في الوقت الذي يجوب فيه كبار المستثمرين العالم، بحثاً عن مرابح جديدة، فإنهم كانوا يدفعون نحو مزيد من الضغوط، باتجاه تحقيق تغييرات في أساليب الحوكمة التجارية.
فمن آسيا، إلى أوروبا، مروراً بأميركا اللاتينية، يمارس المستثمرون المؤسساتيون، ضغوطاً لحماية استقلالية المدققين، وأعضاء مجالس الإدارة، وتبسيط حقوق تصويت المساهمين، وتسليط مزيد من الضوء على حزام للتعويضات التي يتلقاها المديرون التنفيذيون.
وفي السياق، يقول كريستيان سترينغر، رئيس شبكة الحوكمة التجارية العالمية، وهي مجموعة تدافع عن حقوق المستثمرين، ومقرها لندن.
»إن الاستثمار آخذ في اكتساب صفة العالمية«، مضيفاً بأنه ليس هناك سوق رأسمالية، لا تضم في جنباتها على الأقل 25% من الملكية غير المحلية، لذلك، فإن الحاجة للتطوير في المعايير التجارية، هي قطعاً عالمية.
وقد كانت أحدث التغييرات في التحكيم التجاري، في الولايات المتحدة، قانون ساربانز ــ أوكسلي لعام 2002 الذي فرض إجراءات محاسبة وإفصاح إلزامية، في أعقاب اكتشاف فضائح على نطاق واسع في شركة أنرون. وورلد كوم. انك وغيرها من الشركات العامة.
وعلى صلة بذلك، قال مايك لوبرانو، رئيس وحدة الممارسة التجارية ـــ الاستثمارية في دائرة الحوكمة التجارية لمجموعة التمويل الدولية، في واشنطن، أحد أذرعة البنك الدولي.
إن القسط الأعظم من قانون ساربينز أوكسلي، يتعلق بمنع المديرين من تخريب الأمور. غير أنه شدد على أن إجراءات الحوكمة التجارية في بلدان أخرى، حيث تلعب الحكومات والعائلات المؤسسة دوراً أكبر في ملكية الشركات، يحتمل أن تكون مختلفة.
وأشار إلى أن المشاكل الرئيسية التي تعترض الشركات المدرجة في الأسواق الناشئة، هي كيفية بناء الثقة، بحيث تحظى أقليات المساهمين، وأصحاب الحصص، بالمعاملة اللائقة التي يستحقونها.
مشكلة عويصة
بالرغم من إحراز بعض التقدم في أماكن أخرى، فإن الصين إحدى أكبر الأسواق في العالم، تبقى موضع شك بالنسبة للمستثمرين، ويلتزم المستثمرون التكافليون، جانب الحذر، إزاء ما يعتبرونه مشاكل عويصة تتعدى الشفافية، والمضاربات السرية.
وكفاءة الإدارة في الشركات الصينية، وفقاً لتقرير نشرته هيئة خدمات الشركاء الكافليين، وهي شركة استشارية استنابية مقرها روكفيل ميريلاند.
وأشار سترينغر، إلى أن المديرين.
وأعضاء المجالس الإدارية، تربطهم في الغالب، علائق بالحكومة التي تسيطر على الأغلبية، في الشركات الصينية المدرجة. قائلاً: إن الصين سنت قانوناً للحوكمة، غير أن الحكومة تواصل تدخلها«. مطالباً في الوقت نفسه، بضرورة بذل جهود متناغمة تحقيقاً لمعايير جديدة.
ويشار إلى أن أحد الأمور التي تقوم بها مجموعة سترينغر في الصين بالتعاون مع هيئة التمويل الدولية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ومقرها باريس هي جمع المستثمرين العالميين حول طاولة المفاوضات في البحث عن مزايا تغييرات قواعد الحوكمة.
وكانت مقاربة أخرى، بين المستثمرين العالميين، اتخذت منذ سنوات في البرازيل البلد الذي يعتبره الآن سترينغر، وغيره صورة للنجاح الباهر للحوكمة التجارية.
ففي عام 2000، حيث كان سوق الأسهم من أكبر أسواق أميركا اللاتينية يعاني من نقص الإدراجات الجديدة، التقى Tiaa – cref وجهاز تقاعد موظفي القطاع العام في كاليفورنيا.
وغير ذلك من المستثمرين التكافليين، مع مسؤولين برازيليين، لشرح الوسائل التي يمكن ان تساهم تغييرات الحوكمة التجارية فيها، في قلب الأمور رأساً على عقب. من خلال غرس جوانب الثقة بين المستثمرين.
وعلى صلة بذلك، قالت ان سيمبسون المديرة التنفيذية لشبكة الحوكمة التجارية العالمية، والتي رئست برنامج الحوكمة التجارية التابع للبنك الدولي، عندما قادت الوفد إلى البرازيل، لقد أبلغناهم »ان البلدان النامية بحاجة لدخول رساميل حقيقية، لدعم شركات حقيقية من أجل خلق وظائف حقيقية«.
