كل الذين التقوا بالمخرج مصطفى العقاد، واجروا معه نقاشات ولقاءات صحافية، قاموا بهذا في بهو فندق يحل ضيفاً عليه، وكل الذين حاوروه خرجوا بنتيجة أنه لم يضف شيئاً على ما قاله منذ عشر سنوات على الأقل هو الكلام ذاته والأفكار ذاتها، وكل الذين وقفوا ضده قالوا هذا الرجل نضب هما فيلمان فقط وماذا بعد ذلك؟

جلست الى جانبه قبل شتاءين في العاصمة أبوظبي، وأسرد له هذه الاتهامات في حديث على هامش كلام كثير نشر بعض منه، فيضحك بعد ان يغب من تبغه المفضل في "البايب" ليقول: عندما اخترت العنوان لفيلمي الأول في السبعينات "الرسالة" كنت أعلم أن الفيلم سيكون تحفة إسلامية وعربية متميزة وقطعت عهداً على نفسي، أن ألتزم بالرسالة التي لن أساوم عليها أبداً.

وأن أقدم العرب في أفضل صورهم على الإطلاق، ولابد من الإشارة هنا الى أني أعيب على معظم الأفلام السورية والمصرية تقديم الجانب السلبي في المجتمعات العربية، رغم ان العرب في فترة أحوج لتقديم الجانب الإيجابي جداً في مجتمعاتهم.

لان غسيلنا الوسخ يجب ان يبقى حبيس البيت وألا يخرج للآخر، وأعلم أن السينما العربية وبعض السينمائيين العرب متأثرون بأيديولوجيا ما وبأنهم غير قادرين على التعامل مع غيرها في عالم الفن،.

ولكن الأيام ستثبت لهم دقة كلامي وصدقه، لقد تعبت كثيراً مع انطوني كوين حتى اقنعته بضرورة أن يؤدي دور عمر المختار، كما تعبت في سبيل اقناع شين كونري بأن يقدم دور صلاح الدين، لأن العالم كله سيتابع صلاح الدين إن أداه كونري كما تابع رسالتنا.

ونحن نقدم عمر المختار، أنا أحترم أحمد مظهر وجمال سليمان، وكل من غامر بتقديم صلاح الدين، ولكن أعتقد ان حجم الإقبال سيختلف في حال كان كونري هو البطل وحينها نستطيع ان نقدم صورتنا للعالم.

وعن الاتهامات بعدم تقديم أفلام إضافية أشار العقاد: التقصير ليس بسببي بل بسبب العرب أنفسهم أنهم غير مهتمين بالفن والسينما، ويعتبرونها ترفاً زائلاً ولولا القذافي لما خرج الفيلمان اللذان يقال عنهما انهما عظيمان للنور، لقد قام بتمويلهما ولو أتقن العرب صياغة حروبهم الإعلامية لدعموا كل مشروع فني يسهم في رفع أسهمهم عالمياً، منذ أكثر من عشر سنين.

وأنا اتحدث عن مشروع صلاح الدين ولكن لم أتلق أي تمويل جاد من أية مؤسسة عربية في تقديم العمل بل على العكس صاروا يقولون انني أشحد من أجل الفيلم، حسناً لا مانع لدي ان اشحد لاقيم قيمة فنية وتراثية راقية للأجيال العربية.

وان اطلب مرة واثنتين وثلاث على أن افقد احساسي بنفسي وأخيب أمل رسالتي التي تعيش في داخلي، من المهم جداً ان اقدم الإسلام الآن كما هو الإسلام حقيقة، لا كما يروجه اليهود والحاقدون عليه أو كما يعرفه المتطرفون والمتعصبون.

العقاد يحب سكن الفنادق والغريب ان لديه بيتاً جميلاً جداً في دمشق المحببة على قلبه ورغم ذلك يفضل الفندق عليه يعلق ضاحكاً على هذا: ربما أحمل بعضاً من تفاصيل اسمي أنا معقدها شوي الجميع يستغربون أنني أفضل الفندق ولكنهم يجب ان يعرفوا ان الفندق فيه ناس.

وأنا عندما آتي الي بلدي فهذا كي أرى الناس واتحدث معهم، والبيت لن يوفر لي هذه المتعة، وجودي بين الناس يوفر علي سؤال فلان أو آخر عن مستجدات البلد والاستماع اليهم ربما لا توازيها متعة أخرى بالنسبة لي.

وأخيراً قبل ان أختم كلامي معه، قلت له الموت هل يلاحقك فأجاب بعد صمت قصير: »أنا دون سواي لا، ولكني مقتنع انني سأمضي اليه في يوم من الأيام وأنا مسلم ومؤمن بالله ومارست قناعتي كاملة في أميركا وأحمد الله انني استطعت ان احصل على احترام الجميع في الوقت الذي احمل فيه اسماً اشكالياً »مصطفى«.

ولكنني استطعت ان اخترقهم وان اقدم ما رأيته مناسباً للعرب والإسلام، وحسبي انني اجتهدت ولكن آمل ألا يخطفني الموت قبل ان انهي صلاح الدين أولاً، ومن بعدها سلسلة المشاريع التي يزدحم بها رأسي.

انتهى الكلام عند هذا الحد وقبل أن أغادر قال ان سؤالي عن الموت أقلقه، فهو ان لم يأت أحد على ذكره ينساه ويتكاسل في أداء عمله في حين المطلوب منه أكثر من ان يتقاعس بكثير.

مصطفى العقاد صاحب أهم فيلم رصد سيرة ذاتية في عمر المختار، ترى من سيخرج فيلماً عن سيرتك الذاتية، وما هي الألوان التي سيختارونها حينما يهجم عليك الموت، تغيب عن الوعي فتنقلك سيارات الاسعاف لتعيش ساعات غائباً عن الوعي في أحد المشافي الأردنية، هل يستطيع الفن ان يداعب أحلامك وذكرياتك وأيامك السوداء؟ وهل ستسمح هوليوود لمخرج جديد بأن يعرض سيرتك الذاتية، مصطفي العقاد بحق هل كنت عبئاً علينا.. أم عليهم..؟

ويذكر ان باكستان منعت عرض الفيلم على أراضيها.

*العقاد.. والتطرف

اليوم توجد موجة تطرف خطيرة وبدأت تظهر في العراق بشكل فجائي، فالتطرف هو عين الجهل ولا أقصد التطرف الديني فقط التطرف في مفهومه العام هو عامل إضعاف للكائن البشري، سأروي لك قصة لأصور لك جهل الإنسان المتطرف.

شاءت الظروف أن أتحدث مع أحد الأشخاص المتطرفين بشأن سيناريو يتعلق بأحد أفلامي وبينما كنا نتحدث، قال لي: إن ما تفعله حرام في حرام وسيجازيك الله على أفعالك المشينة، كيف تقدر أن تخلق في الصور روحاً لتحركها؟!.

سألته: هل الصور التي تصدر في المجلات حرام؟.

أجاب قائلاً: لا هذا تجميد للظل مسموح به.

حاولت عبثاً أن أوضح له أنني فقط أحرك الصورة في السينما ولا أخلق فيها روحاً وبشيء من العصبية علق قائلاً: "هذا الشخص كافر" ولا يدري دون أن يعلم أعطاني صفة الخلق وهذا من شأن رب العالمين وحده عز وجل، ألا يدرك هذا الشخص أن الذي اخترع نظرية التصوير كان مسلماً وعربياً هو "الحسن ابن الهيثم الأندلسي"!!.

جمال آدم