يمثل ارتفاع عائدات البترول سلاحاً ذا حدين بالنسبة للدول المصدرة له في الشرق الأوسط بصفة خاصة، وتمر الكويت بمرحلة تغيير شامل بسبب ارتفاع أسعار البترول وتصاعد عائداته للدولة. وتعتزم الكويت إنشاء ناطحات سحاب ومراكز تسوق تطل على الخليج وإنشاء نظام نقل عام مدعوم من الدولة ومساكن فاخرة وغيرها.
ومن المتوقع ان تقوم بلدية مدينة الكويت العاصمة بإنشاء نظام صرف صحي سيكون الأفضل في العالم.وتقول مادلين الجعفر الأرملة البالغة من العمر 63 عاماً ولديها ثلاثة أطفال.
وتلقت إعانات إضافية من الحكومة بقيمة 45 ألف دولار منذ العام الماضي ان المسؤولين في الحكومة يعتنون فعلاً بالشعب بطريقة لم تحدث من قبل، في الوقت الذي يفوق فيه سعر البترول 50 دولاراً للبرميل.
وتعود أسعار البترول المرتفعة بأعلى عائد مالي في التاريخ على الدول المصدرة للبترول بما فيها الكويت وفق ما نشرته صحيفة "كويت تايمز" ونقلت عنه الصحافة الغربية مثل فاينانشيال تايمز وول ستريت جورنال.
وتفوق ارتفاعات عائدات البترول هذه المرة كل العائدات من البترودولارات في المرات السابقة بما فيها السبعينات وأكثر الدول التي تفيد من ذلك هي دول الخليج المصدرة للبترول مثل السعودية والكويت والإمارات و إيران التي تحسن إنفاق هذه العائدات هذه المرة.
وقد أنفقت تلك الدول نحو 60% من الزيادات في عائدات تصدير البترول بسبب ارتفاع الأسعار خلال فترة السبعينات، لكنها هذه المرة أنفقت 25% فقط من العائدات وفق ما ذكره البنك الدولي.
وقد سددت السعودية أكبر دولة مصدرة للبترول في العالم، جبالاً من الديون. ووضعت الكويت نحو 3 مليارات دولار من عائدات البترول في صندوق الاحتياطي لأجيال المستقبل، وهو بنك أنشأته الكويت للاستثمار وتعويض العائدات المفقودة عندما ينضب البترول وفي حالات الطوارئ.
حتى بعض الإمارات الصغيرة تمر بتغيرات اقتصادية كبيرة بسبب ارتفاع عائدات البترول، كما تقول كويت تايمز، فقد خففت أبوظبي مؤخراً قبضتها على سوق العقارات التي كانت مغلقة من قبل تحت سيطرة الحكومة.
تحديات
لكن ارتفاع عائدات البترول يمثل أيضاً تحديات لدول الخليج، فهي تواجه ضغوطا لفتح اقتصادياتها وتخفف الاعتماد على البترول وحده. وارتفاع عائدات البترول الحالي قد يعوق تقدم تحقيق الهدف الثاني.
ومع الانفجار السكاني في الشرق الأوسط، لابد من إيجاد 80 مليون وظيفة في أنحاء المنطقة خلال 15 عاماً المقبلة، حتى يظل معدل البطالة عند مستواه الحالي ولا يرتفع وفق المنتدى الاقتصادي العالمي. ويقول لوبيز كارلوس الخبير الاقتصادي بالمنتدى ان هذا الهدف لن يتحقق دون فتح الأسواق والاقتصاد في دول الشرق الأوسط.
وحذر صندوق النقد الدولي الكويت مؤخراً بأنه حتى مع الارتفاع القياسي في عائدات البترول حالياً قد تنتهي احتياطياتها خلال 25 سنة وتضطر للاقتراض المستمر حتى يظل مستوى المعيشة على ما هو عليه حالياً.
ففي الوقت نفسه تواجه دول أخرى صعوبات للسيطرة على الأمور وسط ارتفاع عائدات البترول فقد ارتفعت رواتب العاملين بالحكومة السعودية 15% خلال العام الجاري. وأعلنت حكومة قطر عن إعفاءات في الكهرباء والمياه في العام الجاري سيكلفها 400 مليون دولار.
ومن المهم بالنسبة للعالم ألا تشعر دولة مثل الكويت بالرضا التام عن الوضع الراهن. فقد يعود أحد أسباب ركود أو تراجع مستويات المعيشة في الشرق الأوسط إلى الإرهاب النابع من المنطقة.
والاستقرار السياسي في المنطقة دائما يشكل هاجساً مقلقا، في الوقت الذي توفر فيه هذه المنطقة 45% من إمدادات البترول العالمية.
ويقول موسى السيد الخبير الاقتصادي السعودي، ان التصاعد في التطرف الديني الذي رأيناه في الماضي هو نتيجة مباشرة لافتقار الحكومة للرؤية السليمة خلال الطفرات في أسعار البترول.
فعندما انخفضت أسعار البترول، لم تستطع الحكومة توفير الدعم الذي توقعه الناس، وارتفع معدل البطالة بين الشباب، وتحول ذلك إلى غضب عارم. غير ان هناك بعض الأمور تدعو للرضا مثل ارتفاع أسعار البترول، وفق الذين يريدون تحديث الاقتصاد.
ويقول علي الموسى رئيس ومدير بنك الكويت للاستثمار في الأوراق المالية، وزير التخطيط السابق إنه عندما تبدأ أسعار البترول في الارتفاع، تتكئ الحكومة على الأرائك وترتاح.
وقال اذا ذهبت إلى أي مؤسسة حكومية الآن ترى ذلك بعينيك، إن الخليط الفريد في الخليج بين السكان من الشباب والقطاع العام الضخم يمثل خطورة قنبلة مالية زمنية موقوتة وهذا ما يقوله مؤيدو التغيير، ان ثلثي الكويتيين تحت 20 سنة .
وقريباً سوف يحتاجون إلى وظائف. ويتوقعون ان يجدوا العمل مع صاحب عمل كويتي وحيد ولا ثاني له، هو الحكومة التي تعد بتوفير وظيفة وراتب لأي مواطن يريد ذلك، وغالبية الوظائف الكويتية توجد في القطاع العام.
وفي عام 2004، أنفقت الكويت 40% من الميزانية الوطنية التي كانت 21.5 مليار دولار، على رواتب العاملين في الحكومة، حسب أرقام وزارة التخطيط، وأنفقت الحكومة 30% أخرى على الدعم العام للخدمات الأساسية مثل الكهرباء والهبات المالية.
اكتشف البترول في الكويت منذ عام 1938، وبحلول عام 1950، أسس القادة الوطنيون نظام الرعاية الاجتماعية الحكومي بدفع هبات مالية نقدية وتوزيع الأرض والمساكن.
وبدأت تنزوي مهنة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ التي كانت الصناعة الوطنية الأولى، ورسخت الحكومة في الستينات نظام رعاية الدولة الاجتماعي بحق عندما تضاعفت أسعار البترول وأعلنت البلاد الاستقلال عن الحكم البريطاني.
وبدأت الحكومة بالأساسيات مثل مجانية التعليم والرعاية الصحية المجانية بما فيها العلاج في الخارج ودعم السلع، مثلاً تكلف الطاقة الكهربائية شعب الكويت 10% فقط من سعر السوق، و90% دعم من الحكومة، وليس هذا قدراً ضئيلاً في دولة شديدة الحرارة طوال العام تقريباً وتعمل فيها المكيفات على مدار الساعة، وهناك دعم كبير أيضاً على الوقود.
وقد أعطى الدستور الجديد كل مواطن كويتي الحق في العمل، وهذا يترجم عملياً بأن توفر الحكومة هذا العمل، وغالبية الوظائف الحكومية لا تحتاج إلى وقت طويل أو مهارة.
والعمل الحقيقي يقوم به الوافدون، وتزايدت مزايا المواطنة الكويتية. فعندما تزوجت مادلين جعفر، حصلت هي وحصل الزوجان على أرض مجانية وسيارة ومال لإنشاء منزل.
ولم يكن إنفاق الزوجين شيئاً يذكر اللهم إلا فواتير الكهرباء، التي لا يدفعانها غالباً، والغذاء المدعوم يجعل غذاؤهما مجانياً تقريباً، وقدمت الحكومة لهما مبلغ 250 ألف دولار هدية عام الزواج العاشر.
وتقاعدت السيدة مادلين من العمل بعد 15 سنة من الوظيفة الحكومية التي كانت تستغرق منها 7 ساعات يومياً، لكن معاشها يمثل 95% من راتبها أثناء العمل، وهو 4116 دولاراً شهرياً.
والكويتي الذي يرغب في الاستثمار في البورصة يحصل على قرض بلا فوائد وتمنح الحكومة أيضاً قروضاً بلا فوائد للتجارة الخارجية.
ويضغط بعض الأعضاء في البرلمان الكويتي لكي تتنازل الحكومة عن هذه القروض الشخصية كما تفعل مع فواتير الكهرباء التي لا يدفعها المواطنون، ويتذرعون بالفقرة العشرين من الدستور التي تقول إن هدف الاقتصاد الوطني هو تحقيق رفاهية ورخاء الشعب.
وتعيش مادلين جعفر التي تحب الألوان الزاهية والسفر للخارج والتبضع في فيلا من ثلاث غرف نوم وحديقة واسعة من حولها وتثق في النظام الذي وفر لها حياة رغدة وتثق بأنه سيفعل الشيء نفسه لأولادها وأحفادها.
ويعمل اثنان من أولادها في الحكومة، وحصلا على علاوات إضافية مؤخراً، وفيلا جديدة في إطار موجة الدعم الحكومي الجديدة، والابنة متزوجة ولديها أطفال أيضاً لكن الهيئات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولي تضغط من أجل حدوث تغيير.
ولابد أن يشكل ذلك قلقاً بالنسبة لمادلين جعفر، فقد بدأت هذه الهيئات تحذر دولاً مثل الكويت من عقود من أن الدعم اللانهائي والحوافز لتكوين عائلات أكبر حجماً وأكثر أطفالاً هي مقدمة لمشكلات مستقبلية، ولم تنصت غالبية دول الخليج لهذه التحذيرات.
ولم يبدأ التغيير إلا عندما هبطت أسعار البترول لأقل من 20 دولاراً للبرميل في الثمانينات لكن التقدم دائماً يأتي بعد فوات الأوان. فقد ارتفع عجز ميزانية الكويت إلى 48 مليار دولار في بداية التسعينات، بعد إضافة تكاليف حرب الخليج وإعادة الإعمار التي تلت ذلك.
وبدأت الكويت مبادرة تخصيص المشروعات الحكومية وتشجيع الاستثمار الأجنبي لتوفير وظائف وتدريب الشعب الكويتي وإحياء مجالات اقتصادية غير مرتبطة مباشرة بالبترول وباعت هيئة الاستثمار الحكومية أسهم الحكومة في 17 شركة بين 1994 و1996، ووعدت ببيع نسب أكبر من ذلك في شركات أخرى.
لكن بيع مشروعات الحكومة للقطاع الخاص لم يلق قبولاً وتأييداً نظراً للخوف من تسريح العمالة الكويتية عقب الخصخصة، وتم تنفيذ عمليات خصخصة قيمتها 1.9 مليار دولار فقط من أصل 12 مليار دولار خلال فترة التسعينات ومنحت الكويت أول ترخيص لبنك أجنبي مؤخراً فقط، بعد 15 عاماً من الجدل.
ومنحت الحكومة مؤخراً أيضا حق الملكية بنسبة 100% للأجانب في الشركات المحلية، ومع ارتفاع أسعار البترول تراجعت قوة الدفع في هذا الاتجاه. ولم يعد المسؤولون الكويتيون بالحماس السابق للتغيير الاقتصادي، وأصبح البعض لا يرون ضرورة لذلك.
ويقول علي عبدالقادر علي نائب مدير عام معهد التخطيط العربي في الكويت ان تشجيع الكويتيين على دخول القطاع الخاص لن يضر في شيء، لكنه لا يرى أي ضرورة لتخفيض كبير في الوظائف الحكومية أو تحفيز قيام القطاع الخاص.
وارتفاع أسعار البترول والعائدات التي يجلبها للحكومة يجعلها تقوم بدورها الأساسي من وجهة نظره وهي توفير الوظائف للجميع ويسمى ذلك بإعادة توزيع الثروة على الشعب.
وهناك إشارات أخرى على تراجع الرغبة في التغيير فقد ارتفعت نسبة العاملين الكويتيين في الحكومة إلى 96% مقابل 80% منذ عامين وارتفع الإنفاق بنسبة 14% خلال العام الجاري، مقابل 12% العام السابق، قبل ان يبدأ أسرع نمو في تاريخ الكويت.
وفق إحصاءات بنك الكويت الوطني وفي الوقت نفسه، تم تأجيل خطة دعوة الشركات الأجنبية للمشاركة في مشروع »الكويت« الرامي إلى زيادة إنتاج البلاد من البترول، وكانت تلك المرة الأولى التي ستشارك فيها الشركات الأجنبية في صناعة البترول الكويتية .
حيث يأمل مؤيدو ذلك أن يؤدي إلى جلب أفكار جديدة وتكنولوجيا جديدة تساعد الكويتيين على اكتساب مهارات جديدة. لكن البرلمان الكويتي رفض المشروع لمنع الشركات الأجنبية من تحقيق أرباح من الموارد الطبيعية الكويتية.
ويوضح ذلك كيف أن إثراء التجربة الديمقراطية التي حثت عليها حكومة بوش في إطار مبادرة الشرق الأوسط للحكم الديمقراطي، تعوق التغييرات الاقتصادية أو تبطئها. فالبرلمان الكويتي منتخب، ومن أكثر البرلمانات نشاطاً وحيوية في المنطقة.
ورغم ان القول الفصل للحكومة والحاكم، إلا أنهما لا يحبذان تهميش دور البرلمان. لكن البرلمان الكويتي يعج بالذين يدافعون عن رعاية الدولة الكاملة للشعب، والأعضاء يعرفون ان هذا الموقف هو سبيل كسب الأصوات الانتخابية.
ويقول يوسف زلزلة من اللجنة المالية في البرلمان الكويتي "إن مشكلتنا إننا نريد كل شيء لأنفسنا الآن ولدوائرنا الانتخابية" لكنه يعترف بأنه في بعض الأحيان يؤيد خطط الخصخصة في بعضها فقط.
ترجمة: أشرف رفيق
