تجنّبنا الحديث عن الأسهم في الشهر الماضي لأن شهر أكتوبر لا يُذكر إلا ليذكّر متابعي حركة الأسهم بما حدث في مثل هذا الشهر من أعوام ماضية كثيرة خصوصاً عامي 1929 و1987 عندما لعب انهيار الأسواق الأميركية في العام الأول أهم الأدوار في حلول مرحلة من أطول وأصعب مراحل الكساد الاقتصادي الدولي فلم تنته إلا بقيام الحرب العالمية الثانية.

ثم كاد انهيار العام الثاني يدفع الاقتصاد الأميركي ومن خلفه الاقتصاد العالمي إلى هاوية مرحلة جديدة من الكساد لولا تدخل مجلس الاحتياط الفديرالي (البنك المركزي) لسند الأسواق وتهدئة المخاوف.

ولا توجد طريقة واحدة لدراسة التطورات الاقتصادية الأهم التي تركت تأثيرتها العميقة في الاقتصاد العالمي خلال المئة سنة الماضية، لذا يخطئ الباحث الذي يحاول التنقيب عن سمات التماثل في كل تلك التطورات، أو في أهمها، ومن ثم اقتراح اتجاهات المستقبل اعتماداً عليها.

فالمنهج الأفضل هو دراسة كل حالة على حدة ومحاولة استخلاص الدروس منها بهدف أساسي هو حماية المستثمر فتشكّل الغيوم لا يعني دائماً حتمية حدوث البروق والرعود بل ازدياد احتمال حدوثها وبالتالي ضرورة رفع درجة الاستعداد لمواجهة الاحتمالات الجديدة.

وسأترك لتعليقات لاحقة مهمة استعراض أهم الدروس التي قدّمتها الانهيارات السابقة بهدف تلافيها أو التقليل من تأثيراتها في المستقبل، وسأركّز هنا على أهم العوامل التي لم تكمن فقط وراء الانهيارات بل أيضاً وراء الخروج السريع منها وهو السيولة النقدية التي يمكن تشبيهها بالدم في جسم الإنسان فإذا نفد فمن الصعب، بل من المستحيل أحياناً، تعويضه بالسرعة المطلوبة.

ويعرف من اطلع على التاريخ الاقتصادي الدولي منذ الحرب العالمية الأولى أن بقاء الولايات المتحدة خارج تلك الحرب في السنوات الثلاث الأولى عاد عليها بفائدة عظيمة إذ كانت تموّن طرفي النزاع معاً ووظفت استثمارات كبيرة في سندات الحرب التي اصدرتها بريطانيا.

ثم ساهم قرار الرئيس الأميركي ودرو ويلسون بالانضمام إلى الحلفاء (6/4/1917) في زيادة هذه الفائدة فكسبت بلاده جزءاً مهماً من التجارة الدولية الذي خسرته بريطانيا نتيجة دخولها تلك الحرب المدمرة.

وتابعت الولايات المتحدة بعد الحرب نموها الاقتصادي الكبير فتوافرت كميات هائلة من السيولة في يد المستثمرين الكبار صبّوها في أسواق الأسهم فتضخمت الأسعار تضخماً فاحشاً.

وكان جفاف السيولة يوم الخميس المعروف باسم »الخميس الأسود« (24/10/1929) أهم أسباب انهيار أسعار الأسهم في بورصة نيويورك في ذلك اليوم إذ عرض المستثمرون الخائفون كميات ضخمة من الأسهم للبيع دفعة واحدة بأي ثمن فلم تجد من يشتريها، وانسدت الأبواب في وجوه بعض المضاربين فآثر 11 منهم الانتحار.

وطرأ وضع مماثل في يوم أسود آخر (الاثنين 19/10/1987) عندما انهار مؤشر داو جونز أكثر من 500 نقطة، ثم بدأ تعامل اليوم التالي بتحسن عام ما لبث أن توقف ليتابع المؤشر هبوطه فتدخل مجلس الاحتياط الفديرالي لتهدئة السوق بالتعهد بضخ السيولة .

