اتسمت سوق العمل في الهند بالسخونة خلال الأشهر الـ 18 الماضية، بحيث راح أصحاب المهن من الشبان، يفرضون أجورهم كيفما شاء لهم.فقد أشعل النمو الاقتصادي المزدهر، والوعي المتنامي للفرص الخارجية، ارتفاعاً متسارعاً في رواتب القطاعات التجارية في الهند، والتي كانت يوماً أكثر هزلاً مقارنة بالدخول الغربية.
ويشار إلى أن الدخل السنوي للفرد في الهند، لا يتجاوز 500 دولار، غير أن دراسة نشرتها هذا الشهر، هيومان ريسورس كونسلتنغ، التي تتخذ من لندن مقراً لها، أظهرت أن رواتب القطاع الخاص، ترتفع بصورة أسرع من أي مكان آخر في العالم.
وفي هذا الصدد، قال غانفا بيرا شاكرا فيرتي، رئيس الخدمات الإعلامية في مكتب ميرسر الهندي، إن الشركات أخذت تكبر بصورة مطردة وباتت تدرك الحاجة لدفع رواتب مجزية لعامليها لاجتذابهم والاحتفاظ بالمواهب.
وأظهر التقرير الذي غطى خمسة مستويات من العاملين من الموظفين المكتبين إلى كبار المسؤولين التنفيذيين أن الرواتب في الهند سترتفع 7.3 في المئة فوق التضخم العام المقبل و11.3 في المئة في الإجمالي كما تشهد الأجور حركة تصحيحية متأخرة، ومن نافلة القول إن اقتصاد الهند الاشتراكي، لم يكن يطلب قطاعات خدمية على مستوى عال من التطور، مثل العلاقات العامة والإعلانات إلا منذ وقت قريب، غير أن البلاد أضحت أكثر وعياً للتسويق منذ اندماجها بالاقتصاد العالمي.
وإلى ذلك قالت كافيتا باسكران التي اختيرت من بين صفوف إحدى شركات العلاقات العامة بشغل منصب نائب المدير في شركة أخرى: لقد أصبحت هناك فجأة شواغر وظيفية في قطاع الاتصالات التجارية عندما لم تكن تلك الدوائر موجودة أصلاً منذ عام.
وفي السياق ذاته قالت اندوشوبرا مديرة شركة »تدوس كريشنز« للتوظيف ان الرواتب في قطاع الإعلام ترتفع إلى ما بين 30 ــ 35 في المئة سنوياً إلى مستويات عليا.وعزت الارتفاع في الدخول إلى سوق عمالة مرنة، بات الشبان فيها يدركون خياراتهم في داخل الهند وخارجها.
وتتابع شوبرا قولها إن كثيرين لا يبقون في وظائفهم أكثر من عام، في حين أن آخرين يسعون وراء مناصب مغرية في شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا أو الولايات المتحدة.
هذا فضلاً عن توافر خيارات أخرى لأصحاب المهن في الهند، فقد انتقل آرون شارما وهو محاسب معتمد في شركة إعلانات إلى وظيفة مماثلة في شركة أخرى، حيث حصل على زيادة 5 في المئة فوق راتبه.
ومن جانبه، أكد فيفيك ستريغا ستافا المدير التنفيذي في وكالة إعلانات تريتون كوميونيكشنز ذلك قائلاً إنه يعطي الموظفين الناجحين معاشات تصل إلى 50% أعلى مما كانت عليه منذ عامين.
وقال في هذا الصدد إن العاملين ذوي السجلات الوظيفية المشرفة بحاجة إلى عروض أعلى من معدلات الرواتب الحالية، حيث إن كثيراً من الشركات تخطب ودّهم. وتابع إنه مستعد الآن لأن يدفع لقائد فريق ناجح كان يتلقى 100 ألف روبية شهرياً منذ عامين دخلاً شهرياً يوازي 140 ألف روبية.
لا شك أنها أخبار سارة بالنسبة لقطاع عمالي، طالما عانى من ندرة الفرص، فقبل إزالة الحواجز أمام الاستثمار الأجنبي أوائل تسعينات القرن الماضي، كانت الفرص محدودة أمام المهنيين المتعلمين، فقد كانوا مضطرين للعمل في قطاعات حكومية متدنية الأجور، أو الالتحاق بتجارة العائلة، أو السفر إلى الخارج.
وكانت الشركات الأجنبية والبنوك، تدفقت إلى البلاد في تسعينات القرن الماضي، حيث أسست عمليات محلية، غير أن الاقتصاد لم يقف على قدميه إلا منذ سنوات قلائل.
فقد نما الناتج الإجمالي المحلي بمعدل 8.1 في المئة خلال الربع الواقع بين شهري أبريل ويونيو، تحركه قطاعات تصنيعية وخدمية مزدهرة. كما شهد القطاع الخدمي توسعاً بمعدل 9.8 في المئة، خلال العام الماضي. كما نما الاقتصاد بمعدل 7 في المئة خلال العامين الماضيين.
وفي هذا الصدد يقول سوبير غوكران، الاقتصادي في وكالة التصنيف الهندية كريسيل، إن النمو الاقتصادي يترجم في مكاسب أعلى للموظفين الإداريين، كما أنه يعكس طاقة إنتاجية أعلى لهؤلاء الموظفين.
وفي ظل هذا الاقتصاد النشط، لم يعد الخريج بحاجة لمغادرة البلاد كي يصبح مصرفياً استثمارياً، أو مستشاراً إدارياً، بل يمكنه البقاء في البلاد ويكسب دخلاً جيداً.
كما أن الأجور انتعشت في القطاعين المالي كما التصنيعي، إضافة إلى الإعلام وفي هذا الصدد يقول ستيف أغراوال، المدير التنفيذي لـ ABC كونسلتانتس، إحدى أكبر شركات التوظيف في الهند، إن التصنيع انتعش بصورة كبيرة، ويعزو ذلك بصورة كبيرة إلى دخول الشركات الأجنبية المستعدة لدفع رواتب عالية بالدولار للعمالة الخبيرة.
كما يمر القطاع المالي بتغييرات مشابهة، وإلى ذلك قال أغراوال: هناك نشاط واسع في استخدام بنوك الأفراد، للعمالة المتوسطة والمبتدئة، وعزا ذلك إلى ازدياد عدد العملاء الباحثين عن الرهونات أو لفتح حسابات بنكية. وأضاف ان رواتب بنوك التجزئة في تلك المستويات، ترتفع بمعدل 20 في المئة سنوياً.
ومضى إلى القول إن رواتب البنوك الاستثمارية الأولية ارتفعت إلى 90.000 روبية في الشهر من 50.000 روبية منذ عامين، وأعرب أغراوال عن ثقته بعدم انهيار سوق العمالة تحت ثقله، قائلاً: إن الفرق بين الطفرة الحالية، وتلك التي كانت منذ خمسة أعوام، انها كانت في قطاع تكنولوجيا المعلومات والإنترنت أما الآن، فهذه الطفرة تشمل جميع القطاعات.
ترجمة وائل الخطيب
