»مهرجان بيروت الدولي للافلام الوثائقية«، في دورته السابعة هذه السنة، يستقبل مئات الزوار كل يوم في صالة سينما مسرح المدينة في شارع الحمراء وهو مستمر حتى اليوم.
بعض الذين يأتون إلى »مسرح المدينة« لمشاهدة الأفلام الوثائقية، وهي من كل انحاء العالم، يجلسون على الأرض، أو على درجات القاعة المظلمة بين الكراسي، وبعضهم يظل واقفا، فيما ينتظر الآخرون في قاعة الانتظار خارج الصالة، ان ينتهي الفيلم، عساهم حينها، يجدون مكانا لمشاهدة الفيلم المقبل.
عدة أفلام تعرض ابتداء من آخر ساعات بعد الظهر من كل يوم. وتتلاحق الواحد تلو الآخر، آخذة المشاهدين الذين معظمهم من الشباب إلى أماكن مختلفة في العالم، حيث وصلت كاميرات المخرجين، وصورت الواقع كأنه رواية، والأشخاص كأنهم شخصيات سينمائية للتاريخ.
لم تعد الأفلام الوثائقية ذات نبرة تعليمية كما كانت في الماضي. لم يعد الفيلم الوثائقي يروى بصوت رجل أو امرأة، كأنه نص وضعت عليه بعض الصور.
لقد أصبحت الصور هي التي تروي الفيلم الوثائقي . وبذلك اقترب الفن الوثائقي من فن الرواية. باتت الأفلام الوثائقية كأنها أفلام روائية، ولكن واقعية. الأفلام الوثائقية التي كانت تحيط مواضيعها بما يشبه المعالجة العلمية لها، أضحت هذه المعالجة سينمائية.
الحقيقة تروي نفسها عبر الصور. لا يحكم عليها المخرج، بل ينقلها الينا كما هي،من دون ان يضيف إليها شيئا. المخرج، في الأفلام الوثائقية، يضع نفسه في مكان المصور. لا يتدخل بما يشاهده، ويصوره، كأنه مجرد شاهد، أو مشاهد.
الأفلام الوثائقية التي تحظى بنجاح متزايد في أوروبا والعالم، تروي قصة العالم، والشعوب، والمدن والقرى. تحفظ لحظات الدنيا صورا،أبطالها الأشخاص العاديون . صور ينقلها إلينا المخرج عبر كاميرته التي تسجل كل ما يحيط به.
كاميرات الفيديو، التي تتحسن صورتها كل سنة عبر تقنيات الـ »ديجيتال«، والتي يصغر حجمها، وسعرها، جعلت الفن الوثائقي يصبح سهلا. بات الوثائقي، مع التقنيات الحديثة في التصوير والتوليف، فنا لا يتطلب انتاجاً ضخما ولا فريقا كبيراً، ولا تحضيراً. بات يكفي ان يحمل المرء كاميرته، وان يتنقل بها في محيطه، حتى يسجل مشاهد تصلح لتعرض في قاعات السينما أو على شاشات التلفزيون.
غياب التحضير يجعل المشاهد أكثر عفوية، والحقيقة مباشرة أكثر. تعددت مواضيع الأفلام الوثائقية في السنوات الأخيرة، وباتت هذه الأفلام تروي العالم بملامح ضاعت بين الواقع والخيال، وبين الحقيقة والرواية.
غالبا ما نتساءل، لدى مشاهدتنا أفلاما وثائقية حديثة، عما إذا كانت المشاهد التي نراها حقيقية فقط، أم أنها ، بالإضافة إلى كونها حقيقية، سينمائية أيضا.
الفن الوثائقي اقترب من السينما حتى أمسى جزءا منها. فالسينما هي رواية القصص عبر المشاهد والصور، وهذا ما يفعله أيضا الفن الوثائقي.
القصص تحيط بنا من كل مكان. فنحن قصص تتجول في الشوارع وتتداخل فيما بينها، وهي تصبح، حين تصور، وحين يشاهدها الآخرون، سينما وثائقية.
نرى، في الأفلام الوثائقية، حياة الآخرين كأنها قصص سينمائية. نعرف أنها حقيقية، وواقعية، ولكننا نكاد لا نستطيع أن نعتبرها مجرد نقل لأحداث حصلت بعيدا عنا في وقت معين . نتعرف من خلال الأفلام الوثائقية على بلاد وأشخاص لا يشبهوننا، أحيانا، وأحيانا أخرى نراهم مثلنا.
