أن نقتل الأبرياء والمساكين، أن نذبح لحظة فرح في عرس، أن ندوس على قيمنا الدينية والثقافية والاجتماعية، أن نلعن الضوء والشمع، أن نصبح عبيداً للظلام، أن نشوه كل »أيادينا البيض« على الحضارة الإنسانية، أن تختصرنا مجموعة جاهلة وتغيبنا وتضعنا في صندوق، في علبة سوداء مليئة بالمشاكل والحقد على الحياة والفرح. فمن نخدم؟ ولمن نعمل؟ وإلى متى تستمر هذه الجرائم المأساوية؟
من شرم الشيخ إلى لندن ونيويورك وعمان وبغداد ومدريد القتيل فقط هو البريء. رب أسرة أو امرأة عاملة، أو تلميذ، أو فنان، أو مثقف، أو ظل شجرة، أو جناح طائر. والقاتل واحد. زرعه أعداء الإنسانية جمعاء ليقتل الإنسان فينا. وليغتال العقل. ويطعن القلب. وليقطع الأوصال، ويسلمنا إلى شياطينه التي يدعوها ملائكة.
بأي ذنب تقتلون؟
يا ذا الجلالة، يا الله نجنا من عدوٍ يسفك دمنا ويشربه..
بالأمس رحل المخرج العربي الكبير مصطفى العقاد مع العشرات من الأبرياء، إثر التفجيرات التي وقعت في عمان. وخرج القاتل ليعلن بوقاحة مسؤوليته عن هدر هذا الدم ولم يخجل. لم يتوار، لم يتخف، لم يسأل عن أسماء ضحاياه. من هم؟ ما هي أعمارهم؟ ماذا فعلوا، ماذا يفعلون؟ فهذا غير مهم، لأن القاتل لا يحمل السؤال ولا معناه. وبالطبع لا يهتم مجرم من هذا النوع بأي نوع من الإجابة.
مصطفى العقاد الذي ولد في مدينة حلب في سوريا وحمل معه أحلامه العربية والثقافية إلى عاصمة السينما الأميركية، لينتج ويخرج أفلاماً عنا وعنه، يقدم حقائق عن حضارتنا وثقافتنا وديننا. يقول فيها نحن شعب مؤمن وطيب ونعشق الحرية. ونقيم مكانة للعقل، وداراً للحكمة نرفض الاستغلال ونرفض الاستعمار، ونرفض الظلم، وننتمي إلى دين أساسه الحق والعدل والمساواة بين الإنسان وأخاه الإنسان وكلنا نتساوى بين يدي رب العباد والكون.
حصل العقاد على الجنسية الأميركية، لكنه لم يتخل عن قوميته وانتمائه إلى الثقافة العربية الإسلامية. فعمل في السينما عشرات الأفلام التجارية منها سلسلة أفلام الرعب »هالوين« التي نجحت في تحقيق مآربها داخل أميركا وخارجها ثم قدم السينما التي يحلم بها أي السينما الهادفة كوسيلة إعلامية نستطيع أن نقدم أفكارنا وتاريخنا للآخر الذي يجهلنا، ويجهل ما قدمت الحضارة الإسلامية العربية للعالم من رقي ومعارف كثيرة.
فكان فيلمه »الرسالة« و»أسد الصحراء«. الأول تحفة سينمائية عالمية حول الرسالة الإسلامية، والثاني حول الشيخ الليبي العربي والمسلم عمر المختار في ثورته ضد المستعمر الأجنبي. ومن ثم حاول جاهداً أن يجد تمويلاً لإنتاج فيلم عن القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، الذي حرر بيت المقدس، لكنه لم يفلح.
ركز العقاد على التاريخ العربي الإسلامي، لأنه لم يجد في حاضرنا ما يمكن ان نتحدث عنه، ففي فيلم »الرسالة« استطاع ان يظهر للعالم الغربي حقيقة الرسالة الإسلامية بكل أبعادها الدينية القائمة على العدل والحق والتسامح وعن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما فيها من حكمة وقدرة على التجاور مع الآخر، شرط أن يسلم بوحدانية الخالق، وألا تعبد البشرية سواه، وألا يظلم الإنسان أخاه الإنسان، ولا يظلم نفسه بعبادة الحجارة والجهل. وقد أثر هذا الشريط بالجمهور الغربي تأثيراً كبيراً إيجابياً مما حدا بالأوساط الصهيونية والأجنبية المتطرفة أن تحاربه، وتحارب سينماه، وتحاول التضييق عليه، لكنهم لم ينجحوا ولم ينالوا منه، حتى استطاع التطرف القابع بيننا أن ينجح ويقتله باسم »الرسالة« العظيمة البريئة منهم ومن جهلهم.
وعلى المنوال نفسه استطاع هذا الفنان أن يسدد ضربة جديدة بفيلم »أسد الصحراء« في إسقاط رمزي على موضوع الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، فجن جنون اللوبيات اليهودية وقررت حرمانه من أي تمويل يساعده على تسديد أي ضربة أخرى بفيلم »صلاح الدين«، فتوجه إلى الممول العربي، الذي لم ينقذه أيضاً فبقي الحلم حلماً. منع من الصرف أو أن يصير حقيقة سينمائية.
يقول العقاد في مقابلة أجرتها معه فضائية »الجزيرة«: »في هوليوود مستحيل يمولوا الأفلام، يعني قضية فلسطين جسدتها بعمر المختار، عمر المختار بيشوفوه الآن كأنك عم بتشوف قضية فلسطين، في عندي موضوع عن الأندلس عن الحضارة اللي نحن عملناها في أوروبا، هالي بيسموا حالهم الآن متحضرين، كانوا يدرسوا بجامعات قرطبة. فالأشياء ما حدا بيعرفها، مو بس بالغرب، حتى ما بيعرفها إلا القلائل من شعوبنا، أنا هايدي رسالتي«.
ويضيف في مكان آخر من اللقاء ذاته: »بدي أقول للجمهور الغربي أنا قومي عربي، مسلم، كان عندنا حضارة، أعطينا العالم حضارة، بدي أوريهم نحن مش عالم عاش هايده هو، هايدي أنا تراثي، جذوري اللي علموني أياه في بيت العائلة، الله يكتر خير الوالد والوالدة، هايدي رسالتي أنا بدي أوصلها، مثلاً عمر المختار، لو بديت الفيلم بمجاهد رأساً لظن الجمهور بطوكيو ببرلين، لكن بدأته بمدرس معلم أولاد مدرسة، وهذا تركهم يتفاعلون معه. فكل إنسان في العالم بيعرف شو يعني أستاذ وشو يعني تلاميذ، تعاطفوا معه، حبوه، خلاص سيطرت على الجمهور، الآن صار مناضل بيناضله معه يبكي يبكوا معه«.
من الجدير ذكره أن فيلم »صلاح الدين« كان مخططاً له أن يلعب بطولته الممثل شين كونري، على أن يتم تصويره على أرض الأردن الذي قضى نحبه عليها. كذلك كان يستعد عملياً لتصوير فيلم بعنوان أمير الأندلس من بطولة الفنان عمرو دياب والممثلة السمراء من أصل عربي سلمى حايك، لكن الأيادي السوداء خطفت روح هذا الحالم الفنان المنتمي والبريء مع عشرات أرواح الأبرياء.
حسين قطايا