رأت وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذي لـ "أسكوا" ميرفت تلاوي أن المعوقات أمام قيام تكتل اقتصادي عربي موحد تكمن في غياب الإرادة السياسية، معتبرة انه لابد من إحداث تغييرات في هيكلية الاقتصادات العربية لمواكبة العولمة.

وأشادت تلاوي في حوار مع "البيان" بتوجهات الإمارات في توسيع رقعتها الاقتصادية مؤكدة أن "ما حدث في الإمارات في السنوات الأخيرة نموذج نجاح مشرف نفتخر به".

وشددت على أن الأسواق العربية صغيرة نسبياً ولهذا فإن القطاع الإنتاجي في كل دولة لا يكون قادراً على الاستفادة من اقتصادات الحجم الكبير إلا إذا كان هنالك تعاون حقيقي في إقامة تكتل اقتصادي عربي ـ مثل منطقة التجارة العربية الحرة ـ يواجه التكتلات الاقتصادية الاقليمية الأخرى.

وفي ما يلي نص الحوار الذي أجري في بيروت:

٭ ما هي التحديات التي يواجهها العالم العربي على الصعيدين السياسي والاجتماعي؟ وكيف يمكن معالجتها؟

- تواجه معظم الدول العربية في المرحلة الراهنة تحديات متعددة تتجلى بتصاعد الضغوطات السياسية، تذبذب معدلات التنمية الاقتصادية رغم ارتفاع عائدات النفط، ضعف النسيج الاقتصادي والاجتماعي مع التغيرات المتسارعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إضافة إلى عجز البنى السائدة عن مواكبة تيارات العولمة، وعدم قدرتها على إعطاء بدائل ضمن التضامن العربي والتطور الوطني.

٭ ما هو الدور الذي تقوم به "اسكوا" لمساعدة الدول العربية على وضع الاستراتيجيات الملائمة للتنمية؟

- تقوم "اسكوا" بخطوات عدة تبدأ بوضع دراسات اقتصادية واجتماعية للأوضاع السائدة والبحث عن العوامل المؤثرة فيها والوصول إلى توصيات عملية للدول الأعضاء بهدف توحيد وتكامل السياسات في المجالات القطاعية والفنية مثل مواجهة شح المياه .

وترشيد استخدام الطاقة، وحماية البيئة، ووضع أسس سياسات التنمية المستدامة وتوعية الرأي العام بها. كيفية مواجهة تحديات العولمة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.

كما تقوم بعقد اجتماعات دورية لتوحيد مواقف الدول العربية تحضيراً للاجتماعات والقمم الدولية، إضافة إلى مساعدة الدول الأعضاء في مجال السياسات الاجتماعية وتطويرها لمواكبة التغيرات المجتمعية والمشاكل التي تواجه الفئات المختلفة من السكان، الأطفال، الشباب، كبار السن، والمرأة.

مواكبة العولمة

٭ هل صحيح أن الاقتصادات العربية تتطلب إعادة هيكلة وأن هناك سوء إدارة للإمكانات الهائلة من موارد بشرية ومالية؟

-الاقتصادات العربية متعددة الخصائص وهي عموماً مصنفة ضمن ثلاث فئات: الدول المصدرة للنفط،الدول ذات الاقتصاد المتنوع والدول الأقل نمواً.

وأهم ما تعانيه كل هذه الدول أن سياساتها التنموية كانت تعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط في الدول النفطية، وعلى مردودات من هذه العوائد في الدول الأخرى. وبالتالي فإن اقتصادات كل دول المنطقة كانت تتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار النفط.

من جهة أخرى، فإن سياسات التنمية كانت دائماً تعتمد على الحماية للمنتجات المحلية على حساب التصدير ومستلزماته وقد أدت هذه السياسات إلى عدم تطوير المنتجات المحلية. ولهذا لا بد من إجراء تغييرات هيكلية عميقة لاقتصادات معظم الدول العربية حتى تستطيع مواكبة العولمة.

أخيراً في هذا المجال، إن كل الأسواق العربية هي أسواق صغيرة نسبياً ولهذا فإن القطاع الإنتاجي في كل دولة لا يكون قادراً على الاستفادة من اقتصادات الحجم الكبير إلا إذا كان هنالك تعاون حقيقي في إقامة تكتل اقتصادي عربي ـ مثل منطقة التجارة العربية الحرة ـ يواجه التكتلات الاقتصادية الإقليمية الأخرى.

٭ إن حصة الدول العربية من الاقتصاد العالمي لا تضاهي حصتها من عدد السكان والمساحة لضعف مستوى الاستثمارات في المنطقة فما هو السبيل لتشجيع هذه الاستثمارات؟

-السبيل الأول لتشجيع الاستثمارات يكون عبر إحداث تغييرات جذرية في السياسات التنموية في كل الدول العربية، وفي إعادة توجيه استثمارات الدولة إلى المشاريع التي تفيد مباشرة في تغيير النواقص المذكورة أعلاه.

خاصة لجهة البنى التحتية للاتصالات (الأرقام من ICTD) وفي منظومات البحث والتطوير ومساعدة القطاع الخاص لتطوير وتحديث البنى التحتية المصرفية والاستثمارية، وبشكل خاص توفير مؤسسات رأس المال المبادر (Venture Capital).