لا ترافقنا، خلال مشاهدتنا للأفلام الوثائقية، فكرة انها مشاهد حصلت فعلا. كأننا نقارنها، باستمرار، بأفلام السينما، أو كأننا لا نقدر أن نصدقها، إلا عبر قولنا لأنفسنا في كل لحظة إنها حقيقية.
نرى مثلا مشاهد من قرى قيرغيزستان في روسيا، في فيلم »بيتر لوم« الذي عرض يوم الاربعاء الماضي ضمن فعاليات المهرجان، ونرى الشباب الذين يختطفون الفتيات للزواج منهم، ونرى عاداتهم المختلفة عن عاداتنا، ونتعرف على أمكنة نجهلها.
المخرج لحق بعائلات قيرغية حاملا كاميرته، وروى قصصها، وصور حزنها وفرحها، وصور حتى عملية الاختطاف التي قام بها شابان أراد احدهما أن يتزوج مخطوفته. يأخذنا الفيلم إلى أمكنة لم نكن نعرف حتى بوجودها. ويرينا أشياء نكاد لا نقدر أن نصدقها.
إلا أن هذه الأمور التي نراها عبر الأفلام الوثائقية حصلت فعلا، ويضيف ذلك إلى كونها مشاهد جميلة، ومؤثرة، وسينمائية، طابعا جديدا، وقوة إضافية.
نصبح عند مشاهدتنا الفيلم الوثائقي شهودا على الأحداث التي يعرضها بالإضافة إلى كوننا مشاهدين لها.و نرى العالم كما لم نره، وكما الأرجح أننا لن نراه. الأفلام الوثائقية هي قصة العالم الموضوعية، قصة زميلين يعملان في جمع القمامة في فيلم جيف جوردانو »بين القمامة والزهور«، أو قصة حاجز سردا في فلسطين، في فيلم لقاسم عربيد، أو قصة ولد مريض في فيلم »انا معك«، أو قصة العمال الأجانب في الإمارات في فيلم »حياة العمل هذه« لنورا عميري، أو قصة فتاة يمنية، أو غيرها.
كلها قصص من العالم، البعيد، والقريب، والمشابه، والمختلف. كلها قصص العالم، وقصص الحقيقة، وقصصنا.
فيلم »بما انو بكرا«، الذي يلاحق أربع شخصيات من بيروت، يروون سأمهم من المدينة، ومن الحياة فيها، ويروون قصصهم المختلفة، وحبهم لشارع الحمراء، وكرههم له. فيلم من بين عدة أفلام لبنانية اختيرت لتعرض ضمن فعاليات المهرجان، للمخرج الشاب علي زراقط.
يروي الفيلم قصة بيروت عبر شخصيات يكادون يجهلونها. يتحدثون عن بيروت بالحديث الساذج الذي اعتدنا سماعه من بعض المثقفين وكل الناس. بيروت التي لا يحلو العيش فيها، وبيروت التي لا ثقافة فيها، وبيروت القبيحة، والفقيرة. هم لا يعرفون بيروت، التي تحدثوا عنها في الفيلم، والمخرج واحد منهم، أو أنهم لا يعرفون الحياة في البلاد الأخرى، التي يعتبرون ان الحياة فيها أفضل، وأجمل، حين يتهجمون على الحياة هنا، في لبنان.
فنان متسول، وصحافي شبه شاعر، ومخرج فقد كل أفلامه في الحرب ولم يعد يملك منها إلا ذكراها وكرهه للبنان. لا شك أن هؤلاء الأشخاص هم جزء من بيروت، إلا أنهم ليسوا إلا جزءا منها، وبيروت الحقيقية أغنى منهم بكثير. يروي الفيلم قصتهم، كأنها قصة بيروت، وينسى، حين يقول احدهم إن كل المسارح تغلق في بيروت، مثل »مسرح بيروت« و»مسرح المدينة«، ان هذين المسرحين أعيد فتحهما، وإن المعارض والاعمال الفنية تتكاثر، كل سنة، في العاصمة اللبنانية، وان الحياة في بيروت لا تزال أفضل منها في مدن وبلاد كثيرة.
بيروت ـــ فراس زبيب:
