خلال ما يسمى بالاقتصاد الرقمي القائم على الأسواق الإلكترونية.
ومن المعروف أن ثورة تكنولوجيا المعلومات تتمتع بأهمية كبرى في تطور نوعية نمط التجارة، ولها تأثير في تطور الاقتصاد المحلي والعالمي، فقد خلقت هذه الثورة نوعاً جديداً من التعاون والتبادل الاقتصادي أثّر بشكل كبير على ثروة الأفراد، وحسب إحصاءات للأسواق الأوروبية أصبحت هذه الصناعات والمستخرجات تشكل 7 ٪ من الناتج المحلي والإجمالي.
أما في الدول النامية نجد أن هذا القطاع لايزال في بداية الطريق وأن هذه البلدان تفتقر إلى توفر البنية الأساسية للاتصالات الإلكترونية كي تستطيع الاستفادة من منافع ثورة المعلومات.
وبخاصة فيما يتعلق بالتجارة الإلكترونية والتوجه نحو الاقتصادات الرقمية. في حين تتنافس دول العالم المتقدم في تحديثها لتقنياتها المعلوماتية وذلك من خلال جوانبها المختلفة سواء كان ما يتعلق بالجوانب المادية أو الجوانب البرامجية،.
ولذلك شهدت السنوات الأخيرة توجهات متطورة في تحسين جوانب صناعة هذه التقنيات، وذلك من خلال المنتجات المختلفة التي أخذت تغزو أسواق العالم، أو التكنولوجيات الحديثة التي توصف بأنها واعدة من خلال إمكاناتها المتطورة نسبة لما شهدته الحقب الزمنية الماضية.
ويتعايش سوياً مع هذا التوجه هاجس مهم لدى هذه الدول هو المسألة الأمنية والمتعلقة بهذه المنتجات لمساسها المباشر مع تطبيقات حكومية حساسة أو ارتباطها الوثيق مع الجوانب الاقتصادية المهمة.
ومن أهم ملامحها سرعة تطورها وتسارع نسقها وتواتر الأنباء الحاملة لأخبار الاختراعات الجديدة التي أصبحت منتظرة بين الفينة والأخرى في كافة مجالات الحياة بصرف النظر عن القطاع الذي ينتمي إليه الاختراع.
ولم يعد الشأن العالمي في مجال الاقتصاد المعولم رهين زوايا الإنتاج الثلاث المعهودة وهي العمالة ورأس المال والموارد الطبيعية وإنما أضيفت زاوية رابعة.
وهي المرتبطة بعنصر المعلومات التي توّلدت عنها نظرية الاقتصاد الافتراضي الذي أفرز بدوره التجارة الإلكترونية الحرّة التي عصفت بالمنظومة التقليدية في التعامل الاقتصادي ورافق ذلك تحطيم الحدود والمسافات التي كان يعاني منها الاقتصاد العالمي المادي ونتج عن ذلك كله أيضا نمط جديد من الحياة استوجب تغييرا سريعاً لنسق العيش.
وكيفية الإنتاج في إطار منظومة الاقتصاد اللاحدودي ( فالمعلومات هي المفتاح إلى عولمة الاقتصاد وشموليته)، ومن الواضح أن التجارة الإلكترونية تختلف عن التجارة التقليدية من حيث أنها لا تقتصر على دولة أو منطقة ما وأنها سريعة الحركة ويمكن الوصول إليها بسهولة.
ويمكن القول بأن الرأسمالية بلغت ذروتها في ظل الاقتصاد المعولم، وأن حجم الأرباح التي تجنيها الدول المتقدمة من جراء رفع القيود عن الاقتصاد والإلغاء التدريجي للرّسوم الجمركية يصعب تقديره.
ومن هذا المنطلق يتأكد الانتباه إلى فخاخ العولمة التي أضحت أسيرة السياسة وآثارها وقد بين الباحثان الألمانيان هانس بيترمارتين وهارالد شومان في كتابهما »فخ العولمة« ما يميز النظام الاقتصادي المعولم وتسّللا إلى الوجه المخادع له فلاحظنا مثلا أن الديمقراطية فيه مصيدة، وأن الدولار صار سلاحاً لا يقبل المنافسة، واقتناص الأرباح في نظام العولمة يضاهي سرعة الضوء،.