وهنا أعود للإشارة إلى أهمية تطوير تكتل اقتصادي عربي حقيقي يخلق سوقاً واسعة للاستثمار.

٭ تطالب الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا في الوقت الحالي الدول العربية القيام بإصلاحات جذرية، فهل يندرج عمل "اسكوا" في سياق هذا التوجه؟

- من المتعارف عليه أن "اسكوا" هي الذراع الإقليمية للأمم المتحدة في المنطقة العربية وتسعى لمساعدة الدول الأعضاء في تبني سياسات ناجحة في المجالات كافة كسياسات التنمية الاجتماعية والمياه والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وقضايا العولمة.

وفي هذا الإطار، نأمل أن تستفيد البلدان الأعضاء من الدراسات والمؤتمرات والخدمات الاستشارية والمشاريع الميدانية التي تقدمها "اسكوا" دعماً للإصلاحات التي تنوي الدول إجراءها، فالهدف كما قلنا هو مساعدة الدول العربية لا التدخل في شؤونها لمصلحة دول أخرى.

نموذج الإمارات

٭ ما هو الدور الذي تقوم به "اسكوا" لدعم عملية التنمية في دول الخليج وتحديدا في الإمارات؟

- تتابع "اسكوا" عن كثب سعي بعض الدول العربية لتنويع اقتصاداتها وتوسيع "رقعتها الاقتصادية" خاصة في الإمارات العربية، ودبي على وجه التحديد التي حققت نجاحات وطفرات باهرة.

وما حدث في الإمارات في السنوات الأخيرة يمكن اعتباره نموذج نجاح مشرفا نعتز به، كما أن تحقيق الديمومة لهذا النجاح يتطلب الارتباط والتكامل مع دول مجلس التعاون الخليجي كإطار أول ثم في تكتل اقتصادي عربي واسع وذلك لتوفير مستلزمات النمو في الموارد كافة.

٭ كيف تقيمون الوضع اللبناني في ظل التحديات الاقتصادية وغيرها التي يتعرض لها؟ وما هي الخيارات الفضلى لتخطي مشكلاته؟

-أهم ما يحتاجه لبنان الآن هو سياسة اقتصادية واضحة لمواجهة التراكم المتسارع في الدين العام ولإعطاء دفع موضوعي للقطاعات المنتجة اللبنانية. وقد نتج عن مؤتمر "باريس 2" نوع من التوجه في هذا المجال، لكنه لم يتحول إلى التزام وطني، ولا يمكن للبنان أن يتخطى المشكلات الاقتصادية الكبرى دون خطة وطنية واضحة متكاملة.

وملزمة للجميع، تأخذ في الاعتبار كل التحديات المطروحة وتسعى لإيجاد فرص عمل جذابة للشباب اللبناني ذي الكفاءات اذ أن نسبة من يترك لبنان إلى الخارج من حملة الشهادات الجامعية مرتفعة جداً.

٭ على الرغم من توقيع اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة التي تضم 17 دولة عربية لا يزال هناك معوقات أمام تحرير التجارة العربية البينية فما هي أسباب ذلك؟

ـ هناك عوائق فنية عديدة تواجه التنفيذ الفعّال والجدي لمنطقة التجارة العربية الحرة، وفي الوقت نفسه هنالك دراسات متعددة أعدتها جامعة الدول العربية و"إسكوا" في هذا المجال.

ولكن تبقى المعوقات الرئيسية في غياب الإرادة السياسية الحقيقية بقيام تكتل اقتصادي عربي، فنحن نحتاج إلى قرار عربي مماثل للقرار الأوروبي لنصل إلى قيام تكتل عربي اقتصادي حقيقي ولو بعد عقد أو عقدين من الزمن.

تلاوي.. مسيرة دبلوماسية حافلة

عيّن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ميرفت تلاوي (مصرية الجنسية) أميناً تنفيذياً للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (اسكوا) برتبة وكيل للأمين العام للأمم المتحدة في 22 نوفمبر 2000.

وقد عينت تلاوي على رأس الإسكوا بعد ثمانية وثلاثين عاماً من الخبرة المميزة في مجال الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية والشأن العام. وقبل تعيينها كانت تشغل منصب الأمين العام للمجلس القومي للمرأة في مصر (2000 ـ 2001) ومنصب وزير التأمينات والشؤون الاجتماعية المصرية (1997 ـ 1999).

وفي الفترة من سنة 1962 إلى سنة 1997، عملت تلاوي في وزارة الشؤون الخارجية متدرجة في مناصب متعددة في سفارات مصر وبعثاتها في الخارج. وفي العام 1987 كانت أول سيدة من السلك الدبلوماسي المصري تنال لقب ودرجة سفير ممتاز على رأس سفارة.

وخلال سيرتها الدبلوماسية، كانت تلاوي سفيراً لمصر في اليابان (1993 ـ 1997) ووكيلا لوزير الخارجية للشؤون السياسية والاقتصادية (1991 ـ 1993) ورئيساً لوفد مصر إلى المفاوضات متعددة الأطراف حول التعاون الاقتصادي الإقليمي المنبثقة عن مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط (1991 ـ 1993) وسفيراً لمصر في النمسا (1988 ـ 1991). وتلاوي متزوجة ولديها ابنة وحفيدان.

بيروت ـ حوار رانيا برو: