هل يعقل أن يعاني العالم العربي من مشكلات البطالة التي تبدو أرقامها الحالية باعثة على الدهشة والتي تبدو مع استمرار معدلاتها في المستقبل القريب باعثة على القلق؟

وهل يقبل أن يصل حجم البطالة الحالية في الدول العربية إلى نحو 15 مليون إنسان بسبب هبوط معدلات النمو الاقتصادي وضعف حجم الاستثمارات العربية في البلاد العربية بينما يبلغ حجم الأموال العربية المهاجرة للاستثمار في الخارج نحو 1.5 تريليون دولار؟

فعندما يؤكد مجلس الوحدة الاقتصادية العربية أن حجم العاطلين عن العمل في البلاد العربية يتراوح حالياً ما بين 10 ـــ 15 مليون شخص وتوضح الدراسة الصادرة عنه أنه يتوقع أن يصل هذا الحجم إلى 25 مليون شخص بعد خمس سنوات فقط أي مع نهاية العام 2010.

وعندما تكشف دراسة أعدها رئيس تحرير التقرير الاقتصادي الاستراتيجي في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية أن حجم الاستثمارات العربية المهاجرة يتجاوز 1.4 تريليون دولار فذلك أمر لا يدعو إلى القلق فقط، ولكنه يبعث على الخوف على مستقبل الأجيال القادمة من شباب الخريجين العرب الذين لن يجدوا فرصة عمل.

ومعنى ذلك أن فوائض الأموال العربية المهاجرة وبهذا الحجم الضخم قد قررت حل مشكلات البطالة لأبناء الدول المتقدمة والغنية في جميع أنحاء العالم بدلاً من حل مشكلات البطالة لأبنائهم وأبناء أشقائهم في البلاد العربية!!

إن واحداً من بين أسباب تزايد حجم مشكلة البطالة التي هي واحدة من أكثر المخاطر الاجتماعية القابلة للانفجار في وطننا العربي.

هو ضعف معدلات الاستثمار وطبقاً لما تشير إليه الدراسة الواردة على موقع »هداية نت« إن الاستثمارات الجديدة والتوسعات الاقتصادية هي العامل الرئيس في نمو حركة مستوى التشغيل في اقتصاد أي بلد.

إن مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تتزايد في عالمنا العربي ليس لها من حلول إلا بزيادة برامج التنمية وزيادة معدلات النمو مما يتيح فرص عمل متزايدة ومنتجة تعود على الاقتصاد الوطني بالفائدة وعلى المجتمع الوطني بالسلامة.

لكن المعوقات كبيرة أمام وضع خطط للتنمية قابلة للتحقيق أو للوفاء بالأهداف التي وضعت من أجلها وأهمها رفع مستوى معيشة المواطن الفرد اقتصادياً واجتماعياً وزيادة حجم الناتج القومي.

وتحقيق توازن بين معدلات الادخار، والاستثمار، وبين الإنتاج والاستهلاك، كما أن هدفاً من أهم أهداف أية خطة للتنمية هي توفير حجم من الوظائف المنتجة التي تتناسب مع حجم الخريجين الجدد.

والحديث عن وضع خطط للتنمية سواء لحل مشكلة البطالة أو لرفع معدل النمو في بعض البلاد العربية يصبح أمراً خيالياً إذا لم يتوفر التمويل اللازم لوضع هذه الخطط.

ولتنفيذ المشروعات الزراعية والصناعية والخدمية اللازمة لإحداث هذه التنمية.. فمن أين لهذه الدول بالاستثمارات اللازمة لحل مشكلاتها وتنمية مجتمعاتها وتأمين شعبها؟

وفضلاً عن ذلك هناك معوقات أخرى كثيرة أمام عملية التنمية الاقتصادية والبشرية العربية يحددها الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد السيد النجار في عدد من الجوانب.

أهمها زيادة االديون الخارجية وعمليات التحول الاقتصادي، وتغير آليات السوق، وضعف إسهام الصناعة في الناتج الإجمالي المحلي للدول العربية فضلاً عن أن أغلبها مرتبط بالصناعات النفطية،.

وإذا كان حجم اسهام قطاع الصناعات التحويلية في الناتج المحلي هو المقياس الأوضح لمدى التقدم الاقتصادي، وقدرته على النمو الذاتي، فإن إسهام هذا القطاع لم يتجاوز 18.2% مقارنة بنحو 19% في المئة في المتوسط العالمي و17% في المئة في الدول الفقيرة بينما يصل في الصين إلى 35%.

وإذا كانت هناك أسباب أخرى بجانب السبب الرئيسي وهو ضعف حجم الاستثمارات العربية في البلدان العربية فإنها ـ كما تشير الدراسة ـ تعود إلى التخلف التكنولوجي في الصناعة التحويلية، مما يؤثر سلباً على حركة الصادرات العربية الناتج عن جمود الهياكل الإنتاجية.

كما أن زيادة حجم الديون الخارجية لبعض الدول العربية إنما يعود إلى الفجوة بين معدلات الإدخار ومعدلات الاستثمار بالإضافة طبعاً إلى العجز من الميزان التجاري والجاري لهذه الدول إلى جانب زيادة معدلات النمو السكاني.

من جانب آخر أكدت دراسة أخرى أن السبب الرئيسي في زيادة معدلات البطالة في الدول العربية إنما يعود إلى ضعف معدلات الاستثمار.

إضافة إلى عمليات "التحرر الاقتصادي" والخصخصة، والتطبيق الخاطئ لسياسات تحرير التجارة دون حساب كاف للآثار الاجتماعية المترتبة عليه بالإضافة إلى ضعف مناهج التعليم والتدريب.

نصل من هذا كلها إلى ان مشكلات التنمية العربية ومشكلة البطالة الناتجة عن ضعف برامج التنمية الناتجة عن ضعف التمويل اللازم للاستثمار في مشروعات التنمية خاصة في البلدان العربية غير النفطية تتطلب انتباهاً أكبر .

وحركة أسرع وجدية لزيادة حجم الاستثمار العربي في الوطن العربي، وأن ذلك يلزمه تهيئة مناخ الاستثمار الدائم في الدول العربية لضمان وتشجيع رؤوس الأموال العربية للاستثمار.

وإذا كنا نتكلم الآن عن ضرورة التنمية العربية المشتركة والحاجة إلى اسهام عربي أكبر لرأس المال العربي لإقامة مزيد من المشروعات الصناعية والزراعية على الأرض العربية.

فلأننا نهدف على وجه الخصوص إلى التركيز على ضرورة إحداث شراكة عربية في التنمية الإقليمية لفائدة المستثمرين والمستثمر لديهم المال العربي للمصلحة المشتركة بين الطرفين.إن واحدة من أهم نتائج هذه الشراكة، إعلاء قيمة العمل كعنصر انتاجي في التنمية العربية .

وإبطال مفعول تلك القنبلة الاجتماعية الموقوتة التي لا يجب أن نتغافل عن مخاطرها على المستقبل الاجتماعي العربي خصوصاً عندما نعلم أن أعداد البطالة بلغت نسباً مخيفة إذ وصلت في الجزائر إلى 38% و19.5% في المغرب، 14.7% في تونس و3.6% في الكويت، وفي مصر إلى 15%.

وحلاً لهذه المشكلة الباعثة على القلق دعا مجلس الوحدة الاقتصادية العربية إلى الضرورة الملحة لاستحداث 5 ملايين فرصة عمل سنوياً على الأقل حتى يمكن تقليص البطالة إلى مستوى معقول .

واستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، محذراً من أن مشكلة البطالة أصبحت تتصدر قائمة التحديات التي تواجه الدول الغربية بسبب زيادة عرض الأيدي العاملة لا تقابلها زيادة في الطلب بسبب عدم توفر الوظائف التي تمكن من الاستيعاب نتيجة ضعف الاستثمارات.

ويطالب الدكتور ابراهيم قويدر المدير العام لمنظمة العمل العربية صناع القرار في الوطن العربي بضرورة السعي الجاد لتوفير نحو 100 مليون فرصة عمل بحلول عام 2020 حيث سيصل عدد السكان العرب إلى 488 مليون نسمة يمثل الشباب منهم 53% وهم قوة العمل الرئيسية التي تحتاج إلى توفير مزيد من فرص العمل. وإلا فالنتائج ستكون خطيرة.