وجاءت استجابة الحوكمة البرازيلية على صورة عرض مبتكر، تقوم على ضوئه بإقامة سوق جديد للأوراق المالية، يطلق عليه »نوفو ميركادو« تتمتع فيه الشركات المحلية بمعايير معينة للحوكمة التجارية، كي يتسنى إدراجها. ومن ضمن التغييرات الرئيسية التي جرى تطبيقها في نهاية الأمر، إلغاء أنظمة حقوق التصويت الضبابية.
لصالح نظام تصويت شفاف، يعتمد أسلوب الصوت الواحد، للسهم الواحد.
وقد أدرجت حتى تاريخه 14 شركة تمتلك رساميل سوقية يقدر إجماليها بملياري دولار، في سوق نوفوميركادو.
وقد ارتفعت حصة المستثمرين الأجانب في الشركات الـ 394 المدرجة في سوق نوفوميركادو وسوقها الأم بورصة بوفيستا، إلى 27.3 في المئة من الإجمالي عام 2004 من 24.1 في المئة عام 2003 وفقاً لجو ستافوفيريرا، المتحدث باسم بوفيستا.
تقدم في الاتحاد الأوروبي
قوبلت جهود الساسة في الاتحاد الأوروبي لإيجاد معايير للحوكمة التجارية، بنجاحات متفاوتة ففي مجموعة من القوانين التي ستدخل حيز التطبيق العام المقبل، تطالب الشركات، في البلدان الأعضاء الخمسة والعشرين، في الاتحاد الأوروبي بتسجيل خيارات أسهم العاملين لديها في خانة المصروفات في سجلاتها المالية.
وهي خطوة، سعى إليها طويلاً، المساهمون، حجتهم في ذلك، أنها تجبر الإدارة على تقديم محاسبة أكثر دقة لمصروفاتها. ومن المتوقع أن يقر البرلمان لوائح، ستحد من قدرة الشركات القائمة في الاتحاد الأوروبي.
على الدفع لمكاتب التدقيق، لأعمال غير مدققة، وقد أبدى نشطاء المساهمين، تذمراً من حدوث تضارب في المصالح، بفوز مكاتب التدقيق بعقود استشارية، من شركات تتلقى أجورا لتدقيق سجلاتها.
ويشار إلى أن كثيراً من المخاوف التي تعتري منتقدي الحوكمة التجارية في الاتحاد الأوروبي تنبع من غرابة هيكلية، حيث تشاهد في كثير من مجالس الشركات فئة من أعضاء المجلس معنية.. بصفة ممثلين للمساهمين.
وبالرغم من عنوانها الديمقراطي فإن أعضاء تلك المجالس، يجري اختيارهم من قبل غالبية المساهمين وهم غالباً ما يوضوعون في موقعهم كجزء من تحالف استراتيجي، بحسب جان ــ نيكولاس غابراس، العضو المنتدب للفرع الأوروبي.
وiss التي تقدم توصيات عن طريق استبانات التصويت إلى أكثر من 1.200 عميل تجاري ومؤسساتي. ويتساءل غابراس، عما اذا كان هؤلاء المساهمين يمثلون الشركة جمعاء، أو مجرد كتلة واحدة.
وقد تحركت بعض البلدان، باتجاه تسهيل دخول المساهمين في دعاوى تقاضي جماعية وساهم انبهار نوير ماركت في ألمانيا.
وهي شركة أسهم تكنولوجية كبيرة منذ عامين في توفير الزخم السياسي لسن قانون كهذا هذا العام كما تجري على قدم وساق تحركات، لإدخال تغييرات قانونية، في ايطاليا، يدفعها في ذلك الاتجاه انهيار عملاقة الألبان بارمالات، عام 2003، اثر فضيحة حسابية واسعة.
روابط أكثر إحكاماً بين الرواتب والأداء
هناك مسألة أخرى راحت تكتسب زخماً، في أوروبا، وهي الدفع باتجاه الربط بين رواتب التنفيذيين، والأداء، بصورة أكثر إحكاما.
ففي وقت مبكر من العام الجاري، منح الرئيس التنفيذي لشركة كارفور، دانييل بيرنارد خدمة تعويضات إنهاء خدمة مجزية، بلغت 38 مليون يورو (46 مليون دولار)، لدى مغادرته مجموعة التجزئة، بعد فشله في تحقيق الأهداف الربحية.
وقد دفع ذلك التعويض، بوزير المالية الفرنسي، إلى التعهد بإقرار تشريع، بعض المساهمين، القول الفصل، في مثل هذه الصفقات الخيالية.
وفي ألمانيا، تشكل الضغوط لفرض مزيد من الرقابة على الرواتب التي يتلقاها التنفيذيون الكبار، جزءاً من حملة أوسع، تطالب بلوائح حوكمة تجارية، على النمط الأميركي، تهدف إلى إضفاء مزيد من الشفافية على المصالح التجارية الأميركية. وفي هذا الصدد، قال سترينغر، من مجموعة الحوكمة العالمية، إن الناس يعتبرونها، مسألة خاصة، وهي ليست حكماً كذلك. مشيراً إلى أن الأموال المدفوعة، هي أولاً وأخيراً أموال المساهمين.
ترجمة: وائل الخطيب