لم يخيب البنك المركزي الأوروبي توقعات السوق، وجاء إعلانه بالإبقاء على مستوى الفائدة عند مستوياتها الحالية والبالغة نسبتها 2% منسجما مع التكهنات التي أجمعت على أن البنك لن يعدل أسعار الفائدة خلال اجتماعه في 3 نوفمبر.

كما استجاب البنك لتوقعات السوق بإصداره إشارات تنم عن استعداده لرفع أسعار الفائدة لكبح ضغوط التضخم، ويتكهن كثيرون بأن البنك سوف يقدم على هذه الخطوة خلال شهر ديسمبر المقبل وهو الأمر الذي قدم بعض الدعم لليورو في مواجهة الدولار والين خصوصا وأنه قد سبق لجان كلود تريشي رئيس البنك المركزي الأوروبي وآكسيل ويبر رئيس البوندزبنك الألماني أن صرحا خلال الشهر الماضي أن مصداقيتهما مرهونة بمدى نجاحهما في كبح التضخم.

وتجلى انسجام قرار البنك مع توقعات السوق، في نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة بلومبيرغ في 3 نوفمبر، حيث توقع جميع الاقتصاديين الذين استطلعت آراؤهم بأن يبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة عن المستوى نفسه الساري علي مدى عامين متتالين والبالغ 2%، وذلك من دون تغيير.

رفع الفائدة في ديسمبر

وفي هذا السياق، يتوقع العديد من البنوك والمؤسسات علي غرار » يو بي إس« و »دويتشه بنك« و»مورغان ستانلي« بأن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع سعر الفائدة خلال الشهر المقبل حيث توقعت مؤسسة يو بي إس في الأسبوع الماضي بأن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع سعر الفائدة ربع نقطة مئوية لكبح التضخم،

وذلك على مدار اجتماعاته خلال أشهر ديسمبر ومارس ويونيو وسبتمبر كما توقعت مؤسسة مورغان ستانلي في مذكرة تحليلية صادرة في 31 أكتوبر بأن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال شهر ديسمبر.

ويتفق مع هذه التوقعات العديد من المحللين، فمن جانب، قدر سيمون ديريك محلل العملات في بنك نيو يورك أن السوق يتطلع إلى تأكيد تريشيه بأن البنك المركزي الأوروبي سوف يقوم برفع الفائدة خلال شهر ديسمبر المقبل، وذلك بالنظر إلى التوقع السائد بأنه سوف يكون صارما في تعامله مع خطر التضخم.

وتكمن المخاطر في أن يكون تريشيه أقل تشدداً مما هو متوقع، الأمر الذي سيؤدي إلى تقويض سعر اليورو ومن جانب آخر، رصد شينشي تاكاجي نائب رئيس إدارة الصرف الأجنبي في ميزوهو كوربوريت بنك ترقب الأسواق لما سيفعله البنك المركزي الأوروبي، فمن شأن صدور أية تعليقات تشير إلى اعتزام البنك زيادة معدلات الفائدة، أن يقدم بالتأكيد حافزاً مشجعا على شراء اليورو.

ومن جانب ثالث، قيم كريج شان المحلل الاقتصادي في رويال بنك أوف سكوتلاند أن قيام البنك المركزي الأوروبي برفع سعر الفائدة سيعزز سعر صرف اليورو في مواجهة الدولار حيث فقد اليورو في مواجهة الدولار 11% من قيمته خلال العام الجاري.

وقال ريتشارد جراس محلل العملات في كومنولث بنك أوف أستراليا إنه متشكك بشأن قيام البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة، وأنه إذا ما حدث ذلك، فانه من المتوقع أن يرتفع سعر صرف اليورو في مواجهة الدولار، بل وربما يجني اليورو مكسبا سعريا قيمته 1.22 دولار.

المخاوف من مخاطر التضخم

وقد واكب تصاعد التكهنات بأن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة في شهر ديسمبر المقبل تصاعد في المخاوف من ارتفاع التضخم لمستويات عالية تنذر بتعاظم المخاطر، وهو الأمر الذي دفع العديد من المسؤولين في البنك المركزي الأوروبي إلى إطلاق تصريحات تنم عن نية البنك اتباع سياسة صارمة لمواجهة التضخم.

وكان الاجتماع الأخير مؤشراً حول ما إذا كان سيناريو الرفع المبكر للفائدة سيحدث أم لا، حيث سجل التضخم على مدار الفترة الممتدة منذ شهر فبراير الماضي معدلا أعلى من الرقم المستهدف للتضخم والبالغ نسبته 2%، ووصل معدل التضخم في شهر أكتوبر إلى 2.5.

وفي الآونة الأخيرة، سادت اللهجة السلبية لدى الحديث عن الاقتصاد الأوروبي، ومع ذلك، قدمت المؤشرات التي صدرت مؤخراً عن الأداء الاقتصادي في منطقة اليورو إشارات مشجعة تعزز الآمال بأن صورة الوضع الاقتصادي في المستقبل ستكون أكثر إشراقاً.

وأعقب التحسن غير المتوقع في معنويات الأعمال خلال شهر سبتمبر تأكيد الدراسات المسحية التي أجريت خلال شهر أكتوبر أن علامات تعافي منطقة اليورو بدأت تتجمع في الأفق،

فقد عوض ارتفاع مستويات النفط التراجع الحاصل في قيمة اليورو والتوسع القوي في وتيرة نمو الاقتصاد العالمي خاصة وأن التحسن الواسع النطاق الذي أوضحه مؤشر إيفو عن الاقتصاد الألماني يطلق إشارة تدل على أن الإنفاق المحلي بدأ أخيرا في النهوض،

وهو ما يقلل الاعتماد على الصادرات كمصدر للنمو، بحيث يصبح التعافي والازدهار الاقتصاديان معتمدين على قوى ذاتية، وباعتبار أن الاقتصاد الألماني محرك رئيسي لاقتصادات منطقة اليورو بشكل عام، فإن تعافي الاقتصاد الألماني يعد محفزا على تحسن معنويات المستهلك.

وخلال الأشهر الأخيرة، دفعت أسعار النفط المرتفعة التضخم إلى مستوى يتجاوز الرقم المستهدف من قبل البنك المركزي الأوروبي والبالغ 2%، حيث اتجه التضخم خلال شهر سبتمبر نحو تسجيل أعلى معدل سنوي على مدى أربع سنوات، إذ بلغ 2.6%.ورغم تحسن صورة الوضع الاقتصادي، إلا أن المخاوف زادت من مخاطر انتقال أسعار الطاقة المرتفعة إلى توقعات بصعود التضخم وارتفاع الأجور.

وفي هذا السياق حذر البنك المركزي الأوروبي بالفعل من أن الزيادات الطفيفة في الأجور قد تنتهي إلى نهايتها، وهو ما يزيد مخاطر عدم تراجع التضخم إلى أقل من 2% خلال عام 2006. وتوقعت الأسواق المالية في منطقة اليورو منذ مطلع شهر يونيو الماضي بأن يرتفع معدل التضخم، لكن ظلت التوقعات تدور حول نسبة 2.10%.

ومنذ منتصف عام 2004 ، اتجه نمو العرض النقدي نحو الصعود بوتيرة ثابتة، وتضاعف تقريبا خلال شهر سبتمبر عن القيمة المرجعية لمعدل نموه والبالغ نسبتها 4.5%، ليصل إلى 8.2%.

ورغم أن بعض المحللين يرون أنه مادام معدل النمو الاقتصادي بقي متواضعا، فإنه لا يوجد تهديد فوري للتضخم، ولكن في الوقت الحالي، بدأ النمو الاقتصادي في الانتعاش والتحسن وهو ما جعل البنك المركزي الأوروبي يطلق إشارات بشأن تزايد مخاطر السيولة الزائدة.