تمثل أفلام الأطفال في السينما العالمية دخلاً مادياً لا يستهان به حيث تتخطى إيرادات الفيلم الواحد حاجز المئة مليون دولار في أميركا وحدها، كما يحصل أبطالها بجانب الشهرة على أجور فلكية ويحصدون جوائز عالمية كالكبار، وصارت أفلام الصغار صناعة تبيض ذهباً تدعمها وكالات ومؤسسات وعقود خاصة لاكتشاف النجوم الصغار.

ولكن خلف هذا البريق واللمعان والشهرة تكمن المأساة، فعملية صناعة هذا الطفل النجم الذي يعشقه الجمهور، بعيدة كل البعد عن النهايات السعيدة للقصص الخيالية التي يقومون بتمثيلها. الصورة قاتمة لحياة الأطفال النجوم على الشاشة، فالطفل ببساطة يعمل دون رحمه بقضاء ساعات عمل طويلة، ويتعرض لضغط نفسي كبير للعمل من أجل إرضاء أطماع الآخرين.

وتبدأ قصة الطفل النجم في السينما ببراءة ومتعة وهواية تشبه رحلة إلى عالم ديزني لاند ولكن الخاتمة مختلفة، فالطفل أمام الكاميرا وخلفها عليه نسيان طفولته والتصرف كراشد في مجتمع الكبار فلا مجال للبكاء أو البراءة أو الصدق بل التملق والتمثيل والابتسام »فلاش« الكاميرات، ويتحول في أغلب الأحيان إلى دجاجة التي تبيض ذهباً لوالديه، وأيضاً وقوعه تحت سيطرة وكيل أو مدير أعمال لا يرحم.

ومرحلة الطفل النجم مؤقتة فسرعان ما يكبر ويخبو وهجه، ويبقى يصارع ماضيه وهو لم يبلغ سنوات طفولته أو مراهقته، وعلى سبيل المثال الطفلة النجمة داكوتا فينينغ في فيلمي (هايد آند سييك) و(حرب العوالم) مع توم كروز يتوقع لها مستقبل باهر في حياتها الفنية وهي تتحدث كالكبار عن أدوارها والشخصيات التي تتقمصها أما طفولتها فضائعة ولا وجود لها وحديثها الممتع ليس لأنها طفلة معجزة بل لكونها لم تعرف إلا فلاشات التصوير وعالم الكبار في استديوهات السينما.

قصص مؤلمة

ومن أشهر قصص الأطفال المؤلمة قصة النجمة درو باريمور التي تعرض عالمها الصغيرة للزلزلة وهي من مواليد 1975 وبطلة فيلم الخيال العلمي »أي تي« وإحدى بطلات »ملائكة تشارلي«، شهرتها بدأت في الإعلانات وخاصة حفاضات الأطفال.

بعد فيلم »أي تي« دخلت في دوامة المخدرات في الحفلات المقامة على شرفها وقيل إنها بدأت التعاطي في سن الثامنة تحت عيون وبصر والدتها المدمنة، وبصعوبة استطاعت التخلص من الإدمان والوقوف من جديد في سن الواحدة والعشرين.

وبروك شيلدز الجميلة نموذج آخر، وتقول لم اعش طفولتي فوالدتي كانت تخبىء عني الشيكولاتة وكل ما من شأنه زيادة وزني، ومنعت عني الأصدقاء وحصرتني في عالم الأضواء والكبار في السن، ومازالت للآن تحاول التعويض عن حياتها الطفولية الضائعة والتغلب على الاكتئاب، وأحد المصورين المشهورين الذي التقط لبروك شيلدز أجمل صورها وهي في سن الثانية عشرة. يقول عنها شعرت بأنني أقف أمام امرأة محترفة لا طفلة.

وبطلة فيلم الرعب أكزوريست (الجزء الأول) في السبعينات ليندا بلير، التي أبدعت في دورها المرعب عن قصة طفلة يتقمصها الشيطان وتحاول أسرتها مع رجل الدين إبعاد الأرواح الشريرة عنها، أفزعت الكثيرين بسبب اتقانها المذهل للدور، تقول: كنت صغيرة السن وكان الكبار قبل الأطفال يتجنبونني ويخافون مني، وما لا يعرفه البعض انها دخلت مستشفى الأمراض النفسية للمعالجة بسبب خوفها المتنامي من الشخصية التي أدتها، وفي الوقت الحاضر تشرف على مكتب لحماية الأطفال النجوم وجمعية للرفق بالحيوان.

بطل مسلسل (آلام النمو) في الثمانينات كيرك كاميرون، كره وسامته وترك الشهرة وهو في عز النجومية، بدأ صغيراً وأصبح نجماً للمراهقين، يقول: في البدء أحببت الشهرة ولكنني كرهت الجماهير في أي بقعة اذهب إليها يحاصرونني، وبشكل يومي كنت أعود لغرفتي أبكي مر البكاء على حالي.

ومسلسل (ديفرنت ستروكس) لم يكن مسلياً لأبطاله الصغار، فجاري جولدمان الطفل الأسود الخفيف الظل قاضى والديه قبل بلوغه السن القانوني بدعوى تبديد أمواله، والطفل تود بريدجز بعد انتهاء المسلسل في العام 1984 لم يجد من يقبله كممثل.

في حين أن والدته التي أوصلته للنجومية أصبحت مديرة أعمال للعديد من النجوم الصغار بينما انغمس ابنها في المخدرات والعنف، والطفلة الثالثة دانا بلاتو في المسلسل تحولت إلى بطلة لأفلام دون المستوى وتورطت في قضايا عنف ومخدرات لتلقى حتفها على كرسي في حديقة عامة بسبب جرعة مخدرات وهي في الرابعة والثلاثين.

ماكولي كولكن في سن السابعة سلب الألباب في فيلم »وحيد بالمنزل« بجزئيه ويعتبر أشهر وأغنى طفل (ممثل) في السينما حالياً، وبعد اعتزاله استراح على ثروة تقدر بـ 17 مليون دولار تغنيه عن جحيم النجومية، التي أصابته بسبب طمع والديه المكروهين في هوليوود وتطاحنهم على توزيع ثروته مما أصابه بالإحباط وهو في سن الرابعة عشر، وهذا الطمع أثر على معنوياته وجعله يتخبط في علاقة زواج على طريقة المراهقين، ثم أدمن الكحول وتناول الحبوب المهدئة.

وماكولي ضحية لوالديه بالدرجة الأولى وجمهور لم يتقبله كبالغ بل أراده دوماً ذلك الطفل الوحيد بالمنزل. ونتالي وود المرأة الجميلة بطلة فيلم »الحي الغربي« 1961 ذات الأصول الروسية قضت نحبها في حادث غرق، وبدأت حياتها الفنية وهي طفلة في سن الرابعة حيث دعمتها والدتها في المسرح، وحسب قولها كنت أعيش في جحيم لا يطاق كانت والدتي تدفعني للرقص ولم تكن ركبتاي تقوى على حملي، وللآن لا أستطيع مسامحتها على ما فعلته بي.

مايكل جاكسون بدأ مع فرقة الجاكسون فايف في سن السابعة ويقال ان تطرفه وعلاقاته الغريبة بالأطفال تعود إلى تربية والده القاسي وعلى لسان شقيقته لاتويا تقول كنا نذهب للحفلات ونرقص ثم نعود إلى سجن والدي وعنفه، لم تكن علاقتنا طبيعية كأشقاء، ولم نكن نختلط سوى ببعضنا البعض!!.

كريستين دانست تعتبر من المتربعات على عرش البطولات النسائية حالياً بطلة فيلم »الرجل العنكبوت« بجزئية و»جومانجي«، وخلف ابتسامتها مشكلات عديدة وعلاقة مضطربة مع والدتها، وحسب ما صرحت به فهي لم تعش طفولتها، ومن يشاهد فيلم »مقابلة مع مصاصي الدماء« ودورها بجانب براد بيت يتضح أن الدور أصلاً لبالغة لكنه ألصق بطفلة.

دانييل راديكليف اسم مجهول ومشهور بدوره كهاري بوتر بطل السلسلة بأجزائها الأربعة، في سن الثانية عشرة حصل على الدور، وعلى لسانه يقول: لدي أحلام لإكمال دراستي لكن إنجاز الفيلم عمل شاق لا ينتهي، فالشخصية مستمرة وغير مرتبطة بسن معين ما ظل مداد قلم المؤلفة جي كي رولينج مستمر بالكتابة، ويشكو بقوله: إن الفيلم لم يترك له متسع لممارسة هواياته، فما أن ينتهي التصوير المضني لمدة شهور حتى تبدأ حملة الترويج الصعبة للفيلم حول العالم.

شخصية هاري غطت على حياته فلا يتكلم معه أحد عن شخصيته الحقيقية بل الاهتمام منصب على شخصية هاري بوتر الخيالية وأساليبه السحرية، ورغم أن والديه خيّروه بين تكملة الأجزاء أو التوقف، ولكن تبدو الغلبة للنجومية والمال.

قصص وعبر

شيرلي تمبل الطفلة المعجزة، التي حصدت الأوسكار في سن السادسة، بطلة فيلم »هايدي« أدت أول أفلامها في سن الرابعة، والمشهور عنها شعرها المتموج.

وفي الحقيقة إنها ليست كذلك، وتذكر قصة طريفة، فأثناء ذهابها مع والدتها لموعد اختبار لدور تمثيلي جديد سقطت وجرحت جبهتها، ولإخفاء الجرح قامت والدتها بليّ خصلات شعرها، واختيرت بسبب خصلاتها الجميلة إضافة لموهبتها، ومنذ تلك الحادثة والطفلة تعيش يومها مع ستة وخمسين رولاً ملفوفاً على شعرها، ليظل متموجاً، ولذلك منعت في أيام العطل من السباحة وممارسة الألعاب حتى لا تنفك تموجات شعرها، وفي سن البلوغ عانت شيرلي من التجاهل ولم يتقبلها الجمهور بتاتاً كبالغة بل أرادها دوماً طفلة.

ريفر فونيكس بطل الفيلم الجميل (قف بجانبي)، دخل عالم الأضواء وحيداً، ومات نتيجة لهبوط في القلب بسبب جرعة مخدر زائدة وهو في سن الثالثة والعشرين، وقيل إن المخدرات كانت تتداول أمامه كأكواب المياه ولم يجد من يأخذ بيديه حتى والديه، وفي حوار أجري معه قال أجد من الصعوبة إبقاء رأسي مرفوعاً في هذا العالم المجنون، ألا وهو صناعة السينما في أميركا؟؟

وتتكرر الحكايات ومآسي الأطفال النجوم الذين يتساقطون بسبب أطماع المال وإجبارهم على تحمّل ما فوق طاقتهم، لينتهوا بعد فترة قصيرة من النجومية.. ويصبح سقوطهم مدوياً مثل صعودهمَ!!

فاطمة الشامسي