لم يضرم »المحرومون« النيران فيما يزيد على 1000 سيارة على مدى أسبوعين متتاليين في أسوأ اضطرابات اجتماعية تشهدها فرنسا منذ المظاهرات الطلابية في أواخر عقد الستينات فحسب، بل أضافوا كذلك عاملا إضافيا وراء تراجع سعر صرف اليورو أمام الدولار إلى أدنى مستوياته على مدى عامين. وذلك إلى جانب عوامل أخرى.

وتتضمن هذه العوامل ضعف إقبال الدول النفطية على شراء اليورو في إطار خطط تنويع احتياطياتها، واتساع الفارق في أسعار الفائدة بين الفائدة الأوروبية ومثيلاتها الأميركية لصالح الأخيرة، وظهور مؤشرات تدل على قوة أداء الاقتصاد الأميركي، مقابل بيانات اقتصادية تبرهن على استمرار حالة الضعف الاقتصادي في منطقة اليورو.

وخلف غضب المحرومين على أشكال التمييز الاجتماعي والاقتصادي والذي انطلقت شرارته في احدي ضواحي باريس ليمتد إلى ما يزيد على 300 مدينة فرنسية.

ولينذر باتساع نطاقه الجغرافي ليشمل دولاً أوروبية أخرى كبلجيكا وألمانيا،شكوكا حول قدرة النظام الاقتصادي المتبع في منطقة اليورو على معالجة الأوضاع الاجتماعية الهشة في العديد من الدول الأوروبية.

وترك المحرومون وراءهم صورة مختلطة عن أفق الاقتصاد الفرنسي والذي يعد ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو يبرز فيها التباين في التقييمات ووجهات النظر حول أثر هذه الانتفاضة على مناخ الأعمال وثقة المستهلكين وإمكانيات النمو، مابين القول بأن هذه الانتفاضة هزت ثقة المستثمرين في اليورو.

وأضعفت معنويات المستهلكين، وأودت بعلامات تعافي النمو الاقتصادي، و القول إن التأثير الاقتصادي لهذه الانتفاضة سيكون محدودا مادامت لم تمتد إلى مناطق فرنسا الغنية.

تراجع اليورو مقابل الدولار

في 9 نوفمبر الجاري ارتفع الدولار أمام اليورو لليوم الخامس على التوالي، وتعززت مكانة العملة الأميركية عند سعر 1.1723 دولار لليورو، وهو أعلى سعر سجلته منذ نوفمبر 2003.

وذلك على خلفية التكهن باتساع فروق أسعار الفائدة بين منطقتي اليورو والدولار نتيجة لقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع سعر الفائدة سبع مرات في الوقت الذي أبقي فيه البنك المركزي الأوروبي على سعر الفائدة الأوروبية دون تغيير، وبالتالي قفزت العملة الأميركية أمام اليورو بنسبة 13% خلال العام الجاري .

وفي اليوم السابق عليه أي في 8 نوفمبر، ووفقا لنظام التداول الآلي EBS، تراجع اليورو من 1.1805 دولار في اليوم السابق إلى 1.1729 دولار، وسجل خلال جلسات التداول 1.1710 دولار وهو أدنى سعر له منذ نوفمبر 2003.

انتفاضة المحرومين

وشكلت موجة العنف التي ضربت عددا من الضواحي والمدن الفرنسية، وبروز احتمالات امتدادها إلى كل من ألمانيا وبلجيكا، أحد أسباب تهاوي العملة الأوروبية الموحدة أمام 13 عملة رئيسية في ظل تقييمات بأن هذه الموجة قد هزت ثقة المستثمر في اليورو،وأثقلت على معنويات المستهلكين، وخلقت شكوكا في أفق النمو الاقتصادي.

وردعت الاستثمار في الأصول المقومة باليورو ، وعليه توقع محللون فنيون المزيد من التراجع في سعر صرف اليورو ليصل إلى 1.1635 دولار، بل وحتى مستوى 1.1450 دولار.

وعبر عن هذه التقييمات العديد من محللي العملات، فمن جانب قدر بول ماكيل محلل العملات في بنك أيه بي إن أمرو هولدنج أن المظاهرات في فرنسا هزت الثقة في العملة الأوروبية الموحدة، حيث انهارت مستويات المقاومة.

