باتت اقتصادات العولمة وما يتفرع عنها من جوانب سياسية وثقافية واجتماعية تبلور توجهات مادية جديدة في الحياة اليومية للأمم والشعوب والأفراد العاديين. وإذا كان من المبكر رصد التبدلات التفصيلية في حياة البشر من جراء الاقتصاد العولمي.

ـــ وهذا أمر طبيعي كون تلك التبدلات تبدأ من المستويات الكلية نزولا إلى الجزئيات ـــ، فأن التوجهات العامة لاقتصادات العالم خلال السنوات الماضية، وكذلك التغيرات على صعيد حياة الأمم والشعوب تكشف جانبا جليا من آثار أو ملامح العصر الجديد الذي نلج فيه.

وصحيح أن هذه الآثار هي مزيج من الجوانب الايجابية والسلبية، الا أن الجانب السلبي لا يزال هو الطابع الأبرز خصوصا أنه هو الذي يطال أوضاع الشعوب الاجتماعية والمعيشية، في حين أن تحسن مؤشرات بلدانها الاقتصادية لا يعني بالضرورة تحسن هذه الأوضاع وذلك بسبب سوء التوزيع والفساد والمعوقات البيروقراطية وغيرها.

ففي ظل الاقتصاد العالمي الجديد، وسريان العجلة الضخمة للانتاج الرأسمالي، من الطبيعي ان تزيد العلاقات المركبة بين المؤسسات المالية في الدول المختلفة ما يزيد من التأثيرات المتبادلة للاوضاع الاقتصادية في بلد على الآخر.

بحيث تطال النتائج السلبيه للازمات المالية الراهنة اكثر الدول تطورا. ومن المتوقع ان تزيد حدة المنافسة في اسواق التجارة الدولية. ولذلك فإن اسعار السلع المصنعة والمواد الاولية قد تتعرض لضغوط باتجاه الانخفاض.

ولابد ان يؤدي هذا الواقع الى ضغوط على الصادرات من الدول النامية. لكن هذا التنافس المحتمل في اسواق التجارة الدولية ربما يدفع الى خلق بنيات استثمارية جاذبة للشركات العملاقة في الشرق الاوسط واوروبا والولايات المتحدة عندما تصبح تكاليف الانتاج في الدول الاسيوية ودول اميركا اللاتينية معتدلة، ومن ثم تتدفق اموالها في قنوات هذه الاقتصادات.

ويشير بعض من الخبراء إلى ان ما تعرضت له شرق آسيا وعدد اخر من الدول اللاتينية قبل سنوات عدة قد يكون مفيدا باعتباره سيدفع الى اصلاحات اقتصادية ضرورية، والمزيد من الشفاقية وتفعيل انظمة الرقابة، فلا شك ان هناك خاسرين مما جرى لكن ذلك شر لابد منه، عندما تتجاوز الانشطة الحدود المنطقية لاقتصاداتها.

والاهم من كل ذلك ان الانظمة السياسية ذات العلاقة في الدول المعنية لابد ان تراجع حساباتها وتدفق في اساليب العمل الاقتصادي،وتتفاعل مع الاسواق بموضوعية واتزان.

وكانت اليابان الاكثر عرضة لتأثيرات الازمة الاسيويه السلبية، نظرا لارتباط اقتصادها بشدة بالمنطقة (تذهب نحو 44% من صادراتها الى باقي الدول الآسيوية).

وقد فجر انهيار مجموعة "باماتشي" للسمسرة والاوراق المالية التي تعد واحدة من بين اربع مؤسسات مالية الاكبر من نوعها في اليابان والاقدم على الاطلاق قبل عدة سنوات، شكوكا قوية وواسعة في مدى قدرة النظام المالي في اليابان على مواجهة العولمة.

ونظام التجارة الحرة الذي يعني ان اليابان لن تبقى على اسواقها مغلقة الى الابد، في الوقت الذي تتمتع بفائض تجاري مع العالم تجاوز العام الماضي نحو 130 مليار دولار.

ويقول المحللون انه ومنذ دخول اليابان مع بداية عقد التسعينات ما يطلق عليه اقتصاد الفقاعة او الاقتصاد المشتق، وهو اقتصاد المضاربات الذي لا علاقة له بالعملية الانتاجية نفسها، اصبحت معدلات التنمية في ادنى مستوى لها، حتى انها بلغت الصفر.

وبدأ الاقتصاد الياباني يواجه صعوبات قوية خصوصا النظام المالي الذي يواجه تحديات حقيقية. ومن هنا فان التحديات التي يخلقها تيار العولمة هي تحديات شاملة وسوف يكون وقعها ذا تأثير خاص على كل اقتصاد سواء نام ام متقدم.

أما على صعيد التحولات العالمية والعولمة وعلاقاتها بالبشر والعمالة، فنحن نشير هنا إلى تقارير البنك الدولي التي تكرر الإشارة بان العولمة ولدت ثراء غير مسبوق.

بيد انها تركت نصف البشرية تقريبا يعيش بأقل من دولارين في اليوم. وتشير هذه التقارير الى بروز مكاسب »استثنائية في لا مساواتها« من وراء العولمة، كما تشير ان الدول الفقيرة باتت متأخرة اكثر عن الركب.

وان نصف سكان الكرة الارضية تقريبا (2.8 مليار نسمة من اصل 6 مليارات) يعيشون حاليا باقل من دولارين يوميا فيما متوسط الدخل في الدول العشرين الاغنى يفوق بـ 37 ضعفا متوسط الدخل في الدول العشرين الاكثر فقرا.

ويقول نيكولاس ستيرن وهو من كبار اقتصاديي البنك الدولي ان البنك يتقاسم مسؤولية السياسات المخلة التي اضرت بالدول الفقيرة. وقال لقد شرعنا في سلوك طريق مختلف لتحقيق تنمية تؤكد على الصحة والتعليم وقضايا المساواة بدلا من تمويل مشاريع البنى التحتية الضخمة.

وفي قائمة البنك لاغنى دول العالم وفقا لمتوسط دخل الفرد السنوي جاءت سويسرا في المركز الاول، اذ بلغ متوسط دخل الفرد فيها 38350 دولارا تليها النرويج ثم اليابان فالدنمارك بينما جاءت الولايات المتحدة في المركز الخامس.

أما المراكز من السادس حتى العاشر فقد احتلتها على التوالي سنغافورة والنمسا والمانيا والسويد وبلجيكا وحسب البنك فان الولايات المتحدة كانت ستتصدر القائمة لو انها وضعت على اساس القوة الشرائية للفرد تليها سويسرا ثم سنغافورة.

وتكشف تقارير البنك الدولي عن ان معدل الدخول في الدول العشرين الاغنى في العالم اكبر 37 مرة منه في الدول العشرين الافقر. وهذا يعني تضاعف الفجوة التي كانت قائمة قبل 40 عاماً.

ان جميع هذه الارقام ليست بحاجة الى تعليق كبير، وهي فاحشة ومؤلمة لدرجة لم يستطع المسؤولون بالبنك اخفاءها. واذا كانت التقارير توصي بمنح الفقراء سيطرة اكبر على الانفاق العام .

والمساعدات الخارجية التنموية، وزيادة حرية الوصول الى الوظائف والمدارس ووسائل النقل والكهرباء والماء وتركيز الانفاق العام على الصحة والتعليم والاولويات الاجتماعية.

وانشاء صناديق تمويل للنكبات لحماية الفقراء من الكوارث الطبيعية والركود الاقتصادي، فان جميع هذه التوصيات لن تحقق تقدما مهما بظل استمرار الاختلالات في انظمة التبادل التجاري وانظمة تبادل المنافع على المستوى العالمي.

ولن تكفي هنا دعوات البنك الدولي المفرطة بالتفاؤل دول العالم المتقدمة منها والنامية لتعمل »يدا واحدة« حتى يكون القرن الواحد والعشرون عصر التقدم السريع في معركة القضاء على الفقر في العالم.

كما ان البنك الدولي يشدد على ان الدول النامية مدعوة اولا الى تطبيق مختلف الاصلاحات الادارية والسياسية والتشريعية للتخفيف او ازالة اسباب الفقر الاساسية بدءاً من التمييز على اساس الجنس والعرق والوضع الاجتماعي. والى اعتماد آليات فاعلة تخفف من هشاشة الاكثر فقرا ازاء الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية (التأمين وصناديق الضمان).

إلا أن التقارير تخفق في تأكيد مسؤوليات الدول الصناعية في استمرار هذه الاوضاع، بل وتدهورها في الدول النامية، حيث تكتفي بالاشارة من بعيد الى ان الانفتاح على التجارة الخارجية لا يخلو من المخاطر.

وفي هذا الاطار يقترح البنك الدولي على سبيل المثال سياسة المراحل في الاجراءات من أجل خلق وظائف جديدة مع التنبه لمسألة اختفاء وظائف اخرى عن طريق التعويضات الانتقالية كما جرى بالنسبة للفلاحين المكسيكيين عند التوقيع على اتفاق التبادل الحر مع شمال اميركا قبل اربع سنوات.

كما توجه التقارير دعوة خجولة الى الدول الغنية الى فتح اسواقها أكثر فأكثر امام صادرات الدول الفقيرة خصوصا الصادرات الزراعية. حيث تعتقد الدول الفقيرة ان الجانب الاكبر من الانظمة التجارية للبلدان الغنية انما يتم على حسابها.

ولا شك ان تخفيف الديون عن دول العالم الثالث يأتي في مقدمة الاجراءات المطلوب من الدول الصناعية اتخاذها مع اعتماد الاجراءات اللازمة لجعل مساعدات التنمية مساعدات ذات جدوى.

ان المؤسسات المالية المتعددة الجنسيات مدعوة للمساعدة في استقرار الاوضاع المالية في العالم واعتماد طرق استثمار ذات منظور اخلاقي. كما يجب العمل على مراقبة المصادر التي تمول النزاعات وخفض المبيعات العسكرية والمساعدة على اعادة الاعمار المادي والاجتماعي بعد النزاعات.

وهي جميعها تلعب الدول الصناعية دورا رئيسيا فيها. ولكنها جميعها دعوات اشبه بالامنيات بظل سيطرة القوى الكبرى على مصالح العالم، وتسخير هذه المصالح لتحقيق رفاهية احادية الجانب لا تنطوي على أي من المعايير الاخلاقية والحضارية.