مسلسل »ريا وسكينة« الذي يعرض على شاشة تليفزيون دبي صاحبته مخاوف الفشل لتناول أحداثه في أكثر من عمل سينمائي وإذاعي ومسرحي إلا أن تلك المخاوف تبددت سريعا مع أولى حلقات المسلسل والتي سبق عرضه في فضائيات أخرى، فقد تميز بالإثارة والتشويق على مدار 35 حلقة، وبالتركيز على تفاصيل الحياة اليومية لأعضاء عصابة »ريا وسكينة« التي هزت جرائمها المجتمع المصري أوائل القرن الماضي، واهتمام السيناريست بالظروف الاجتماعية والنفسية التي دفعتهم لارتكاب تلك الجرائم حتى قبل نزوحهم من الصعيد الى مدينة الإسكندرية.

هذه التفاصيل لم تتوافر في أي من الأعمال السابقة سواء الفيلم الشهير للمخرج الراحل صلاح أبوسيف والذي قامت ببطولته نجمة ابراهيم وزوزو حمدي الحكيم، أو الفيلمان الكوميديان لإسماعيل ياسين ويونس شلبي، ولا حتى في المسرحية الاستعراضية الغنائية لسهير البابلي وشادية.

الجديد أيضا في هذا المسلسل أن كاتب السيناريو مصطفى محرم استمد دراما العمل من كتاب الصحفي صلاح عيسى »رجال ريا وسكينة« والمأخوذ من واقع ملفات القضية رقم 43 لسنة 1920 جنايات اللبان والذي يعد طوق النجاة لهذا العمل من احتمالات التكرار.

وسع السيناريست من دائرة الاهتمام بشخصيات أعضاء العصابة من الرجال ولم يغلق الدائرة على »ريا وسكينة« فقط كما حدث من قبل، وهو ما أعطى الفرصة للمشاهد للتعرف على شخصيات مجهولة في القضية مثل عرابي حسان الفتوة الذي كان شريكا أساسيا في كل جرائم ريا وسكينة وقدمه باقتدار الفنان أحمد ماهر، وعبدالرازق يوسف أحد أعضاء العصابة البارزين والذي كان له دور كبير في الإيقاع بعدد من السيدات من بين السبعة عشر ضحية اللاتي قتلن على يد العصابة وجسده الفنان صلاح عبدالله ببراعة شديدة، أما حسب الله وهو من الشخصيات الشهيرة في هذه العصابة وزوج »ريا« زعيمة العصابة فقد اهتم السيناريست بإظهار أبعاد جديدة في شخصيته تعرفنا عليها للمرة الأولى وجسدها سامي العدل بأسلوب السهل الممتنع فنجح في استفزاز مشاعر المشاهدين ضد هذا النموذج الفريد من البشر.

وفي المقابل كانت شخصية عبدالعال زوج سكينة من الشخصيات المحيرة التي يصعب على المشاهد أن يتخذ منها موقفا نظرا لترددها ما بين الخير والشر، وقد عبر الفنان رياض الخولي عن هذه الحالة بقدر كبير من الحساسية والبراعة في الأداء.

وتأتي شخصية »ريا« وهي الشخصية المحورية في المسلسل والتي جسدتها عبلة كامل كما عرفناها في كافة الأعمال السابقة شديدة القسوة، متحجرة المشاعر حتى على ابنتها الوحيدة »بديعة« أما سكينة فلأول مرة نراها على هذا النحو من الإنحلال الأخلاقي، فهي سكيرة، محبة للرجال، خائنة ومتمردة وفي بعض الأحيان تبدو ضعيفة، ولعلها المرة الأولى أيضا التي تقدم فيها شخصية سكينة على هذا القدر من الجمال »بعكس الصور الموجودة في ملفات القضية« وقد أدت سمية الخشاب الدور بنجاح.

ويحسب للمخرج جمال عبدالحميد قدرته الفائقة على التحكم في أداء الممثلين وخاصة عبلة كامل التي كانت تنزلق أحيانا الى الأداء التقليدي، ويحسب للإخراج اكتشافه قدرات كامنة في كل من سمية الخشاب وصلاح عبدالله، وبراعته في استخدام الإضاءة والاهتمام بالملابس والمكياج ولولا فقر الإنتاج وضعف الإنفاق والاضطرار الى الحكي كبديل لمشاهد ساخنة حية مثل مظاهرات 1919 وغيرها لخرج المسلسل بشكل أفضل بكثير مما شاهدناه.

الجديد أيضاً في المسلسل إظهار سلبية جهاز الشرطة في مواجهة هذه الجرائم المدبرة البشعة والتي اكتشفت بالصدفة عند حفر أرضية بيت سكينة والكشف عن الجثث أسفلها ما اختلف عن فيلم صلاح أبو سيف الذي منح الشرطة في هذه القضية بطولة زائفة لا تستحقها من خلال دور الضابط الذي لعبه الراحل أنور وجدي في فيلم »ريا وسكينة«، بينما أعطى المسلسل للنيابة حقها في كشف ملابسات القضية وربط الأحداث ببعضها وهو ما أدى الى لف حبل المشنقة حول رقاب أفراد العصابة.

أجاد النجم الشاب فتحي عبدالوهاب تجسيد شخصية وكيل النيابة وكان بطلا للحلقتين الأخيرتين، كما أن استعارة المؤلف لبعض الجمل من واقع الملفات كان لها أثر بالغ في نفوس المشاهدين وقد وردت على لسان رئيس المحكمة وخاصة تلك الجمل التي أكدت أن القضية لم يسبق لها مثيل منذ تأسيس المحاكم المصرية وأنها المرة الأولى التي ينفذ فيها حكم الإعدام في السيدات في مصر وهي المرة الأولى ايضا التي ينفذ فيها حكم الإعدام داخل السجون المصرية.

وأضافت أشعار أحمد فؤاد نجم وألحان وأداء عمار الشريعي وصوت خالد عجاج في »التتر« كثيرا للدراما وجاءت ضمن نسيج العمل، ويعتبر السيناريست مصطفى محرم النجم الحقيقي لمسلسل »ريا وسكينة« والذي استعاد به مكانته ككاتب تليفزيوني متميز بعد إخفاقه في ثلاثة مسلسلات سابقة ولعله أراد أن يصالح جمهوره فاستجمع كل إمكاناته في صياغة هذا العمل وعاد الى التراث اللغوي لتلك الفترة وأخرج منها ألفاظا شعبية إسكندرانية تلاشت بفعل الأيام وكان لهذه الألفاظ دور كبير في التجسيد الواقعي للأحداث.

وفي النهاية كان للمخرج المبدع جمال عبدالحميد مايسترو هذا العمل بصمات واضحة في كل كبيرة وصغيرة حتى عند اختياره للأدوار الصغيرة بدءا من مريم الشامية »صفاء الطوخي« صديقة سكينة وحتى الطفلة الصغيرة التي جسدت دور »بديعة« ابنة ريا في المسلسل.

القاهرة – محمد هشام: