من خلال مشروع لإنشاء أكبر خط قطار آلي من دون سائق في العالم حتى الآن، تأمل دبي في حل مشكلة الزحام المزمنة على طريق ميدان الاتحاد، أكثر الطرق ازدحاماً في حي ديرة التاريخي، وعلى الطرق الأخرى التي تربطها ببقية الإمارات، وأيضاً داخل دبي.

ولذلك بدأ العاملون في نهاية الشهر الماضي في إقامة الأسوار حول مسار قطار دبي، أكثر مشروعات الإمارة طموحاً في مجال النقل، كما تقول مجلة »ميد« الاقتصادية.

وإقامة الأسوار حول المسار هي بداية مرحلة من أربع سنوات لإنشاء أكبر نظام نقل في العالم من دون سائق، يعمل الكترونياً ويُعرف باسم قطار دبي ويبلغ طوله 70 كيلومتراً.

ويُعتبر قطار دبي الأطول من نوعه في العالم والأكثر تقدماً أيضاً، والأهم بالنسبة لأسرع المدن نمواً في العالم أيضاً.

وينمو عدد السيارات التي تجري على طرق دبي بنسبة 9% سنوياً ويزداد سكان المدينة بنسبة 6% سنوياً وسيزداد الزحام المروري سواءً من دون هذا المشروع الطموح.

وتتوقع بلدية دبي أن يصل عدد سكانها إلى 5 ملايين ويصل عدد السائحين الذين يتدفقون على المدينة إلى 15 مليوناً بحلول عام 2020، مقابل 1.4 مليون نسمة و5.4 ملايين سائح حالياً، فضلاً عن 13.1 مليون رحلة على الطرق يومياً، مقابل 3.1 ملايين رحلة في 2004.

وتزداد مشكلة التزاحم المروري على جانبي الخور سواء، ويعني ذلك أن الرحلة التي تستغرق دقائق تصل إلى ساعات الآن. وقطار دبي هو الحل الأمثل لنظام مروري متكامل كان من المفترض تنفيذه منذ وقت طويل. وسيكون قطار دبي من خطين بطول إجمالي 69.8 كيلومتراً و43 محطة مكيّفة الهواء.

أحد الخطين هو الخط الأحمر الرئيسي الذي يسير من مطار دبي الدولي في الشرق إلى مطار جبل علي الدولي مروراً من تحت الخور، ويستغرق القطار المسافة في وقت الذروة خلال 60 دقيقة بمعدل تقاطر 90 ثانية عبر 29 محطة.

الخط الثاني هو الخط الأخضر الأقصر الذي يتكون من 14 محطة ويطوف حول الخور من المنطقة الحرة لمطار دبي الدولي حتى مدينة دبي الطبية ويسير تحت الأرض ويلتقي الخطان عند ميدان الاتحاد. وتوقعت مجلة "ميد" الاقتصادية أن يتراوح سعر التذاكر بين 3 و6 دراهم حسب المسافة.

والمتوقع تشغيل الخط الأحمر في سبتمبر 2009، ويليه الخط الأخضر بعد ذلك بنحو ستة أشهر.وقال ناصر أحمد سعيد مدير عام مساعد قطار دبي وشؤون النقل العام في بلدية دبي إن البلدية تستغل أحدث تكنولوجيا في تنفيذ أطول قطار في العالم من دون سائق.

وسيكون القطار مزوّداً بمقصورات من الدرجة الأولى ومقصورات للسيدات والأطفال. وستكون البيئة المحيطة بالقطار فوق الأرض وتحتها من المناظر الجميلة وليس مجرد صندوق مغلق على الركاب.

حل بديل

وتعلق بلدية دبي آمالاً عريضة على قطار دبي، حيث تأمل أن يصل عدد ركابه بحلول 2020 نحو 1.85 مليون راكب يومياً، أو 650 مليون راكب سنوياً.

وقال سعيد إن القطار لن يحل مشكلة الازدحام المروري ذاتها بل نحاول حل مشكلة السكان والتحدي هو تقديم حل للسكان الذين يريدون حلاً بديلاً (خلاف السيارات). وأعرب عن أمله أن تخف حدة التزاحم المروري على الطرق بنسبة 30 ـــ 35% وبنسبة أكبر في بعض المناطق.

مثلاً سوف يستطيع الناس عبور الخور في دقائق. وجدول الإنشاءات جريء وطموح، فسوف يبدأ العمال في العمل لإنشاء مقر إدارة القطار (المترو) في ميدان الاتحاد وفي العام المقبل سيبدأ العمل في أولى المحطات تحت الأرض، والمحطات تحت الأرض لن تمثل مشكلة تقنية لكنها ستمثل تحدياً، ولن تكون المحطات الوحيدة.

وقال تاكيوكي فوجينو مدير مجموعة قطار دبي وعلى رأسها متسوبيتشي اليابانية إن الازدحام المروري وتحويل المسارات المرورية أو الإزعاج المروري خلال مرحلة الإنشاء هي القضية الرئيسية.

وكانت المجموعة برئاسة الشركة اليابانية قد قدرت تكاليف القطار بنحو 3400 مليون دولار. وأضاف المدير الياباني أن إنشاء المحطات عند التقاطعات وتحت الأرض سوف يكون الأكثر تعقيداً في المشروع، لكن المحطات السطحية ستكون الأسهل.

ومن المتوقع أن تكون أكبر الصعوبات عند إنشاء محطتي برجمان وشارع الرقة في ظل الكثافة المرورية العالية والتركز السكاني في تلك المناطق وتعتزم الشركات المنفذة تخفيف حدة التزاحم خلال الإنشاءات بطرق مختلفة تشمل العمل في المحطات تحت الأرض بمعزل عن السطح تماماً وكذلك عزل مناطق العمل في المحطات السطحية والأساسات والممرات.

وإنشاء ممرات خدمة بديلة إلى جانب خطط نقل ومرور أخرى. وهذا أمر حيوي لتوفير الراحة للذين يجوبون شوارع دبي ويشعرون بالإحباط بسبب الاكتظاظ المروري.

وقال أحد المستشارين في النقل الدولي لمجلة "ميد" الاقتصادية قد يكون لديك أطيب النوايا في العالم لكن لابد من الاحتكاك بالناس والذكاء في التخطيط عند التنفيذ وتذكر إنشاء قطار مانشستر حيث ظهرت مشكلات عويصة مع الجماهير.

وأضاف يقول إن مشروع المترو أو القطار حيوي لأي مدينة ولا يفوت الأوان أبداً على إنشاء مثل هذا المشروع لكنه كلما تأخر كلما زادت المشكلات المرورية.

ومن الاتهامات الموجهة لبلدية دبي هو أن قطار دبي لن يحل الاختناقات المرورية الرئيسية، وعلى رأسها مشكلة طريق دبي الشارقة فقد أدى ارتفاع تكلفة المعيشة والإيجارات إلى هروب كثير من السكان إلى الشارقة، والنتيجة هي التوقف التام أحياناً على الطريق بين الإمارتين.

وقال سعيد إنهم لم يدخلوا الشارقة في الحسبان على الإطلاق، لكن هذا الجزء من الطريق هو جزء من مشروع القطار بصفة عامة.

ومن الأفكار التي تصلح في هذا المجال أن تشغل الشارقة نظام نقل بالحافلات ينقل الركاب إلى أقرب محطة مترو لها من محطات قطار دبي وأكد أنهم يريدون نظاماً متكاملاً، وتدرس بلدية دبي تشغيل باص بحري بين الإمارتين.

تغيير العادات

وسيكون من الحيوي إقناع الناس باستخدام نظام المترو بدلاً من الاعتماد الكلي على السيارات الخاصة والأجرة ويقول تيم جدج من شركة بارسونز برنكرهوف يحتمل ان يتجه الوافدون إلى استخدام المترو لكن هذا يعتمد على المناطق التي يستخدمها ونأمل أن نكون الأوائل في ربط خطة مترو نخلة الجميرا مع قطار دبي والأوائل في سلسلة خطوط أخرى ترتبط به.

وستكون هذه الخطوط حيوية للسكان والزائرين في بعض الأماكن شديدة الازدحام والعمران في دبي التي تشهد مشروعات عقارية وسكنية عملاقة وهناك تفكير في إنشاء خط ترام في منطقة الصفوح التي تضم غالبية الفنادق الساحلية فضلاً عن مدينة دبي للإعلام.

وعندما تنتهي مشروعات دبي مارينا ونخلة جميرا وجميرا بيتش ريزدنس، سيصل عدد سكان هذه المنطقة وحدها إلى نحو 100 ألف أو أكثر.

وقد يتم تشغيل وسائل نقل أيضاً في برج دبي، الأعلى من نوعه في العالم، ودبي لاند، التي تهدف إلى جذب 200 ألف زائر يومياً كما يخطط مركز دبي المالي إلى إنشاء شبكة مكملة سريعة هي الأولى من نوعها لنقل الركاب.

والربط بين الشبكات أمر حيوي والمناخ أيضاً يمثل أهمية كبرى للناس، فدرجة الحرارة في فصل الصيف تكون ملتهبة، وبالتالي لن يسير الناس أي مسافة قصيرة في ذاك الوقت.

ومن عوامل نجاح مترو دبي ان يرتبط بهذه الشبكات للنقل ونقاط الوصول لابد ان تكون محمية ومكيفة والوسائل سريعة بالدرجة الكافية.

ويقول فوجينو ان الإمارات لا يوجد بها شبكة للنقل لذلك لابد من إنشاء كل شيء من الصفر من استيراد المعدات إلى السياسات إلى الهيئات المسؤولة، وبالتالي لابد ان تستغل الشركات المنفذة خبرتها التقنية والإدارية وتتعاون مع المستشارين أكثر من أي مشروع سابق.

التمويل

كانت تأمل بلدية دبي من البداية في أن تمول الشركة الفائزة بالتنفيذ، تكاليف المشروع، لكن هذا الأمل لم يكن واقعياً، وبالتالي اتصلت بالبنوك لتوفير قروض من خلال قنوات إقراضية إسلامية.

أو تقليدية لتمويل المشروع من خلال 2450 مليون دولار من التكلفة الإجمالية.كما باعت البلدية 60% من مساحات الأرض القريبة من خط القطار لتوفير بقية التمويل.

وقال بيير درفيت مدير المشروعات في شركة سيسترا ان بلدية دبي تتقابل مع كل المطورين وتطلب إذا كانوا يرغبون في التمويل، ولابد أن يدفعوا إذا كانوا يريدون الانضمام للقافلة.

وقد ترتفع تكلفة المشروع مع مرور الوقت. ولكن بلدية دبي تحتوي إنشاء خط مترو ثالث بعد إنهاء الخطين الأولين، ويسير الخط الثالث من نخلة ديرة إلى مطار جبل علي الدولي، الذي سيمر عليه نحو 120 مليون راكب سنوياً حسب التوقعات.

ويقول سعيد إننا سنكون في حاجة إلى خط ثالث وقد يسير توازياً مع الخط الأحمر ويربط المطارات بكل المشروعات التي تقام على طريق الإمارات.

ويذكر أن مدينة دبي خلاف المدن الأخرى في العالم تشهد نمواً سكانياً غير عادي بسبب تدفق الوافدين وإذا استمر مستوى المعيشة في الارتفاع من حيث التكلفة واستمر التدهور في التكدس المروري سيتعرض نمو دبي ذاتها للخطر.

وإذا استطاع المترو إزالة نسبة من هذه المشكلات المرورية، فسوف تكون ثمار جهود دبي الطموحة بالطبع أكثر غزارة.