وهو ما دفع بها إلى معدلات متدنية نتيجة الأوامر الآلية ببيع العملة الأوروبية وشراء الدولار وتصدر هذه الأوامر من جانب المتعاملين في حال ما إذا كانت خياراتهم غير صائبة .

وفي الإطار ذاته، عبر جون لي محلل أسعار الفائدة باركليز كابيتال عن اعتقاده بأن أعمال الشغب في الضواحي الفرنسية.

أثارت القلق بشأن الطريقة التي بها تتطور أوروبا سياسيا واجتماعيا، مضيفا أن اندلاع المظاهرات في فرنسا، وبروز احتمالات لامتدادها لأماكن أخرى في أوروبا يوضحان مدى هشاشة الوضع الاجتماعي.

وتصاعد الاستياء من ارتفاع معدلات البطالة وتدني مستويات المعيشة. وصور آندريس هاهنير محلل العملات في Dresdner Kleinwort Wasserstein جلسات التداول بأنها أشبه ما تكون بجلسات اختبار مدة قوة اليورو حيث حاول المتعاملون اختبار إلى أي مدى يمكن أن يتراجع اليورو.

ويتفق بعض المحللين مع هذا التقييم ويقولون إنه يمكن أن تؤدي الاحتجاجات العنيفة إذا استمرت إلى تعميق مشاعر استياء الفرنسيين من ضعف النمو الاقتصادي .

ووصول معدل البطالة إلى 10%. وفي هذا السياق ، قدر نيكولاس بوزو كبير الاقتصاديين في مؤسسة »زيرفي« أن العنف سيؤثر على نحو كبير على مدى الثقة في الاقتصاد الفرنسي.

وفي مقابل هذه الآراء، هناك من يقلل من أهمية المضاعفات السلبية التي ستخلفها موجة العنف على الاقتصاد الفرنسي ، حيث يرى إيمانويل فيري المحلل الاقتصادي في Exane-BNP أنه مادامت أعمال العنف بعيدة عن المناطق الغنية في فرنسا فإن هذه الاضطرابات التي تشهدها فرنسا لن يكون لها تأثير كبير على الاستهلاك.

وأضاف انه على الرغم من أن موجة العنف قد سلطت الضوء على المشكلات الاجتماعية في فرنسا ، إلا أن نطاق العنف ما زال محصورا في بعض المناطق ، ومن غير المحتمل أن يؤدي إلى إحداث تغيير في ثقة المستثمر.

وعبر تين درايسما المحلل في مؤسسة مورجان ستانلي عن وجهة النظر ذاتها بإشارته إلى أن الأحداث الدرامية التي شهدتها فرنسا سلطت الضوء على خطورة المشكلات الاجتماعية،لكن أسواق العملات تتحرك وفقا لآفاق سعر الفائدة.

ومعدل النمو الاقتصادي وقدرة الشركات على الابتكار، ولم يطرأ تغيير على هذه المواضيع ويخشي محللون من أن تؤدي موجة العنف إلى وأد العلامات الهشة والوليدة لتعافي نمو الاقتصاد الفرنسي .

حيث قدر صندوق النقد الدولي بأن الاقتصاد الفرنسي سينمو بنسبة 1.5% خلال هذا العام و1.8% في عام 2006. وفي هذا الإطار، توقع مارك تواتي الاقتصادي في بنك Natexis Banques Popularies أن تظهر نتائج اهتزاز ثقة الأعمال في خطط التوظيف المقبلة للشركات.

مشيرا إلى أن مواكبة اهتزاز ثقة الأعمال مع ضعف معنويات المستهلكين سيؤدي إلى وأد تعافي أفق النمو الاقتصادي ، سيضر بصورة فرنسا كمقصد للاستثمار الأجنبي المباشر، وأن الميزة الوحيدة للمظاهرات إنها ساهمت في إضعاف اليورو، مما سيجعل صادرات منطقة اليورو أكثر تنافسية.

لكن رغم وطأة غضب المحرومين الفرنسيين على سعر صرف اليورو إلا أنه لم يكن سوى عامل ضمن عوامل أخرى ضاغطة على العملة الأوروبية الموحدة ويبرز في هذا الصدد ما تردد عن ضعف إقبال الدول النفطية على شراء اليورو في إطار خططها لإعادة هيكلة احتياطياتها.

حيث يقدر محللون أنه رغم مثالية الظروف الحالية لشراء اليورو بحكم انخفاض سعره إلا أن البطء قد اعترى وتيرة قيام البنوك المركزية في الدول المصدرة للنفط بشراء اليورو.