وأن الفوضى آتية من بنوك الأوفشور، وأن الانخراط في تلك المنظومة يخفي كميناً لانهيار غير متوقع كما وقع للنمور الآسيوية وأنه في ظل العولمة اندلعت أكبر كارثة محتملة في أجهزة السيطرة الإلكترونية على العمليات المعرفية.
وقياسا على ذلك فهناك ثمة أسئلة تحتاج إلى بيانات، منها ما مدى التقدم في مؤشرات تطور المعلوماتية والاتصالات في دول التعاون باعتبارها أيضا من مؤشرات اقتصاد المعرفة، وبالتالي مدى انعكاساتها على التجارة الإلكترونية ؟
وماذا أعدت دول التعاون من جهد لإزالة ما أسماه تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الفجوة الرقمية وهل أن تطور التجارة الإلكترونية في دول التعاون تحتاج إلى برمجيات متخصصة بمعطيات السوق العربية، أم يمكن الاكتفاء بتعريب البرمجيات العالمية وتوطينها؟ وما إمكانية استيعاب ظاهرة تصدير التكنولوجيا وموقعها بالنسبة للتجارة الإلكترونية العربية؟
ربما تقودنا هذه الأسئلة إلى أسئلة أخرى يمكن تداولها ومناقشتها في المؤتمر الخليجي الأول للتجارة الإلكترونية الذي سيعقد بأبو ظبي يومي 20و21 الشهر الجاري استنادا إلى قرار اتخذ في الأمانة العامة لدول المجلس بأن يقام المؤتمر بشكل دوري وسنوي للدول الأعضاء.
وتهيئ دول المجلس اقتصاداتها ومواردها البشرية لتكون عند مستوى الحدث والتحدي خلال انعقاده، فعلى الرغم من بعض التحديات فان هناك عدداً من الخطط والبرامج لإعداد اقتصادات خليجية تتعامل بشكل ملائم مع ما يفرضه واقع ومتطلبات الاقتصاد المعرفي.
فعلى سبيل المثال وليس الحصر شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة مدينة الإنترنت وقرية المعرفة، وفي عُمان واحة ومنجم المعرفة، وفي البحرين مشروع مدارس المستقبل.
وفي المملكة العربية السعودية والكويت وقطر برامج الحاسوب المنزلي، وتوقعت منظمة الاونكتاد أن يصل حجم التجارة الإلكترونية عربياً إلى سبعة مليارات دولار في نهاية عام 2005، وتبدو تقديرات حجم التجارة الإلكترونية العربية صغيرة مقارنة بحجم الاقتصاد العربي الذي يشكل 31% من السوق العالمية.
وعلى المستوى العالمي، فإنها تشكل اقل من عُشر في المئة من التجارة الإلكترونية العالمية، أي ما يساوي رُبع حصة دولة مثل هولندا!، وهذا يعود إلى الفجوة الرقمية الحاصلة في الوطن العربي، إذ لا يتجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي لأغراض التجارة الإلكترونية نسبة 6 %.
وتحظى الفجوة الرقمية حالياً باهتمام كبير سياسي واقتصادي وتكنولوجي وإعلامي. كما احتلت موقعاً بارزاً في القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي عقدت في ديسمبر 2003 في جنيف، فبعد أن أصبحت التجارة الإلكترونية حقيقة واقعة فإنه ليس بمقدور العاملين في مجالات المبادلات الاقتصادية تجاهلها.
ولكون آلية التجارة الإلكترونية ترتكز على بنى التجارة التقليدية، فلا بد من إحداث تغييرات أساسية في قوانين التجارة كي تتماشى مع القوانين المعمول بها عالميا، خصوصاً انتقال البضائع والخدمات والأموال ومن ثم فإن الدول مطالبة بتوفير بيئة قانونية مناسبة للتجارة الإلكترونية وإلا فإنها سوف تكون على الهامش في ذلك الاقتصاد الرقمي أو الشبكي، كما جاء في دراسة لمنظمة الاونكتاد.
باحث اقتصادي
E-mail: Kutaiba @ emirates .net .ae