تخيّل نفسك مديرا لتطوير الأعمال في إحدى الشركات بدبي. وفي صباح يوم هانئ دخل مدير الشركة إلى مكتبك وقال بحزم، بدد صفو مزاجك الصباحي: اسمع، أنا مستاء جدا من الوضع الحالي. علينا أن نفكّر بطريقة حاسمة وسريعة لنجعل علامتنا التجارية الأقوى، ليس فقط في قطاعنا، وإنما في القطاعات كافة.
سيخرج المدير من مكتبك، ويتركك حبيس الافتراضات والخطط. ماذا يريد المدير؟ هل هو جاد؟ إنّ طلبه يعني، عمليا، أن تتحوّل علامتنا التجارية إلى كوكاكولا!.. ليس تماما، فالطريق واضح أمامك.
ومنذ سنوات قليلة كنت لتبادر إلى الفور بالاتصال بشركة استشارات إدارية، ترسل لك بدورها مندوبا "مدججا" بأرطال من الأوراق والدراسات والأبحاث والخطط والرسوم البيانية.. مهلا، لقد تغيّر الأمر اليوم.
ودبي مدينة تمتلئ بمكاتب مهمتها، حصريا، صيانة العلامات التجارية وجعلها أكثر صلابة وقوة، وأحيانا ابتكارها. هي أشبه بالورش التي تترك فيها الهوية التجارية لشركتك ثم تأتي بعد فترة لاستلامها جديدة، أو مجددة.
وقوية بوسعها أن تتألق وسط "المنافسين". هذه الورش تسمى: شركات بناء العلامات التجارية، أو اختصارا وكالات "البراندنغ"، ونشاطها يقدّر بأكثر من 150 مليار دولار سنويا، في العالم العربي.
يكشف مسؤول في إحدى هذه الشركات، ذات النشاط العالمي، أنّ السنوات الخمس الماضية شهدت تغيرات هائلة في صناع "البراندينغ" في المنطقة. وتجربة دبي، بعد أن كانت تصنّف في المراتب الثامنة والتاسعة في هذا المجال خلال السنوات الماضية.
صارت اليوم في المرتبة الثالثة بعد باريس ولندن اللتين تحتلان المراتب الأولى من حيث نشاط بناء العلامات التجارية الحاصل فيهما.يقول عيسى خوري، مدير العملاء في وكالة "لاندور" المتخصصة ببناء العلامات التجارية منذ العام 1941، إنّ السوق المحلّي صار أنضج عما كان عليه من قبل.
والشركات المحلية صارت أكثر اقتناعا بأن العلامة التجارية القوية هي التي تقود النشاط الاقتصادي للشركة وليس أيّ أمر آخر. لكن هذا لا يعني أن درجة النضج نهائية، أو تشبه ما يحدث في أسواق الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وسنغافورة وهونج كونج.
حيث لا يزال السوق المحلي غير قادر على استيعاب تجارب على درجة عالية من التعقيد. المقاربات هنا لا تزال بسيطة، فنحن، على الرغم من كل شيء لا نزال في بداية الطريق.
وتسمح درجة النضوج التي تتميّز بها أسواق العلامات التجارية العالمية بإعمال تجارب على قدر عال من التخصصية أو التقسيمية (segmentation)، حيث تبنى علامات تجارية خاصة بشرائح محددة في المجتمع، وقطاعات أضيق ضمن هذه الشرائح: تتجه التجربة الغربية إلى مزيد من التمركز(focusing).
تجارب محليّة
وخلال السنوات الخمسة الأخيرة، كان لافتا إقبال عدد كبير من الشركات الخليجية على استحداث هويات جديدة لعلاماتها التجارية التي تعود نشأة بعضها إلى نصف قرن مضى. واللائحة طويلة:
سابك، وهيئة السياحة الوطنية والبنك الأهلي (المملكة العربية السعودية)، بنك أبو ظبي التجاري، بنك المشرق، بنك أبو ظبي الوطني، شركة الحبتور وشركات أخرى كثيرة في دولة الإمارات.