ونقلت هذه التحليلات عن حمد سعود السياري محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي »البنك المركزي« قوله بأن الدولار يجني جوائز معدلات الفائدة المرتفعة والنمو المتواصل وتدفق الاستثمارات من قبل الشركات.

الشكوك حول رفع الفائدة

وألقى اجتماع وزراء مالية الدول الأعضاء في منطقة اليورو بظلال داكنة على أفق قيام البنك المركزي برفع الفائدة الأوروبية، مما شكل سببا إضافيا للتراجع في سعر صرف اليورو.

بالنظر إلى تراجع التوقعات بأن يقوم البنك برفع معدل الفائدة في ديسمبر المقبل، الأمر الذي سيقود إلى اتساع فارق أسعار الفائدة بين منطقتي اليورو والدولار لصالح الأخيرة.

فقد اجتمع وزراء المالية الأوروبيون خلال الأسبوع الماضي حيث ناقشوا مدى حاجة البنك المركزي الأوروبي لتحريك أسعار الفائدة التي ظلت عند مستوى 2% على مدى خمسة أعوام بهدف كبح التضخم وفسر محللون التصريحات التي صدرت عن الوزراء في أعقاب الاجتماع بأنها تعكس وجود خلافات في الرأي بين الدول الأعضاء بخصوص هذا الموضوع.

كما أنها تقلل التوقعات بأن يقوم البنك برفع الفائدة خلال اجتماعه المقبل في ديسمبر المقبل، ما يثير التساؤلات حول مدى استقلالية البنك في مواجهة الدول الأعضاء في منطقة اليورو.

وفي الوقت الذي صرح فيه قال جان كلود جانكير وزير مالية لوكسمبورغ بأنه تم إبلاغ البنك المركزي الأوروبي بأنه يجب عدم اتخاذ قرارات متسرعة، خرج جان كلود تريشيه رئيس البنك المركزي الأوروبي ليقول إن البنك على استعداد لرفع معدلات الفائدة في أي وقت لكبح التضخم في منطقة اليورو .

وفسر محللون على غرار داي ساتو نائب رئيس إدارة الصرف الأجنبي في ميزوهو كوربوريت بنك هذه التصريحات بأنها تزيد الشكوك حول مسألة رفع سعر الفائدة.

وبالتالي، فإنه يوجد القليل من الحافز لشراء اليورو في الوقت الذي ما زالت الشكوك تحيط بمسألة رفع الفائدة الأوروبية.

واعتبر كثير من المحللين أن جان كلود تريشيه رئيس البنك المركزي الأوروبي كان قاب قوسين من الإعلان عن رفع الفائدة خلال الاجتماع المقبل لمجلس محافظي البنك في ديسمبر المقبل حيث سيتم النظر في موضوع استقرار الأسعار في منطقة اليورو.

وتعززت توقعات المحللين برفع الفائدة بناء على تحذيرات مسؤولي البنك من ارتفاع معدل التضخم.

حيث عبر تريشيه عن استعداد البنك لتحريك معدل الفائدة في أي وقت، عندما يكون ذلك مطلوبا،وفقا للتفويض الممنوح له.وتناقض هذا التصريح مع تصريحه في شهر مايو عندما وجه له السؤال، حيث أجاب أننا بالتأكيد غير مستعدين لأي خفض في الفائدة.

وجاء التحول في موقف البنك المركزي الأوروبي خلال اجتماعه في أثينا في 6 أكتوبر حيث استخدم تريشيه كلمة »اليقظة الشديدة«strong vigilance خلال المؤتمر الصحافي الذي تم فيه الإعلان عن اتخاذ قرار الإبقاء على سعر الفائدة.

ويعد استخدامه لهذا المصطلح بمثابة المرة الأولى على مدار عام. وهو مصطلح يوازي مصطلح »التكيف في السياسات« policy accommodation الذي يستخدمه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في التعبير عن سياساته النقدية في رفع أسعار الفائدة.

ويشير محللون إلى غياب عنصر الإجماع بين الدول الأعضاء في منطقة اليورو بخصوص رفع الفائدة، ويشير هنا دومينيك وايت المحلل الاقتصادي ف أيه بي إن أمرو هولدنج إلى أنه في الوقت الذي يدعو فيه الأعضاء الألمان في مجلس محافظي البنك إلى رفع معدل الفائدة يعارض الأعضاء البرجماتيين مثل هذا التحرك.