مما شجع بعض المستثمرين الكبار على العودة إلى السوق وبدء عملية شراء واسعة النطاق انقذت السوق، والاقتصاد الأميركي والعالمي من بعده، من احتمال ركود فكساد اقتصادي حقيقي.

ويمكن عموماً القول إن الأسهم في سوق رأسمالية ناضجة مثل السوق الأميركية هي الاقتصاد لكن هذا لا ينطبق على الوضع في أية دولة عربية حيث يسيطر القطاع الحكومي على قطاعات حاسمة يعتبرها البعض سيادية مثل البترول والغاز وما يلحق بها من بعض العمليات الرأسية والنهائية مثل تطوير المكامن.

والتكرير والتوزيع والتسويق، إلى جانب قطاعات اقتصادية مهمة أخرى تتميز بتداخل القطاعين الحكومي والخاص، ولذا لم تضع حكومات كثيرة آليات التدخل المناسبة في أسواق الأسهم في حال اهتزازها العنيف.

أضف إلى ذلك أن معظم البنوك المركزية العربية لا تتمتع باستقلالية اتخاذ القرارين المالي والنقدي، كما هو الحال في دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا (التي لم تنضم إلى النظام النقدي الأوروبي بعد).

ولذا فإن ثقل التزام رئيس مجلس الاحتياط الفديرالي بضخ السيولة في الأسواق التي هزّها الخوف ليس بثقل التزام كثيرين من نظرائه العرب على افتراض رغبتهم في تقديم مثل هذا الالتزام أو السماح لهم بتقديمه.

وصحيح أن مهمة البنوك المركزية لا تتضمن دعم أسعار الأسهم لكن إلى حد ما فمن المعروف أن البنوك المركزية تتحكم بأسعار الفائدة ويمكن أن يؤدي الافراط في رفعها إلى دفع السوق إلى الانهيار كما حدث في الولايات المتحدة عام 2001.

لكن الفارق بين تصرف البنك المركزي عامي 1929 و1987 ليس في حجب السيولة في الحالة الأولى وعرضها في الثانية فقط بل بين ترك انهيار الأسواق يقود أميركا إلى هاوية الكساد الاقتصادي العميق وبين تحويل الانهيار إلى حادث طارئ يجب على كل مستثمر توقع حدوثه.

إن النمو الاقتصادي الكبير الذي حققته دبي خلال السنوات العشرين الماضية، وخصوصاً السنوات السبع الماضية، ليس القاعدة في الخليج أو باقي العالم العربي بل الاستثناء.

وسيبقى استثناءً خلال السنوات العشر المقبلة على الأقل لذا من الضروري بالنسبة للمستثمر الانتباه إلى العامل الحاسم الذي يلعبه توافر السيولة في حركة الأسواق وإلى العلاقة الواضحة بين ارتفاع سعر النفط خلال الأشهر الثلاثة عشر الماضية وارتفاع أسعار الأسهم.

ولا يوجد سر كبير في تحقيق مؤشر أسهم الشركات السعودية مثلاً مستوى قياسياً جديداً (أكثر من 15200 نقطة) إذا حقق سعر النفط هو الآخر مستوى قياسياً جديداً.

كما لا يوجد سر كبير في العلاقة بين ارتفاع سعر النفط والغاز وارتفاع مستوى السيولة فالارتفاع الأول يغذي موازنات الدول المصدرة للبترول التي تغذي بدورها الانفاق والادخار اللذين يغذيان بدورهما السيولة التي يجد قسم منها طريقه إلى الاستثمار.

ومن المهم للمستثمر أن يراقب حركة الأسهم بعين وحركة سعر النفط بالعين الأخرى، لكن من المهم أن ينتبه المستثمر أيضاً إلى أن اقتصادات بعض الدول الخليجية العربية المصدرة للنفط لا تزال تعيش أجواء وصول سعر النفط إلى مستوى 40-45 دولاراً للبرميل وربما احتاجت إلى ما بين ستة أشهر وتسعة أشهر كي تعيش أجواء وصول السعر إلى مستواه الأعلى الحالي مما يفترض توافر كميات كبيرة إضافية من السيولة التي ستجد طريقها إلى الأسهم في الوقت المناسب.

* كاتب ومحلل اقتصادي

adel@bishtawi.com