كذلك، برزت ظاهرة تنفيذ عمليات "البراندنغ" على قطاعات لا تشمل المنتجات السلعية فقط، ولا هوية الشركات وإنما مدن بكاملها ووجهات سياحية. فقامت قطر أولا بحملة كبيرة لبناء اسم "قطر" كعلامة فارقة على الخارطة الخليجية.
ومن ثم حذت عمان حذوها، وبعض المدن في المملكة العربية السعودية، ومدينة العين الإماراتية. وترافق ذلك مع حملات مشابهة تقوم بها باستمرار الحكومة المصرية لترويج مصر باعتبارها "البيت بيتك"، وحملات موسمية تروّج لتركيا وقبرص ووجهات أخرى.
وبالطبع، استطاعت دبي أن تشكّل التجربة الطليعية في هذا المجال، حيث تمكنت من صناعة اسم شكّل بحد ذاته علامة تجارية قوية، تستمدّ يوميا قوتها من علامات تحملها شركات مثل: دبي القابضة، طيران الإمارات، جميرا، النخلة، إعمار وغيرها من الشركات.
ويعطي خوري مؤشرا على النمو الحاصل في هذه الصناعة: "قبل سنوات قليلة كان مكتبنا في دبي يتبع إداريا لمركزنا في أوروبا الذي يشرف على ثمانية مكاتب، وكنا عمليا في المرتبة الثامنة من حيث نشاط المكتب. اليوم، يحتل مكتبنا المرتبة الثالثة بعد باريس ولندن مباشرة".
ولا يزال من المبكر توقّع معدلات محلية شبيهة بالعالمية، خاصة إذا عرفنا أن استثمار الشركات العالمية في علاماتها التجارية بات يعادل 60% من مجمل أصولها.
وحالة التأخر المحلي لا ترتبط بأكثر من الوعي والقناعة لدى ملاك الشركات ومسؤوليها بأن الصرف على العلامة التجارية يجب أن يتم إدراجه في خانة الاستثمار لا الإنفاق: "حين تتوصل الشركات المحلية إلى هذه القناعة بشكل نهائي سوف يختلف الأمر بالتأكيد".
وتتبدى مشكلة الوعي، بشكل خاص، بكون الكثير من المدراء التنفيذيين للشركات المحلية لا ينظرون إلى العلامة التجارية بأكثر من كونها اسما وشعارا وألوانا جذابة:
»العلامة التجارية أوسع من ذلك بكثير، إنها شخصية متكاملة بدءا من المظهر الخارجي مرورا بطريقة السلوك الاقتصادي والاجتماعي وصولا إلى آلية العمل الداخلية«.
وقد لا يعرف كثر أن لائحة الخدمات التي تقدمها "وكالات البراندنغ" تشتمل على طريقة أداء الموظفين الداخلية، بوصفها تنعكس على علاقتهم بالمجتمع الخارجي، وتؤثر بالتالي على صورة الشركة وهويتها التجارية في المحيط: »قد نهتم بالترتيب الداخلي لمصرف، على سبيل المثال.
ولكن أيضا بالطريقة التي يرد بها الموظفون على المكالمات الهاتفية للعملاء أو طالبي الاستفسارات. هذا النشاط، لا تزال تنظر إليه الكثير من الشركات بعين الحذر، وبعضها يعتبر أنه من مسؤولية أقسام الموارد البشرية فيها: "جماعة الـ(أتش آر) ينظرون إلينا كمنافسين"!.
ولا يبدو أن موظفي الموارد البشرية هم وحدهم "الحاقدون" على وكالات "البراندنغ"، فشركات الاستشارات الإدارية تعتبرها أيضا منافسا يسعى للسيطرة على ما كان من اختصاصها إلى وقت قريب:
قد تبرع شركات الاستشارات الإدارية بالتحليل وصوغ التقارير، لكن ينقصها أمر هام وهو تقصّي عامل العاطفة. والعاطفة هي الأداة الرئيسية التي يجب استخدامها حين التعامل مع العلامات التجارية، التي هي، في نهاية المطاف، شخصيات عاطفة تسعى لمخاطبة غرائز المستهلكين.