ويحثون البنك على الانتظار إلى حين توافر دلائل ملموسة تؤكد استمرارية تعافي النمو الاقتصادي، وخلص إلى أن غياب عامل الإجماع قد يؤجل رفع الفائدة.

وقد صاغ تريشيه عبارته بشأن رفع الفائدة وذلك للمرة الأولى منذ توليه منصبه كرئيس للبنك المركزي الأوروبي، فهي فرصة من وجهة نظر بعض المحللين لتأكيد استقلالية البنك، علاوة على توبيخ السياسيين الذين تجاهلوا القواعد بشأن عجز الموازنة.

وتدعم موقف البرجماتيين تحليلات تقلل من أهمية مخاطر التضخم، وترى أنه على الرغم من مرور عشرة أشهر على وصول التضخم إلى مستوى 2 % وهو الرقم المستهدف للسياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي.

إلا أن المعدل ارتفع طفيفا ليصل إلى 2 % خلال شهر سبتمبر، بل انه تراجع عن المستوى الذي سجله في شهر أغسطس الماضي والبالغ 2.6% وفي هذا الإطار، فقد صرح رودريجو دي راتو المدير الإداري لصندوق النقد الدولي بأنه إذا لم يكن هناك علامات واضحة تدل وجود ضغوط تضخمية .

وهو أمر لم نره، فإنه يجب أن تبقى السياسة النقدية على ما هي عليها في الوقت الحالي. واستدرك قائلا »نحن لا نرى التضخم كسبب لتحريك سعر الفائدة حتى الآن«.

قوة أداء الاقتصاد الأميركي

ورغم أن البنك المركزي الأوروبي تمتلكه نوازع القلق من صعود الأسعار إلا أن البيانات الصادرة في الأسبوع الماضي توضح أن معدل توقعات التضخم للدول الأعضاء في منطقة اليورو قد قفز على مدى الأشهر الأربعة الأخيرة.حيث قفز مؤشر Economic Cycle Research Institute إلى 104.1 نقاط في سبتمبر من 103.3 نقاط في شهر أغسطس.

وهو أعلى مستوى على مدى خمس سنوات،كما توقعت اللجنة الاستشارية الاقتصادية للحكومة الألمانية أن ينمو الاقتصاد الألماني خلال العام المقبل بنسبة 1% ، وهو ما يقل عن التقديرات الرسمية التي توقعت أن ينمو الاقتصاد بنسبة 1.2 .

وعلى الوجهة المقابلة، تشير البيانات الصادرة في منطقة الدولار إلى مواصلة التحسن في أداء الاقتصاد الأميركي، وهو ما أضاف المزيد من الضغوط على اليورو وفي رأي تريفور ويليامز كبير الاقتصاديين في مؤسسة Lloyds TSB Financial Markets. أن القلاقل في فرنسا لا تساعد وحدها في تفسير التراجع في قيمة اليورو ولكن يكمن السبب الرئيسي في استمرار تحسن الاقتصاد الأميركي.

وفي هذا الإطار، تنبأ صندوق النقد الدولي بتحقيق منطقة اليورو نموا نسبته 1.2% خلال هذا العام في حين توقع بأن ينمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 3.5% وأظهر تقرير التوظيف تراجع معدل البطالة فضلا عن وجود التوقع سائد في السوق.

وفي هذا السياق، يقول سيمون ديريك محلل العملات في بنك نيويورك إنه من المحتمل أن تستمر أسعار الفائدة الأميركية في الصعود ، وهو ما يأتي لصالح الدولار على المدى المتوسط .

وتقول مونيكا فان محللة العملات في RBC Capital Markets Ltd بان هناك قلقاً بشأن قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، ومن ثم، فإن سعر صرف اليورو في مواجهة الدولار سوف يتعرض لمزيد من الضغوط خلال الأجل المتوسط، الأمر الذي سيهوي باليورو إلى 1.16 دولار .

وقال تيم فوكس محلل العملات في Dresdner Kleinwort Wasserstein انه حتى لو رفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة ، فإن الزيادة ستكون طفيفة لترتفع إلى 2.50 % ، ولكن الفجوة بينها وبين الفائدة الأميركية ستظل متسعة.

كتب مجدي عبيد: