بدأت المضاربة مرة أخرى على العملة الصينية »اليوان« وشرع المضاربون في استراق السمع لكل شاردة وواردة عن الصين، والمتابعة الدؤوبة للإشارات التي تطلقها العواصم الرئيسية بشأن العملة الصينية خصوصا تلك الصادرة عن واشنطن،
وفحص التقارير البحثية الصادرة عن البنوك الاستثمارية وشركات السمسرة بعناية فائقة، وتجميع تلك الشظايا المتناثرة لكي ينسجوا رهاناتهم، ويبلوروا خياراتهم في المضاربة. وعلى هذه الأرضية، توقعت تحليلات أن يبلغ السعر 8.02 يوانات لكل دولار خلال ثلاثة أشهر، و7.95 يوانات لكل دولار خلال ستة أشهر، و7.75 يوان لكل دولار خلال عام.
ويأتي انبعاث هذه الروح الجديدة في المضاربة على العملة الصينية على خلفية اقتراب موعد انعقاد القمة الصينية الأميركية المقرر عقدها خلال الشهر الجاري، وذلك بعد مرور ثلاثة أشهر على القرار الذي أعلنه بنك الشعب الصيني في 21 يوليو الماضي والقاضي بإصلاح آلية سعر صرف اليوان من خلال رفع قيمته من 8.28 إلى 8.11 يوانات للدولار،
أي بنسبة 2%، فضلا عن إعلانه رفع معدل الفائدة القصيرة الأجل بمقدار 50 نقطة أساس وتغيير نظام ربط العملة الصينية بالدولار باستبداله بنظام آخر للصرف يقوم على ربط اليوان بسلة عملات.
تكهنات برفع سعر اليوان
وفي غمرة التكهنات باحتمال إقدام السلطات الصينية على إطلاق جولة جديدة لرفع سعر اليوان، رصدت مذكرة تحليلية أعدتها إدارة البحوث الاقتصادية بمجموعة بنك »اسكوتيا« في 28 أكتوبر قيام السلطات الصينية بتمهيد الطريق لإجراء رفع جديد في سعر اليوان،
وشرحت المذكرة أن العملة الصينية جنت مكسباً سعرياً نسبته 0.3% منذ إعادة تقييمها في يوليو الماضي برفع سعرها بنسبة 2.1%، ومع ذلك اقترح مستشار لجنة السياسة النقدية في بنك الشعب الصيني بأن المزيد من الرفع لقيمة اليوان يمكن ألا يضر آفاق نمو الاقتصاد الصيني،
وقدرت المذكرة بأن القلق المستمر إزاء هوامش أرباح الشركات تشكل قيدا رئيسيا على وتيرة رفع سعر الصرف، إذ أن أرباح الشركات الصينية لم تجار العوائد التي تدرها الاستثمارات في الأصول الثابتة، وهو ما يعني أن هناك منافسة شرسة بين الشركات المحلية،
وذلك على نحو يتوازى مع الزيادة السريعة في الطاقة الإنتاجية والتحسينات المستمرة في أنظمة التوزيع حيث ارتفعت الإيرادات الصناعية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام بنسبة 20% كما تظهر الأرقام الصادرة مؤخرا نمو الناتج المحلي الإجمالي وإن حدث تراجع طفيف في قوة صعود الربحية خلال أشهر الصيف نتيجة لارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج .
وفي السياق ذاته، رفع بنك »دانسك« في مذكرة تحليلية صادرة بتاريخ 13 أكتوبر توقعاته لأفق سعر صرف اليوان في مواجهة الدولار، ورغم استبعاد المذكرة أن يقوم بنك الشعب الصيني بإجراء تقييم آخر لسعر صرف اليوان، إلا انها تكهنت بأن يقوم البنك بتقوية التعاملات اليومية على اليوان في مواجهة الدولار، أو أن يقوم بتوسيع نطاق صرف اليوان في مواجهة الدولار.
وبررت المذكرة هذه التقديرات بأن الاقتصاد الصيني قد استوعب الجولة الأولى لإعادة تقييم اليوان بشكل سلس حيث استمر انتعاش الصادرات، ولم يقع الاقتصاد في براثن التباطؤ وذلك على النحو الذي أظهرته بيانات الربع الثالث عن الناتج المحلي الإجمالي.
ولفتت المذكرة إلى أن السلطات الصينية قد رفعت سعر صرف اليوان بمعدل فاق التوقعات إذ كان المتوقع إجراء تعديلات طفيفة بأن يكون سعر صرف اليوان عند مستوى 8.0897 يوانات للدولار، لكن جاء قرار تقييم العملة الصينية بزيادة 0.25% عن التوقعات.
وأفادت المذكرة أنه رغم توقع تبني السلطات الصينية نطاقا صارما لسعر الصرف لإكساب نظام الصرف الجديد المصداقية، ومواجهة تقديرات المضاربين بوجود جولات أخرى لرفع سعر صرف اليوان، إلا أنه من المتوقع بمرور الوقت أن تتسارع وتيرة رفع سعر صرف اليوان خلال المستقبل بحيث يبلغ سعره 8.02 يوانات لكل دولار خلال ثلاثة أشهر، و7.95 يوانات لكل دولار خلال ستة أشهر، و7.75 يوانات للدولار خلال عام.
وانتقلت عدوى المضاربة إلى الصحف الصينية، فقد تكهنت صحيفة »ديلي مورنينج« التي تصدر في هونغ كونغ بأن يقوم بنك الشعب الصيني بانتهاز فرصة زيارة وفد مصرفي من هونغ كونغ خلال الأسبوع الماضي لكي يعلن عن تفاصيل خطته لتوسيع نطاق سعر صرف اليوان في مواجهة الدولار. وقالت الصحيفة إن الوفد سوف يبدأ زيارته التي تستغرق أربعة أيام لبر الصين بزيارة شانغهاي وبعد ذلك ينتقل إلى بكين
ونقلت الصحيفة عن مصرفيين توقعاتهم بأن يقوم البنك المركزي الصيني بالإعلان عن بقاء الحد الأقصى لمبادلة اليوان بالدولار بالنسبة للمودعين كما هو دون تغيير عند مستوى 20 ألف يوان يوميا، أما بالنسبة لغير المودعين فإن الحد الأقصى، سيرتفع من 6 آلاف إلى 20 ألف يوان يوميا.
كما نقلت عنهم توقعهم بأن يرتفع الحد الأقصى للتحويل من 50 ألف إلى 80 ألف يوان، وأن يتم توسيع قائمة القطاعات المرخص لها بالتعامل على العملات الأجنبية لتشمل الاتصالات والسياحة والتعليم والطب، وهو ما من شأنه أن يضاعف قيمة الأموال المودعة باليوان في هونغ كونغ من مستواها الحالي الذي بلغ 20 مليار يوان في أغسطس الماضي، إلى 40 مليار يوان.
ضغوط الإدارة الأميركية
ويعزز مناخ المضاربة على سعر صرف اليوان،حالة عدم رضا الإدارة الأميركية عن المستوى الحالي لسعر اليوان في مواجهة الدولار، ومطالبتها بأن تقوم السلطات الصينية بإجراء رفع آخر في سعر صرف اليوان. وجاء هذا الطلب صراحة على لسان جون سنو وزير الخزانة الأميركية،
حيث تتعرض الوزارة لضغوط متزايدة من جانب أعضاء الكونغرس والتي تطالبها بإدراج الصين كدولة تتلاعب في أسواق العملات، وذلك ضمن التقرير النصف السنوي الصادر من جانبها بشأن ممارسات الشركاء التجاريين الرئيسيين بخصوص أسواق العملات.
ويتوقع أن يصدر هذا التقرير في نوفمبر الجاري. وفي حالة تسمية الصين كدول تتلاعب في أسواق العملات، فإنه ربما تتعرض لعقوبات اقتصادية. وأكثر من ذلك، من المقرر أن يلتقي الرئيس بوش مع الرئيس الصين هو جينتاو في نوفمبر الجاري،
ومن المقدر أن تطفو قضية العملة على سطح المحادثات، بيد أنه من المعروف أن الصين لا ترغب في أن ينظر إليها على أنها تنصاع للضغوط الأميركية،وإن كانت من وجهة نظر بعض المحللين ترى في تزايد الحمائية في الولايات المتحدة تهديدا جديا للاقتصاد الصيني.
كفاءة استيعاب رفع اليوان
وتجد اتجاهات المضاربة في التقارير الرسمية الصينية التي تتحدث عن كفاءة الاقتصاد الصيني في استيعاب الجولة الأولى من رفع سعر صرف اليوان، محفزا لها في التكهن بقرب حدوث جولة أخرى، حيث ورد في وثيقة صادرة مؤخرا عن البنك المركزي الصيني أنه على الرغم من رفع سعر صرف اليوان منذ ثلاثة أشهر ، إلا أن الاقتصاد الصيني لا يزال ينعم بالاستقرار، وما زال يحقق نموا سريعا.
وأشارت الوثيقة إلى أنه منذ عام 2003 تم تعديل سياسات الائتمان بنجاح لتهدئة سخونة قطاع العقارات وصناعات الحديد والصلب والألمونيوم والأسمنت، كما ان إصلاح سياسة الفائدة بأن تنهض على قوى السوق قد أحرز نجاحا ملحوظا.
وفي إطار الإشارات الرسمية الصينية عن كفاءة الأداء الاقتصادي، أعلن زينج جينك بينج المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاءات خلال مؤتمر صحافي بتاريخ 27 أكتوبر، أنه خلال الربع الثالث من هذا العام، حافظ الاقتصاد في الصين على عافيته بتحقيقه معدل نمو نسبته 9.4%، وذلك على الرغم من اتباع سياسة سعر صرف تستند إلى قوى الطلب والعرض، وذلك في إشارة إلى نظام سلة العملات.
لكن،على الرغم من اشتداد سخونة المضاربة على رفع سعر اليوان، إلا أن طريقة إدارة السلطات الصينية للجدل الذي أثير في وقت سابق بشأن تقييم العملة الصينية عزز الانطباع بأنه ربما لا تستجيب لأقوال السوق، وتطرح تلك التكهنات خلف ظهرها، وذلك على نحو ما حدث في السابق،
وأن تمضي في خطاها نحو الإصلاح وفق أجندتها الخاصة، وحساباتها في إدارة علاقاتها التجارية مع شركائها التجاريين الرئيسين، وعلى الأخص الولايات المتحدة، وذلك بما لا يخل بالصورة التي تحاول ترسيخها في الأذهان بأن تحركها على خطا إصلاح سعر صرف اليوان نابع من أجندتها،وليس امتثالا وإذعانا من جانبها لضغوط الإدارة الأميركية.
كتب مجدي عبيد