مأزق العلامات الأيقونية
"كل شيء له علاقة بالعلامة التجارية"، "كل ما تحتاجه هو علامة تجارية".. تلك قواعد ذهبية، درجت كتب الأكاديميين الكبار من مفكري التسويق، أمثال فيليب كوتلير، على الترويج لها في عشرات الكتب. اليوم، توحي بعض المؤشرات بقواعد جديدة تترسّخ في أوساط المستهلكين، وتاليا الشركات.
فمشهد الإقبال المتزايد على البضائع التي تحمل علامات المتاجر يعكس ثقة جديدة بدا المستهلك قادرا على منحها لغير العلامات التقليدية التي صنعت ورافقت التجربة الاستهلاكية طوال العقود الماضية. وقد أشارت دراسة حديثة لـ "أي سي نيلسون" أن السنتين المقبلتين ستشهدان انتشارا واسعا لمنتجات علامات المتاجر أو "العلامات الخاصة".
من جهة أخرى، لا يكاد يوم يمرّ من دون أن ترد فيه أخبار عن الانتكاسات التي تعاني منها بيوت الأزياء الفخمة والشركات المصنّعة للعلامات التجارية الفاخرة، في ظل توافر خيارات جديدة تتمتع بالجودة وبأسعار أقل.
في ظل تلك المعطيات، يطرح السؤال عن الآفاق التجارية لعمل وكالات العلامات التجارية والقدرة على الاستمرار وسط التغيرات التي بدأت تطال علاقة المستهلكين بالعلامات التجارية التقليدية:
حسنا إذا صدقنا أن العلامات الكبيرة تعاني من أزمات وأن الناس بدأوا يبحثون عن علامات جديدة، فهذا خبر جيّد بالنسبة لنا، لأن العلامات الجديدة بحاجة إلى البناء والترسيخ وهذه وظيفتنا، يقول خوري.
وفي مقابل وجهة النظر التي كانت تقول أن كل شيء يتم اختصاره بالعلامة التجارية، هناك معادلة جديدة تقول بأن كل شيء له علاقة بخيار المستهلك. وهي معادلة تعترف بالمتغيرات الجديدة، لكنّها لا توافق على اندحار المعادلة التقليدية: كل ما في الأمر أن الخيارات باتت أكثر توافرا من ذي قبل.
وبالفعل، فإن رغبت أن تشتري بذّة أنيقة، من غير أن تكون رخيصة، فلن تقصد بالتأكيد سوق الكرامة بدبي، ولكن لديك بالمقابل خيار آخر غير محلات "غوشي"، حيث البذة بعشرة آلاف درهم، قد يكون "ماسيمو دوتي" أو أي اسم آخر يوفر خيارات فخمة واقتصادية في الوقت ذاته.
هذا لا يعني أنك لن تشتري "غوشي" إذا كنت من الأشخاص الذين تؤثر العلامات الفخمة في حياتهم بشكل كبير: "جمهور العلامات الفخمة لن ينفض عنها مهما حصل من متغيّرات".
وفي مسألة انتشار العلامات الخاصة، يقول الفريق المدافع عن العلامات التقليدية بأن المتاجر الكبرى قد كسبت سمعتها أصلا بفضل العلامات التقليدية التي تبيعها.
ثم استغلت هذه السمعة بصناعة اسم قوي لها بين المستهلكين، ومن ثم استخدمت اسمها هذا على المنتجات. هذا يعني أن العلامات الخاصة، التي تقف اليوم موقف المنافسة من العلامات التقليدية، تدين بانتشارها إلى العلامات التقليدية ذاتها.
ومن الواضح، أنّ دلائل عديدة بدأت تشير إلى أن الشركات المحلية بدأت تعي، بالدرجة الأولى، أهمية بناء العلامة التجارية، لكنها قد لا تكون عالمة بآليات هذا البناء: "الانجاز الكبير الذي تحقق هو الوعي بأنّ التسويق لا يعني إعلانا فقط، فبناء العلامة التجارية ذراع تسويقي فعّال جدا".
"برج دبي": كيف توحي العلامة بأنها نخبوية وجماهيرية في آن؟الإنشاءات البشرية العملاقة لا تدخل التاريخ، كمبان وصلب فقط. هناك الصورة.
تلك التي من المفترض أن تداعب خيال الناس، وتنسج حولها انطباعات وأخيلة تجعل من مجرّد التفكير بها تفكيرا بما يجاور الأسطورة أو السحر، في الحد الأدنى للتضخيم. إنها السياسة ذاتها التي تعمل بها العلامات الفخمة التي تركن إلى إحاطتها بتداعيات ساحرة ومؤثرة.
فيصبح مجرّد ذكر "أرماني" أو "غوشي" كفيلا بتوليد حالة من الاستلاب لدى المستهلك تذهب به إلى عوالم أخرى يشتهيها. وقبل أن تهبط أبراج نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001، كانت تلبي هذه الوظيفة. مبان كثيرة في أوروبا، تجارية أو فندقية، بالإمكان إدراجها في السياق ذاته.
في دبي، قررت "إعمار" قبل سنتين ونيّف أنها سوف تبني ناطحة السحاب الأكثر ارتفاعا في العالم، ما عرف بعد ذلك بـ "برج دبي". هل لنا أن نتخيّل أنّ الأمر سهل؟ لا نتحدث عن لوجستية الإنشاء وتقنيته، فتلك لها خبراؤها، ولكن عن أهمية وصعوبة بناء صورة للبرج يجب أن تتوافر بها عوامل كثيرة:
التاريخ والجغرافيا والعظمة والفخامة والتعقيد والبساطة والنخبوية والجماهيرية. تفيد شركة "لاندور"، التي أوكل إليها تصميم وبناء العلامة التجارية "برج دبي":
برز التحدي الرئيسي في بناء صورة واحدة لبرج يشتمل على أكثر من فكرة، فالبرج بحد ذاته يجب ان يعكس صورة على درجة عالية من الرقيّ، ومركز التسوّق الملحق به لا يجوز أن يعكس الرقي فقط، فهو يتوجّه إلى كل الناس ويدعوهم للقدوم والتسوّق فيه.
أما الشقق، فهناك بينها ما هو فخم جدا وهناك الفخم وهناك العادي. كذلك هناك اسم جورجيو أرماني الذي تحمله شقق من ضمن البرج. هكذا سعينا إلى سياسة التقسيم والموضعة، حيث لكل جزء عمله الخاص.
كان من الضروري أن تبتعد الشركة عن السياسة التقليدية التي تتبعها شركات البناء الأخرى، حين تقوم بإطلاق مشروع جديد، فتقوم "بقصف" الناس بالصور الافتراضية للمشروع في كل مكان.
وحاولت "لاندور" خلق لغة تواصل مرئية بين صورة البرج والناس: الناس هنا لا يتفاعلون كثيرا مع الصور الافتراضية التي تصوّر ما سيكون عليه المشروع بعد بنائه.
ولكن لا يمكن تجاهل تلك الصورة الترويجية، فلا يمكن الاستمرار في الاعلان عن البرج بينما الناس لا ترى أي صورة تجسّده. بالترافق مع ذلك، قمنا بخلق لغة مرئية واستخدمناها في مركز البيانات الذي يزوره الناس للتعرف على البرج. الجزء الأبرز كان التالي:
قلنا، إذا أردنا ان ندخل التاريخ، فعلى الصورة أن تكون راقية وبسيطة في الوقت ذاته. بمعنى أنها تكتسب قوتها ورقيّها من بساطتها، بعيدا عن أي تعقيدات أو مبالغات التي لا تليق بالعلامات التجارية الفخمة ولا العلامات التاريخية. الأناقة تستوجب اطلالة راقية كلاسيكية وبسيطة.
هذه الأفكار تتلاءم مع الأفكار الأولية لعملية بناء العلامة التجارية "براندنغ" والتي هي ليست موضة وإنما خلق شخصية تتغيّر مثل الشخصية الإنسانية، ولكنّ أساسها لا يتغيّر.
ظهر البرج، في الصور الترويجية، باللون الفضّي الذي يعكس في العادة معاني الرقي والفخامة، من غير مبالغة، وهي الفكرة التي تتلاءم مع كون البرج هو المكان الأرقى على وجه الأرض. كذلك تمّ اختيار اللون الأسود الذي يوحي بالأناقة.
وتم عرض صور فوقية للبرج تظهر فكرة العظمة: كان علينا أن نؤمن للصورة كل الأدوات التي تجعلها تحافظ على أسطورية البناء تبقى حتى بعد تنفيذ البرج، وحتى بعد أن يظهر برج آخر في أي مكان في العالم يفوق برج دبي ارتفاعا.
أما الاسم، "برج دبي"، فقد روعي في اختياره بساطة الألفاظ، وشمولها لفظ دبي، كذلك ان تكون سهلة حين يتم لفظها باللغات الأجنبية.
الفيل لم يكن أبيضا!لكي تبني علامة قوية عليك أن تسير بفلسفة التسويق لا التصنيع العلامات التجارية المؤثرة لا تشيخ. تلك هي ربما القاعدة الأولى التي تلقّن لدارسي التسويق.
هذا لا يحدث فقط على مستوى العالم، حيث العلامات الشهيرة، فللعرب أيضا، وتحديدا الخليجيين، تجارب مؤثرة في كيفية إدارة علامات تجارية لسنوات طوال. عقد، عقدان، ثلاثة عقود.
. قد يكون من المدهش الحديث عن أكثر من ذلك، عن قرن بأكمله. علامة "العوجان" السعودية أضاءت العام الماضي مئة شمعة. عادل العوجان، رئيس مجلس إدارة الشركة، يجيب عن الأسئلة الصعبة: لماذا لا ينبت شعرا أبيض للعلامات التجارية العريقة؟ ولماذا لا نثق بقدراتنا على بناء علامات تجارية عربية متميزة؟
في سنوات النشأة الأولى ارتبط اسمنا بإدارة علامات عالمية في الأسواق المحلية مثل: شوكولاتة "كادبيري"، علكة "ريغيلز"، "كوكاكولا"، ثم ليبتون آيس تي وغيرها من العلامات العالمية. لكننا، وفي لحظة استراتيجية من تاريخ الشركة، فكرنا بمنطق مختلف:
قلنا يكفي وكالات تجارية. لماذا نعمل لدى الأجانب طوال الوقت ونخضع لتقلّبات مصالحهم وأمزجتهم، ونحن صارت لدينا الخبرة في كيفية إدارة وتسويق العلامات لماذا لا نبني علامات تجارية سعودية عربية خاصة بنا؟. ومنذ سنوات، قمنا بمراجعة حساباتنا بالنسبة إلى سياسة الوكالات التجارية.
حيث تنامى خطر فقدان الوكالة في أية لحظة، وبالتالي ضياع الجهود التي نبذلها لتسويق منتج الشركة الأجنبية التي نظل في النهاية موظفين لديها. لا أنكر أننا تعلّمنا الكثير جراء إدارة وتسويق العلامات التجارية العالمية.
لكننا استفدنا من هذه الخبرة لإطلاق علاماتنا الخاصة وبنائها وحجز موقع مهم لها في أسواق المنطقة. كما أن الزمن تغيّر، وسياسة تحرير الأسواق أو اتفاقات التجارة الحرة لن تعطي الكثير من الامتيازات إلى الوكالات، ونحن أعددنا العدة منذ زمن.
واليوم تلاقي علاماتنا مثل "راني" و"هاني" و"ياربيكان" وغيرها نجاحا كبيرا ليس فقط في الأسواق العربية، بل أسواق في المنطقة والعالم أيضا.
دروس كثيرة تعلمناها من تجربتنا، أولها أن نسير بفلسفة التسويق لا التصنيع. لقد وعينا باكرا لأهمية النشاط التسويقي.
التخاطب مع العملاء وتلبية متطلباتهم. كنا، على سبيل المثال، سباقين في مجالات عدة. نحن أول من ابتكر تعبئة العصائر في علب في العام 1986. كذلك نعتبر من أوائل المصانع في تعبئة العصائر في قوارير من الزجاج.
وفي استخدام العبوّات العائلية البلاستيكية. شركتنا تندرج على لائحة أفضل 100 شركة في المملكة العربية السعودية، وهذا ما كان ليحصل من دون وعينا لأهمية الاستثمار في بناء علامات تجارية عربية قادرة على المنافسة.
نستثمر كثيرا في بناء علامتنا وحجز مواقع راسخة لها في الأسواق. "باربيكان" اليوم تستحوذ أكثر من 41% من سوق البيرة غير الكحولية في المملكة، و"فيمتو" مشروب أساسي على المائدة الرمضانية في المملكة.
كذلك هناك "راني" و"هاني"، مشروب الصغار، ونحن بصدد إطلاق علامات تجارية جديدة.نعوّل كثيرا على النشاط التسويقي في خطتنا الخمسية الحالية التي تتخذ لها شعار "555"، أي: 5 علامات تجارية ستحقق 500 مليون دولار مبيعات سنوية بعد 5 سنوات.
نسعى إلى ربط كل منتج جديد وكل علامة تجارية جديدة نطلقها بمفهوم جديد ومتميّز. فكما بالنسبة إلى مشروب "هاني" الذي اعتنينا كثيرا بكيفية تغليفه وتعبئته، بطرحنا مفهوم القبعة الرياضية المبتكر، قمنا.
بإضافة قطع الفواكه الطبيعية المقطعة من البرتقال والخوخ والأناناس إلى تشكيلة "راني". استحسن المستهلكون هذه الإضافة، حتى أننا بتنا نصدّر "راني" إلى دول هي في الأساس منتجة للفواكه مثل الهند وباكستان والولايات المتحدة وبريطانيا.
وقطع الفواكه مكلفة فعلا ليس من حيث القيمة فحسب بل أيضا من حيث الجهد أيضا، ولكننا استطعنا توفير المواد والطرق الملائمة، وهذه النوعية من العصائر خدمتنا في العديد من الأسواق.
كذلك برز أمامنا في السنوات الأخيرة تحد تسويقي مهم وهو السؤال ما إذا كنا بحاجة إلى اتباع قاعدة تمدد العلامة التجارية أو "براند اكستانشين" واقتحام مجالات غير العصير، مثل المشروبات الغازية أو الطاقة أو حتى المياه.
هذا جدال دائم ومتجدد يدور بين حين وآخر في أوساط الشركة. لكننا، في كل مرة، كنا نفضل سياسة التركيز والتخصص التي لطالما أثبتت نجاحها. وفي منتصف ونهاية السبعينات، شهدت المنطقة طفرة اقتصادية كبيرة بسبب النفط.
وكانت الفرص متاحة أمام رجال الأعمال لاقتحام الكثير من القطاعات في التصنيع والتوزيع والتسويق. لكننا، وفي لحظة تاريخية شكل الوعي بها تحديا حقيقيا لنا، آثرنا بدل التشرذم في أكثر من سوق بناء مصنعنا في الدمام والتركيز على قطاع المشروبات المرطبة.
ما زلت أذكر ذلك الوقت. كانت بداية الثمانينات، حين سألني صحافي أجنبي: ألا تعتقد أن مصنع الدمام لن يكون أكثر من "فيل أبيض". وهو ما قصد به سياسة "الوايت اليفينت" الاقتصادية التي تعني اقامة مشاريع لا جدوى منها.
وقتها، ترددت قليلا وفكرت ان كان ما قمنا به خطوة حكيمة ام لا. اليوم، ونحن نحتفل بمئوية "العوجان" وسط كل هذا التوسّع والنشاط، أعرف أنه كان قرارا صائبا.
تحقيق وتصوير: إبراهيم توتونجي
