سوق رأس الخيمة القديم يطلق عليه الناس هنا اسم "أبو الأسواق"، لكونه الأقدم على الإطلاق، ليس على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة فحسب، وإنما المنطقة الخليجية بأسرها.
والمعلومات المتوفرة عن السوق الذي لا يزال يحتفظ بمباني الجص القديمة، إنه كان قبلة يأتي إليه الرواد من كل فج عميق إما لممارسة البيع أو الشراء.
وعلى الرغم من التحولات التي شهدتها الساحة التجارية في وقتنا الحاضر نوعاً وأسلوباً وشكلاً، بيد أن سوق رأس الخيمة القديم لا يزال يحتفظ بشكل مبانيه التي يزيد عمرها على الخمسين عاماً.
ويشتم من بضائعه رائحة الماضي البعيد، بل إن رواده هم أنفسهم كبار السن الذين بقوا على قيد الحياة وإن كان مجيئهم هذه المرة لا لشراء أو بيع وإنما لاجترار سوالف الماضي والحديث عن الحاضر.
ويقول سالم عبيد راشد: نحن الآباء على قناعة بأن هذا السوق هو جزء لا يتجزأ من تاريخ المنطقة بأسرها والدليل على ذلك قيامنا بزيارته بصورة مستمرة.
ومن حسن حظ هؤلاء الرجال كبار السن أن بعضا من أندادهم لا يزالون يتواجدون داخل المتاجر القديمة يمارسون المهنة تماماً كما كان الحال في الماضي.
ويذكر سالم الذي تخطى الستين من العمر أن سوق رأس الخيمة القديم يزيد عمره على المئة عام، وقد لعب دوراً مهماً في حياة الناس، بل يمكن القول انه يمثل نقطة الانطلاق للنهضة الاقتصادية التي شهدتها المنطقة الخليجية إبان سنوات التطور الحالي.
ويومذاك كان السوق الواقع إلى جوار خور رأس الخيمة محط أنظار التجار الذين يقصدونه وهم يتأبطون كل ما هو ضروري ومهم لمسيرة حياة الناس في ذلك الوقت.
ويقول سالم في جلسة السوالف الآن شاركت فيها مجموعة من تجار الماضي في حقيقة الأمر فإن الحياة التي عاشها الأجداد ومن بعدهم آباء اليوم.
ونحن منهم كانت تتسم بالبساطة في كل ضروبها ولذلك لم تكن المتاجر مشحونة بالبضائع كما هي الحال الآن بل كل ما هنالك أشياء ضرورية لحياة الناس مثل المواد الغذائية والملابس والأواني المنزلية والغالبية منها تأتي من دول مثل الهند وإيران والصين وتركيا.
ويتدخل سعيد بن راشد الأصبح في النقاش موضحاً أن الحركة التجارية لسوق رأس الخيمة القديم كانت تعتمد على الروبية الهندية التي كان يتداولها المجتمع آنذاك.
ويقول الأصبح بصوت مشحون بالغضب ما نراه اليوم من ضيق في حياتنا المعيشية لم نر له مثيلاً في السابق أبداً والدليل على ذلك أن الواحد منا كان يذهب إلى السوق وفي "مخباه" روبيتين فقط ومع ذلك فإنه يشتري كل احتياجاته الأسرية بروبية واحدة ويعيد الأخرى إلى البيت ليشتري بها مرة أخرى.
ويضيف: حتى عندما بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة مسيرتها واختارت الدرهم كعملة رسمية كان يمكن للمرء أن ينجز أشياء شرائية مهمة بدرهم واحد.
أما اليوم فحدث ولا حرج فالرجل يدخل السوق أو المركز التجاري وفي جعبته الآلاف من الدراهم عندما يغادرها إلى منزله لا يبقى له منها شيء.
من وجهة نظر الأصبح، فإن دخول العناصر الوافدة إلى الساحة التجارية وسيطرتهم عليها تماماً كان من أسباب غلاء الأسعار بالصورة الجنونية التي نراها اليوم، لأن التاجر الوافد حسب قوله لا هم له سوى تحقيق أكبر قدر من الأرباح وبأي وسيلة كانت دون حرص منه على ما يترتب على ذلك من أضرار أو معاناة للمواطنين.
ويضرب مثلاً على ذلك بما حدث مؤخراً من ارتفاع غير مسبوق لأسعار المواد الغذائية واللحوم والألبان والأسماك.وهو يقول: إذا ما قارنا الأسعار السائدة اليوم بما يقابلها في الماضي فإن المرء يصاب بالجنون فعلاً وربما يخر مصروعاً على الأرض.
ولنأخذ مادة السكر كمثال على ذلك، ففي الماضي كنا نشتري الكيلو منه بربع روبية هندية، أما اليوم فقد تجاوزت قيمته خمسة دراهم، بالرغم من أن كل الظروف مهيأة بصورة أفضل من ذي قبل، بل إن السوق مليء بأصناف شتى من السكر المستورد من مختلف دول العالم.
ويعتقد الأصبح أن غلاء الأسعار الذي يشهده المجتمع اليوم لا مبرر مطلقاًَ مشيراً إلى أن كل ما هنالك هي لعبة تمارسها الشركات الكبرى ومن خلفهم التجار الكبار بقصد امتصاص ما في جيوب الناس من مبالغ نقدية وأيضا يتساءل الأصبح عن دور الجهات المسؤولة كالبلدية وغرفة التجارة!!
ويقول إذا جاز لنا ان نقبل ما يقوله هؤلاء بأن نظام السوق الحر لا يسمح بتدخل الجهات الرسمية في الأسعار فأنا أقول لهم هذه النظم ليست منزلة من السماء وإنما هي من صنع البشر وبالتالي يمكن تعديلها خاصة إذا كان المتضرر هو المواطن ليس غيره.
