فتح إعلان شركة "أيكسون موبيل" عن تحقيقها أرباحاً قياسية خلال الربع الثالث باب المساءلة على مصراعيه حول مسؤولية الشركات النفطية الكبرى في بلوغ أسعار النفط مستويات عالية.
ومسؤوليتها الاجتماعية في المساهمة في تخفيف أعباء الطاقة المرتفعة عن كاهل أصحاب الدخول المنخفضة، وكذا مسؤوليتها السياسية في المساهمة في علاج أوجه التعثر في الموازنات المالية للحكومات، وأخيرا مسؤوليتها الإستراتيجية في المشاركة في تأمين إمدادات الطاقة وتخفيف حدة التبعية على الخارج.
وبدت الشركات النفطية في وضع لا تحسد علية أمام سيل الاتهامات التي تدفقت عليها والتي ذهبت إلى حد توصيف طرق جنيها لهذه الأرباح الضخمة بأنها نتاج إساءة هذه الشركات لآليات الاقتصاد الحر.
وأنها تصرفت في مسعاها لتعظيم مكاسبها بمنطق اللصوص وقطاع الطرق. واتسعت دائرة المساءلة لتتجاوز ساحة الرأي العام، بحيث أضحت محل جدل ونقاش في دوائر الكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب، كما اتسعت الدائرة الجغرافية لمساءلة الشركات لتشمل الشركات النفطية في المملكة المتحدة.
إطلاق شرارة المساءلة
وأطلق المؤتمر الصحافي الذي نظمت شركة إيكسون موبيل للإعلان عن أرباحها خلال الربع الثالث شرارة المساءلة التي طالت الشركات النفطية الأميركية الأخرى،حيث كرس الانطباع في أوساط الرأي العام بأن الشركة استفادت من الأسعار المرتفعة للجازولين ووقود التدفئة في زيادة أرباحها بنسبة 75% لتصل إلى 10 مليارات دولار.
وتعتبر هذه أرقاما قياسية بالنسبة لهذه الشركة العملاقة والتي تعد أكبر منتج للنفط في العالم. كما تعتبر عائدات مبيعاتها البالغ قيمتها 100 مليار دولار رقما قياسيا بالنسبة لصناعة النفط والغاز ككل.
وبدا الأمر على أنه ظاهرة عامة غير محصورة في شركة "إيكسون موبيل"، مع الإعلانات المتكررة للشركات النفطية الرئيسية عن تحقيقها أرباحاً قياسية خلال الربع الثالث.
حيث أعلنت شركة "رويال داتش شل" أن صافي دخلها عن الربع الثالث بلغ 9 مليارات دولار. كذلك أعلنت شركة "بريتش بيتروليم" أن أرباحها بلغت 6.5 مليارات دولار خلال الربع الثالث.
وحققت أيضا شركة كونكو فيليبس أرباحا قيمتها 3.8 مليارات دولار عن الربع ذاته، وبهذا، صار من المتوقع في نظر بعض المحللين أن تسير الشركات النفطية الرئيسية وبشكل جماعي على مسار تحقيق أرباح تزيد على 100 مليار دولار خلال العام الجاري.
غضب الرأي العام على الشركات
وصورت التعليقات المحتجة الشركات النفطية على أنها تتصرف بمنطق اللصوص في تعظيمها لمكاسبها، في الوقت الذي فيه تئن العائلات الأميركية من ارتفاع فواتير الطاقة.
ووحد الديمقراطيون والجمهوريون صفوفهم في مطالبة الشركات النفطية بالاستثمار في المصافي لتعزيز الطاقة الإنتاجية للجازولين ووقود التدفئة.
وينظر الرأي العام الأميركي بامتعاض إلى صناعة النفط، ورسخت في عقول جمهرة الناس أن شركات النفط تسعي فقط إلى تعظيم أرباحها، ولا تعر اهتماما لحجم التكاليف التي يتكبدها الفرد في دفعه لفواتير استهلاكه للطاقة نتيجة لارتفاع أسعار النفط والجازولين.
حتى في ولاية تكساس معقل إنتاج النفط في الولايات المتحدة والتي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على النفط على مدى يزيد على قرن، فقد تضررت الصورة الواقرة في العقول عن الشركات النفطية، وصار ينظر إليها على أنها مسئولة عن ارتفاع أسعار النفط. وظهرت هذه الصورة في استطلاع للرأي العام أجرته شركة "تكساس اليانس" لمنتجات الطاقة.
وأظهر الاستطلاع أن ما يزيد على 23% من أفراد العينة لديهم تصورات سيئة عن الصناعة، بل إن هذه التصورات تعد الأسوأ منذ 5 سنوات، كما بين الاستطلاع أن 40% من أفراد العينة يحملون شركات النفط مسئولية ارتفاع أسعار الجازولين.
جدل في الكونغرس
وخرج الموضوع من دائرة "نقمة الرأي العام" ليصبح موضوعا سياسيا يدور حول محور أساسي وهو "مسئولية هذه الشركات"، سواء فيما يتعلق بمسؤوليتها عن ارتفاع أسعار الطاقة.
أو فيما يتعلق بمسؤوليتها في تعويض المتضررين من ارتفاع أسعار الطاقة، وهنا تفجر الجدل في أوساط السياسيين حول ما يمكن أن تفعله لتوسيع نطاق المستفيدين من أرباحها الفلكية.
وجاء هذا الجدل على أرضية التخوف المتزايد لدى أعضاء الكونغرس من ردود أفعال المستهلكين الغاضبة عندما يتسلمون فواتير استهلاكهم لوقود التدفئة الأسابيع القليلة المقبلة.
ولهذا، يبذل أعضاء الكونغرس جهودهم لزيادة المساعدات الفيدرالية للفقراء في دفع فواتير الطاقة إلا أن جهودهم لم تكلل حتى الآن، وتتنبأ وزارة الطاقة الأميركية بأن وقود التدفئة ستزيد تكلفته بنسبة 30% خلال موسم الشتاء في الولايات الشمالية الشرقية.
وفي هذا السياق، طرح على مائدة الجدل الكثير من المقترحات، فمن جانب أقترح السيناتور شارليز إيسكومير فرض ضرائب مؤقتة على الشركات النفطية وإنفاق هذه الأموال في إعمار المناطق التي ضربتها موجة الأعاصير في خليج المكسيك .
وفي خفض عجز الموازنة، ومن جانب آخر، اعتبر السناتور جوزيف كاراكبا من الحزب الجمهوري أرقام العوائد التي حققتها الشركات النفطية بمثابة دليل على أن المضاعفات السلبية التي خلفتها موجة الأعاصير .
والناتجة عن تضرر المنشآت النفطية كان من الممكن تلافيها، وهو ما يبرهن على سلك هذه الشركات مسلكا ابتزازيا في تسعيرها للمنتجات النفطية قاد إلى جنيها مكاسب على حساب المستهلكين.
وفي هذا السياق، دعت هيلاري كلينتون عضو مجلس الشيوخ إلى تأسيس صندوق استراتيجي للطاقة يتم تمويله من أرباح الشركات النفطية، ويهدف إلى الاستثمار في تكنولوجيات موارد الطاقة لدعم استقلالية الولايات المتحدة في هذا المجال.
واعتبرت الأرباح الضخمة التي حققتها الشركات النفطية الكبرى بمثابة برهان على أن الوقت قد حان بالنسبة لهذه الشركات لكي تكثف جهودها وتستخدم عوائدها الضخمة في تطوير موارد الطاقة حتى تصبح جزءاً من حل مشكلة الطاقة في الولايات المتحدة.
وفي الإطار ذاته، قام السيناتور شارليز جراسيلي رئيس لجنة المالية في مجلس الشيوخ بإرسال خطاب إلى الشركات النفطية يحثها فيه على المساهمة في برنامج "مساعدة الطاقة لأصحاب الدخول المنخفضة".
وقد انفق هذا البرنامج في العام الماضي 2.2 مليار دولار كمساعدات للفقراء وكبار السن في دفع فواتير استهلاكهم للطاقة في موسم الشتاء، ومن المتوقع في رأي الديمقراطيين أن يتضاعف حجم التمويل المتاح لهذا البرنامج خلال موسم الشتاء للعام الجاري.
ودعا جراسيلي في خطابه الشركات إلى النهوض بمسؤولياتها في تقديم المساعدة للناس الأقل قدرة على تحمل تكلفة عالية لوقود التدفئة، ولاحظ أن الشركات النفطية الكبرى من المتوقع أن تجني 96 مليار دولار خلال عام 2005.
مما يجعل من غير المنطقي أن تنمو عوائدها بنسب 50 و75 و100%،في وقت تبخل فيه عن المساهمة بنسبة 10% من أرباحها في تمويل برنامج "مساعدة الطاقة لأصحاب الدخول المنخفضة".
وطالب جراسيلي الشركات بأن تقدم كشفا تفصيليا بمساعداتها الخيرية وقدم الديمقراطيون في مجلس الشيوخ طلباً مماثلاً حيث طلبوا من شركات النفط أن تتصرف من منطلق المواطنة وأن تخصص 10% من أرباحها للبرنامج المذكور.
وفي الوقت ذاته كثفوا جهودهم لحشد التأييد اللازم لهذا الاقتراح والذي يطالب الشركات بأن تعيد بعض أرباحها إلى المستهلكين في حالة عدم قيامها ببناء مصاف جديدة أو عدم قيامها بالاستكشاف عن مصادر جديدة للطاقة.
وعبر عن ذلك جيد جريج رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ بإعرابه عن تطلعه إلى فرض ضرائب مؤقتة على أرباح الشركات النفطية لتمويل البرنامج.
كما استهجن السيناتور بيرون دورجان سلوك الشركات قائلا إن التحدث لا يكلف شيئا، ولكن يبقى السؤال هو: ماذا سيفعله الكونغرس لتصحيح أوجه عدم العدالة والظلم؟
ويلقى هذا الاقتراح معارضة لا تنحصر على الإدارة الأميركية فحسب، وإنما كذلك بعض أعضاء الكونغرس حيث يعارض بيل فيرست زعيم الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب فرض ضريبة مؤقتة قائلا "إنني ما زلت معترضا على هذه الضريبة".
وذلك على الرغم من موافقته على عقد جلسة استماع حول أسعار الطاقة المرتفعة بهدف الكشف عن هؤلاء الذين سعوا إلى تعظيم مكاسبهم على حساب المستهلكين، كما عارض صموئيل بودمان وزير الطاقة الأميركي فرض هذه الضرائب على أرباح الشركات.
تهدئة غضب المستهلكين
وتحاول الشركات النفطية تهدئة غضب المستهلكين بإبراز أن مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة تعود إلى أوجه الخلل الموجودة بين الطلب والعرض والناتجة عن صعود الطلب العالمي خاصة من الهند والصين والذي فاق التوقعات.
ونقص الطاقة التكريرية، وعدم الاستقرار في بعض الدول الرئيسية المنتجة للنفط، وتفاقم الأوضاع في العراق وإن العوائد الحقيقية التي تجنيها تأتي من أعمالها في مجال الإنتاج والاستكشاف.
وفي الوقت نفسه تواجه الشركات النفطية وقتا عصيبا في زيادة إنتاجها النفطي، فعلى سبيل المثال، رفعت شركة ايكسون بنسبة 75% خلال السنوات الخمس الأخيرة لتصل إلى 12 مليار دولار سنويا، ولم يتزحزح إنتاجها.
وقالت شركة إيكسون موبيل في بيان عوائدها إنها استثمرت 4 مليارات دولار خلال الربع الثالث على مشروعات رأسمالية وأنشطة التنقيب ليصل قيمة إنفاقها على الاستثمار حوالي 12.4 مليار دولار بزيادة مقدارها 1.7 مليار دولار بالمقارنة مع العام الماضي.
وفي هذا السياق، دافعت شركة إيكسون موبيل عن نفسها بإشارتها إلى أنه في الوقت الذي سعت فيه إلى جني الأرباح، فإنها تحلت بروح المسؤولية، وشجعت الموزعين وتجار التجزئة على أن يحذوا حذوها.
وقالت مؤسسة البترول الأميركية وهي مجموعة ضغط تدافع عن مصالح الشركات النفطية إن العوائد التي جنتها صناعة الغاز الطبيعي والنفط تعد مسألة طبيعية وذلك عند النظر إلى الأرباح في علاقاتها بالمبيعات ضرائب إضافية في المملكة المتحدة
وعلى جانب الآخر من المحيط الأطلسي وعلى وجه الخصوص في المملكة المتحدة، بدأ الحديث عن ضرورة أن تستعد الشركات النفطية البريطانية العملاقة كشركة بريتش بيتروليوم وشركة رويال داتش شل لدفع ضرائب.
إضافية خلال العام الجاري، وذلك مع تطلع الحكومة البريطانية إلى معالجة عبء ديونها المتصاعد وتسيطر هذه الشركات على 60% من الإنتاج النفطي لبحر الشمال.
وقد طرحت آراء داخل الحكومة البريطانية تدعو إلى اقتطاع جزء من المكاسب التي جنتها الشركات النفطية نتيجة لارتفاع أسعار النفط إلى ما يزيد على الضعف خلال العامين الأخيرين، ووصلوها إلى سقف 70 دولارا للبرميل.
وجاء على لسان ديريك ليث رئيس إدارة ضرائب النفط في شركة إيرنيست آند يونج الرائدة في مجال المحاسبة والتي تقدم النصح والاستشارات للشركات النفطية البريطانية الكبرى أنه يبدو حتميا أن وزير الخزانة جوردون براون سيتطلع إلى الحصول على حصة من الريع الذي جنته الشركات نتيجة لصعود الأسعار إلى مستويات عالية.
وتوقع ديريك ليث أن تكون الشركات البريطانية الكبرى مستهدفة من قبل وزير الخزانة البريطاني، في ظل تصاعد الضغوط عليه ليضع حلولا لعجز الموازنة الضخم والبالغ قيمته 11 مليار جنيه إسترليني وتباطؤ إنفاق المستهلك.
ودافع ليث عن الشركات النفطية البريطانية بإشارته إلى أن تأثيرات الزيادات الضريبية التي سرت في عام 2002 مازالت محسوسة.
ولاحظ أنه من خلال النظام الضريبي البالغ التعقيد والساري حاليا، فقد استفادت الحكومة بالفعل من ارتفاع أسعار النفط بما يزيد على 5 مليارات جنيه إسترليني، وأنه من المقدر خلال العام المالي 2005 و2006 أن تقفز العائدات الضريبة النفطية إلى 11 مليار جنيه إسترليني.
كتب مجدي عبيد:
