يشعر خبراء الاقتصاد الأميركيون بالحيرة هذه الأيام لأن الأميركيين ينفقون ببذخ في مراكز التسوق لكنهم يعربون عن التشاؤم في استطلاعات الرأي. والرخاء في البلاد واسع النطاق بعدة مقاييس، وفق تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" فالعائلات الأميركية تنفق وتجدد المنازل بسرعة كبيرة.
والمتوقع أن تصل مبيعات المنازل القائمة إلى 7.1 مليارات وحدة، وهو رقم قياسي للعام الجاري. وزاد معدل التوظيف منذ منتصف عام 2003 بمقدار 4.2 ملايين وظيفة. ومعدل البطالة مستقر عند 5% وهو رقم قياسي في الانخفاض.
لكن الأميركيين يعربون عن التشاؤم في استطلاعات الرأي فقد بلغ مؤشر ثقة المستهلك 74.2 في أكتوبر في استطلاع أجرته جامعة ميشيجان، وهو انخفاض كبير مقارنة برقم 96.5 في يوليو، وهو ثاني أكبر انخفاض خلال ثلاثة أشهر (كان الأول عام 1995 خلال الركود الاقتصادي القياسي).
وقد يشير هذا الاستطلاع وغيره إلى ركود أو تراجع اقتصادي، وهناك علامات تثير الاهتمام. في أكتوبر مثلاً انخفضت مبيعات السيارات والشاحنات بنسبة 14%.
ورغم أن أسعار الوقود تنخفض فلا تزال أعلى من العام السابق. وسيواجه أصحاب المنازل تحدياً في دفع فواتير التدفئة مما يعكس ارتفاع تكلفة الطاقة.
ويقدر مارك لفنسون الخبير الاقتصادي في جي بي مورجان أن يزيد متوسط تكلفة الطاقة للمنزل في الشمال الشرقي 900ـ1000 دولار وإلى 700ـ800 دولار في الغرب الأوسط، مقارنة بالعام الماضي. وقد تتراجع طفرة العقارات أو حتى تتوقف.
وقد يؤدي اقتراض أصحاب المنازل وارتفاع أسعارها وارتفاع الإنفاق النقدي إلى التأثير على الإنفاق على السلع. وإذا حدث ركود بالفعل سوف يختفي الفارق الكبير بين الاقتصاد القومي حالياً والتشاؤم في الرأي الاستهلاكي بالطبع.
غير أنه حتى يحدث ذلك يعتقد خبراء الاقتصاد أن هناك تفسيراً آخر للتناقض بين الإنفاق الاستهلاكي وتشاؤم المستهلكين في الاستطلاعات، وهو ما تبقى من طفرة التسعينات.
يقارن الأميركيون في اللاوعي بين كل ما يحدث الآن وما حدث من قبل. وتكون المقارنة في مصلحة الماضي الذي يفوق الحاضر، فلا يبدو أي شيء تقريباً الآن في جودة ما كان عليه في السابق. فقد كان الأميركيون في طريقهم إلى عدم الاكتراث بأي مشكلات مستقبلاً.
كان الانترنت كل شيء وسيطرت الشركات الأميركية عليه، واختفت دورة الأعمال أو كادت، وأسعار الفوائد والتضخم منخفضان، ويبدو أن أسعار الأوراق المالية في ارتفاع مستمر. وبدأت تتقلص عجوزات الميزانية.
ومعدل البطالة منخفض. ويستطيع الاقتصاد الأميركي القوي أن يصمد أمام أي شيء (مثل الأزمة الاقتصادية الآسيوية عام 1998). هذا ما كان يعتقده الأميركيون.
غير أن مستويات ثقة المستهلك في استطلاع ميشيجان التي كانت مرتفعة في التسعينات ارتفاعاً قياسياً والارتفاع القياسي الآخر في يناير 2000 ليصل إلى 112 نقطة، لم يكن محض مصادفة، فلم يكن السبب هو الأداء الاقتصادي الجيد فقط.
فقد كان ما يميز هذا الأداء أنه حدث بما يفيد أن الأميركيين يعتقدون أنه أمر مسلم به، وأطلقوا عليه اسم الاقتصاد الجديد، بما يعني أن قواعد اللعبة تغيرت، وكانت هناك تفسيرات لهذا الاتجاه.
من هذه التفسيرات التكنولوجيا الجديدة وانتهاج ممارسات مبتكرة وليدة اللحظة وانتعاش الأعمال. كانت هذه الأسباب مقنعة، ولكنها لم تكن حقيقية في الوقت نفسه.
ما يثير السخرية أن الأميركيين قد تخلصوا من القلق والانفعال تماماً، الآن أعادوا تقييم الأمور لأسباب عدة، يخشى الأميركيون تفوق الصين وفقاعة المنازل (ويتذكرون انفجار فقاعة أسهم شركات الانترنت) ويخشون تأثير حرب العراق.
وتنعكس أسباب القلق على استطلاعات الرأي الاستهلاكي، فقد انخفضت ثقة الناس في المستقبل، لكن لماذا يستمرون في الإنفاق بثقة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي أن قرارات الإنفاق الشخصي لدى الأميركي لا تعتمد بصفة عامة على الوضع الاقتصادي العام، بل على الظروف الخاصة لكل شخص، وهذه الظروف لم تشهد تغيرات كبيرة.
ورغم أن الثقة انخفضت فإن التغيرات في مستويات المعيشة والثروة لم تتغير كثيراً. في أواخر التسعينات حقق بعض الأميركيين نتائج عظيمة، لكن الغالبية سجلوا نتائج عادية.
ومنذ عام 2000، كان أداء الغالبية ضعيفاً، لكن غالبية المؤشرات مثل الوظائف والدخل وإعادة تمويل المنازل أبلت بلاءً حسناً، ومن جهات عدة، الاقتصاد الأميركي حالياً أفضل مما كان عليه من قبل.
المثال الأول على ذلك هو الثروة العائلية، أو الفارق بين ما تملكه الأسرة وما تدين به. يصل هذا الفارق إلى 50 تريليون دولار على المستوى الوطني، مقابل 42 تريليون عام 1999، وقد عوّضت المكاسب من بيع المنازل الخسائر في الأوراق المالية.
المثال الثاني هو أن نصيب الفرد من الدخل بعد حساب التضخم، سجل نمواً بنسبة 9% منذ عام 1999 حتى عام 2004، ولم يُصب نمو مستوى المعيشة بالركود.
الاقتصاد الأميركي ينقسم إلى حقيقي وخيالي، ما يحدث حقيقة وما يقول الأميركيون إنه يحدث، ما يحدث في الواقع أكثر استقراراً مما يقول الأميركيون إنه يحدث.
وما يحدث لا يشير إلى أي ركود أو كساد. لكن الخبراء يعترفون بأن التمييز بين الاثنين يفسر مرونة المستهلك خلال السنوات الخمس الماضية. وكان المستهلك الأميركي مرناً لأسباب منها أنه لم يكن أبداً في أي وقت من الأوقات يائساً.
ترجمة: أشرف رفيق