لكن محمد علي حسن أحد المشاركين في جلسة السوالف يطرح معالجة غلاء السوق بوجهة نظر أخرى تقوم على إجبار المواطن على دخول السوق ليس كمشتر فحسب وإنما لممارسة المهنة عملياً.
ويشرح حسن ذلك بقوله: إذا كنا نرمي باللائمة على الوافد كسبب في مشكلات السوق فلماذا لا ينزل المواطنون من سياراتهم القادمة ويدخلون السوق كبائعين وليس كمشترين فقط؟!
وهو يقول: باعتقادي أنه حين يكون من المواطنين هو اللاعب الأساسي في هموم الساحة التجارية فإن من شأن ذلك أن يحد من جميع الأخطاء والممارسات غير المسؤولة والمفتعلة أحياناً مثل رفع الأسعار والغش التجاري وغيرها لأن أبناء الديرة بحكم عاداتهم وتقاليدهم المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف يكونون أشد حرصاً على تجنب الأضرار بأهل بلادهم مقابل المكاسب المادية.
ويضيف: بالطبع لا يمكن أن نتحدث بجدية عن المتاعب التجارية وغلاء الأسعار في حين أن المواطن ليس لديه الاستعداد ان يكون موجوداً في السوق ممارساً للمهنة.
ولذلك فإن من الطبيعي ان ينتهز الوافدون الفراغ الناجم عن عدم ممارسة المواطن للتجارة ليكونوا هم الجالسين على سدة العمل في الأسواق.
ويقول عبيد: الأمر واضح كالشمس في السماء وهو أن البلدية وغرفة التجارة ودائرة الاقتصاد يتوجب عليها التدخل لوقف لهيب الأسعار المشتعل في كل متجر.
وحول الطفرة الاقتصادية التي تشهدها رأس الخيمة على وجه الخصوص يرى أنها لا يمكن أن تكتسب الأهمية المطلوبة إلا إذا كان للمواطن موطئ قدم فيها.
ويقول: بصراحة فأنا أعني بذلك ان يكون المواطن هو المشارك الحقيقي في تنفيذ برامجها كموظف أو مستثمر ويضيف: لكن الأهم من ذلك هو ان تأخذ الطفرة في الحسبان الأمر الضروري وهو تشغيل المواطنين والمواطنات.
ويؤكد عبيد ان العديد من أبناء وبنات الوطن نالوا التأهيل المطلوب سواء أكاديمياً في الجامعات والمدارس أو مهنياً في كليات التقنية ومع ذلك فهم يعانون البطالة.
ويقول: من يريد إن يعرف حجم العاطلين عن العمل فليذهب إلى الجهات المعنية بتسجيل العاطلين مثل "تنمية" أو شؤون الموظفين واعتقد أن عددهم من الجنسين يزيد عن الآلاف ولذلك فإن من الأهمية بمكان أن تتحرك الدولة من خلال أجهزتها المختلفة لوضع حد لهذه المعضلة الموجهة فكما نعلم فانه ما من أسرة إلا ويوجد فيها خريج أو خريجه تنتظر الوظيفة.
ويشدد عبيد على القطاع الخاص كلاعب أساسي في حل معضلة البطالة قائلاً في هذا الصدد: إذا كان القائمون على الشركات ومؤسسات القطاع الخاص غير عابئين بأمر تشغيل المواطنين والمواطنات فإن على السلطات الرسمية عدم الاستسلام لذلك بل عليها جعل الأمر فرضاً واجب التنفيذ مقابل عقوبات محددة لمن لم يمتثل لتشغيل المواطنين.
ويرى عبيد أن تشغيل المواطن هو الضريبة المهمة التي يتعين على الشركات سدادها لأهل الديرة وإلا فإن عليها الانصراف.من جهته يؤكد محمد إبراهيم أن الدولة لم تقصر تجاه مواطنيها فمنذ قيامها وفرت كل ما خطر لها أنه من أسباب الحياة الكريمة لشعبها وما من شك في أنها أفلحت في ذلك بتفوق ولعل دول العالم بأسرها تشهد على ذلك.
ويقول: الشيء الأكثر أهمية في جهود الدولة هو النشاط الاقتصادي الذي بات صرحاً قوياً بفضل النفط وبالتالي مكن أبناء الإمارات من العيش برفاهية غير منقوصة.ويضيف: إذا كان من قصور فإن ذلك يعود إلى المؤسسات التي تخطئ التخطيط والتنفيذ.
وكغيره من الناس فإن إبراهيم يأمل في أن تؤدي مرافق الدولة المختلفة دورها كما ينبغي لخدمة الوطن والمواطن خلال الفترة التي أطلق عليها رئيس الدولة فترة التمكين.وهو يقول ما سمعناه من قائد دولتنا أشاع البهجة في نفوسنا لأنه رسم معالم المستقبل واضحة.
أما خلفان جمعة كنفش فيؤكد أن الصيادين تأثروا بالظروف الاقتصادية التي تشهدها الدولة مشيراً في هذا الصدد إلى انه نتيجة لارتفاع الوقود بات الصياد عاجزاً عن ممارسة المهنة بالصورة المثلى.
ويقول: من يريد أن يعرف أحوالنا نحن الصيادين فليذهب إلى أسواق السمك حيث لا يرى سوى القليل من الأسماك والسبب في ذلك أن البترول بأسعاره الجديدة لا يسمح لأصحاب الطرادات بالبحث عن الأسماك في أعماق البحر حيث كميات الأسماك الضخمة.
رأس الخيمة ـ سليمان الماحي: